الشاعر الاردني محمود الرجبي: المشهد الثقافي الأردني يعيش في حالة الفوضى
مأرب برس - خاص
الجمعة 19 ديسمبر-كانون الأول 2014 الساعة 05 مساءً

 

لقد انتشر بيننا بشكل سرطاني خبيث أشباه الكتاب والشعراء بعد أن انتشر أشباه المثقفين بطريقة تدعو للسخرية.

القصيدة عند الترجمة تخلع روح شاعرها وترتدي روح مترجمها.. إنها تفقد خصوصيتها وخصائصها التي تهديها إليها روح الشاعر واللغة الأم التي خلقت به !!

 محمود الرجبي، شاعر و قاص متنوع الإنتاج يملك روح شابة نشطة مفعمة بالحكمة و التواضع يكتب و ينشر في بعض الأحيان على نفقته الخاصة كما تجده متواجد كمبدع على الشبكة العنكبوتية خصوصاً الفيسبوك يشرف على أكثر من خمس مجموعات أدبية نشطة و ذات حضور شبابي، نلتقيه في حوار أدبي معمق يبحر في إهتمامات متعددة حول مشكلة ترجمة القصيدة الشعرية و نحلق في فضاء شعر الهايكو ثم نتوقف مع بعض هموم المشهد الثقافي الاردني و قضايا عديدة في عالم الرجبي الخاص...لن اطيل عليكم لنرحب بضيفنا الكريم..

...حاوره من باريس : حميد عقبي

لفت انتباهي قولك أعتقد استحالة ترجمة قصيدة. القصيدة تُخلق بلغتها الأولى دائما... وأية ترجمة

 لها ليست أكثر من ترجمة للجسد دون الروح نتمنى ان توضح هذا الرأي اكثر؟

ترجمة الشعر نقطة خلافية لم يتفق عليها أحد سيدي, قال الجاحظ: «الشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى

حوّل تقطّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه…»، بينما قال الروائي جوزيه ساراماغو: «الأدب العالمي يبدعه المترجمون»

 

وكذلك الدكتور المبدع جمال الجزيري يقول:( هذا يتوقف على نوع الترجمة وعلاقة المترجم بالإبداع (هل هو مبدع أم لا؟). أظن أن روح النص هي التي تبقى عند ترجمته إلى لغة أخرى وهي روح تحل في جسد آخر بلغة أخرى. هناك مقولة تقول: ما يتبقى من الشعر أو ما يمثل جوهر الشعر هي الذي يتبقى في القصيدة عند ترجمتها للغة أخرى. ولذلك لا تمثل الزخارف ولا الموسيقى عنصرا جوهريا من عناصر الشعر لأنها أول شيء قابل للضياع عند الترجمة. الأسلوب الاتصالي أو التواصلي في الترجمة communicative approach يتمثل في أن يستوعب المترجم النص الأصلي ويتوصل إلى الأثر الإجمالي الذي يريد أن يخلقه الشاعر في نفس المتلقي الأصلي للقصيدة في اللغة الأجنبية ثم يحاول أن يخلق هذا الأثر في نفس قارئ الترجمة باللغة المترجم إليها. طبعا هناك تغيرات تركيبية ولغوية وربما حتى دلالية وثقافية يتم إجراؤها على النص الأصلي حتى يتم تحقيق هذا الأثر. في اللغة الإنجليزية مثلا، الصيف هو الفصل الذي يقابل الربيع عندنا، فهو أفضل فصول السنة هناك، ولذلك عندما أترجم قصيدة لشكسبير مثلا يستعمل فيها الصيف بوصفه معادلا لحبيبة الصوت الشعري في جمالها لا يمكنني في العربية إلا أن أترجمه بالربيع. وفي اللغة العربية مثلا نقول: "أثلج صدري" تعبيرا عن أن الشيء محمود أو له دلالة إيجابية. ولكن عند الترجمة إلى الإنجليزية، لابد أن أعكس كلمة "أثلج" إلى "أدفأ" لأنهم يقولون: It warmed my heart مقابلا لتعبيرنا أثلج صدري. فالخيانة هنا ضرورة شعرية وفنية لو لم يقم بها المترجم لصار خائنا حقيقيا)).

في الحقيقة إن قولي السابق بخصوص الترجمة كان نتيجة تجربة خاصة, حيث قلت : ما زلت أعتقد استحالة ترجمة قصيدة. القصيدة تخلق بلغتها الأولى دائما... وأية ترجمة لها ليست أكثر من ترجمة للجسد دون الروح !!

إن القصيدة عند الترجمة تخلع روح شاعرها وترتدي روح مترجمها.. إنها تفقد خصوصيتها وخصائصها التي تهديها إليها روح الشاعر واللغة الأم التي خلقت به !!ا

القصيدة عند الترجمة, تتحول إلى صفٍ من الكلمات الخالية من الصورة والأحاسيس وما بين السطور وما وراء النص .. الترجمة تعريةٌ وفضحٌ للنص الذي يتكون ويخلق في عقل المترجم فقط !!

سأعطيكم مثالاً حدث معي.. لقد كتبت قصيدة تانكا وهي تصلح كابيجراما أيضا.. القصيدة

لمَّا تتجمعُ فينا الصرخةُ والآهاتْ

تصمتُ في داخلنا الكلماتْ

كربيعٍ يُزهرُ وقتَ الصيفْ

كجنونٍ يقتلهُ الخوفْ

كطيرٍ أضاعَ جناحيهِ وماتْ !!

وعندما قمت بالترجمة وجدتني أكتب قصيدة جديدة

In times of need and violence

Words in us wearing silence

No meaning to the word (why )

Like a bird loses his wings and die !!

ألم أقل لكم: إن الترجمة تخلق قصيدة جديدة؟!

ومع ذلك استطاع صديقي الكاتب نسيم السعداوي أن يترجم القصيدة إلى الفرنسية بطريقة قريبة جدا إلى روح قصيدتي العربية, مما بعني أن الترجمة هي عبقرية قدرات ومهارات بالأساس:

Quand en soi se réunissent le cri et le soupire ...

En nous se taisent à jamais les mots

Comme un printemps fleurissant en plein été

Comme une folie asphixiée par la peur !

Comme un oiseau qui a perdu ses ailes et droit voulu sa mort !

تقول زويا بافلوفسكس في مقالة لها: ((تحتاج ترجمة الشاعر، في الوضع الأمثل، إلى شاعر مثله. ولكن هذا المبدأ يستتبع قدراً كبيراً من التساهل إذا أردنا لأصالة المترجم نفسه أن تبقى غير منقوصة. فكلما كانت فردية الشاعر أقوى، قل احتمال أن تكون ترجمته لعمل شاعر آخر مجرد صورة في مرآة. لكن المنطق السليم يقول لنا إن ثمة نقطة تصعب العودة منها، وإذا ما تجاوزتها عملية إعادة الخلق توقفت عن كونها ترجمه ))

محمود الرجبي شاعر و قاص و كاتب متنوع و متعدد الاهتمامات حدثنا عن هذا التنوع الانتاجي و روافده و اهم القضايا المقلقة في عمق هذا الانتاج؟

أنا أحب التجريب في كل شيء سيدي, ما المانع أن نسير مع تيار الحداثة السريع, خاصة أن السرعة أصبحت سمة كل شيء في حياتنا؟!.ومع أنني بدأت في الكتابة في ركوب قارب الشعر التقليدي العمودي, إلا أنني عشقت الشعر الحر وكذلك قصيدة النثر فأنا أومن بحرية الكاتب والشاعر باختيار أو تفصيل الثوب الذي يناسب جسده الفكري ومخزونه اللغوي وإحساسه الخاص في اللغة.

أنا أكتب بعدة لغات في كل جنس أدبي تقريبا, من الشعر بأشكاله المختلفة, إلى النثر والسردية مثل القصة الطويلة والقصيرة والقصيرة جدا والومضة, وكذلك في فن التوقيعة والأبيجراما الشعري والنثري, والهايكو والتانكا والنانو!!

وهنا أدعو الكتاب أن لا يخوضوا في فلسفة الجنس الأدبي, وأن لا يهتموا بها أصلا, فالكاتب الحقيقي لا يضع فكره وكلماته في قالب ويقيس عليه, الكاتب لا يحمل مسطرة, فهذه مهمة النقاد فقط !

فلا يوجد أي صراع بين الأجناس الأدبية, ولكن النقاد – فقط- هم الذين اقاموا الدنيا واقعدوها حين ظهر الشعر الحر!!.

فالشعر الحر ليس فنا حديثا وليس خروجا جديدا على علم العروض والبحر الواحد ، فقد رأينا كيف أن أهل الاندلس أبدعوا في الموشحات والكان كان، والمواويل وغيرها من الفنون الشعرية المحدثة في الشعر العربي فكثير من الموشحات لا يستقيم بها الوزن وتجد فيه خروجا سافرا عن عروض الخليل وأحيانا لا تجد وزنا اطلاقا, هذا لا يعني أنني أقف مع هذا وأهاجم ذاك, فأنت تقرأ قصيدة عمودية ولا تعجبك وقد تعجبك وكذلك الشعر الحر.

إن العمل الادبي هو بمثابة الجذور المتعطشة للماء، وإن موهبة الكاتب او الأديب تعمل على تثبيتها في الأرض لتصبح صالحة لامتصاص غذائها ، فتكبر وبالتالي تعمل على نمو نبته قوية ، سمادها التجربة وماؤها الاطلاع . وكثيراً ما يسأل القارئ عن سرّ سيطرة روح الفلسفة على كتاباتي والذي قد يكون ذلك نابعا من كثرة قراءتي لكتب الفلسفة واطلاعي بكثرة علي قصائد (ت.س.اليوت) و وباعتقادي ان ذلك يضفي بعدا ثالثا على القصيدة وهو البعد الداخلي النفسي ويسير بها بعيدا جو المباشرة الذي يرتبط بالمكان والزمان ارتباطا كبيرا

وبالنسبة لاستخدام الحوار ، فالحوار يعطي الفكرة جمالا وحرية اكثر في التعبير عما في خاطرك باقل صورة ويستخدم الحوار في الأبيجراما الفلسفية من أجل عرض فكرة طارئة . 

لك نشاط و تقود عدة مجموعات ادبية و شعرية على الفيسبوك ثم اعلنت انك ستتوقف عن هذا النشاط هل ياتي هذا من شعورك ان تأثير هذه الانشطة ضعيف ام ترى انها مفيدة و مؤثرة؟

كان إعلاني بسبب انشغالي بهذه المجموعات على الفيسبوك مما أثر بشكل واضح على إنتاجي الأدبي, فالوقت محدود, ونحن في عصر السرعة في كل شيء, بالإضافة إلى أنني لا أعمل في مجال الأدب في الحياة, فأنا مهندس محترف في مجال الهندسة الميكانيكية, لذا فإن وقتي محدود جدا, وكنت سأتوقف للتفرغ لإنجاز كتابي الأخير( لم أخرج مني بعد!! ) وهو من فن الابيجراما النثري على طريقة الأستاذ طه حسين في كتابه ( جنة الشوك) .. المهم الفيسبوك أصبح حالة إدمان بالنسبة لي, لا يمكن التخلص منها أبدا, وهي مفيدة جدا, ووسيلة مدهشة لنشر الثقافة والأدب بين الناس.

كما تعلم, أنا أشرف على عدة مجموعات أدبية في الفيسبوك, أذكر منها:

- فن كتابة القصة القصيرة جدا.

-المقهى الثقافي لتجارب المبدعين في القصة القصيرة جدا.

-قصة من ست كلمات.

-نادي الهايكو العربي

-نادي الأبيجراما العربي.

-مقهى التأملات والشذرات العربي.

-نادي التوقيعات الأدبية

 

الربيع العربي تلته عواصف سياسية قوية خرج منها المواطن العربي محبطا ما اثر ذلك على المثقف العربي و الانتاج الادبي كيف يمكننا ان نلمس هذه التأثيرات؟

 

الربيع العربي لم يؤثر بالمثقف العربي وحده, بل أثر في كل سيء حولنا, إن السرعة التي قامت بها الثورات والسرعة التي انتهت بها بعضها والنتائج التي تحققت من خلالها, تركت شعورا باليأس وبالعبثية لدى بعض المثقفين, وتركت شعورا بالأمل والتحدي لدى البعض الآخر, فيكفي أنها كسرت حاجز الخوف, وأثبتت أن الآخر يسكن فينا, أن أعداءنا هم نحن قبل أي عدو آخر, وأن أكبر عدو يجب القضاء عليه قبل أي عدو خارجي أو داخلي هو الجهل !!

(إن الغاية من الربيع العربي كان الخروج إلى انفراج يمكن أن يخرج هذه الشعوب من وضعها المحرج ، ويبعث فيها الحياة ، ويزحزحها ولو قليلا من حالة السكون والذل والخنوع إلى حالة الانبعاث ، وتحريك الأجيال وبث روح التفاؤل فيهم ، عن طريق إيجاد متنفس لهم ، وفتح الآفاق أمامهم نحو الحياة والانفتاح والحرية التي ما كانت تلك المطالب يوما سوى حلما يراود كل إنسان واع في هذه المجتمعات) .

ولكننا فشلنا بسبب وقوفنا ضد أنفسنا وتكالب التخلف والرجعية العربية والخوف من الآخر فينا, أذكر أنني كتبت قصة قصيرة جدا بعنوان (حكاية الثورة) صدرت في كتابي ( لا شيء أكثر أو أقل !! ) وهو مجموعة قصص قصيرة جدا صدرت العام 2013 ما يوضح ويختصر حالة الربيع العربي بيننا:

(حكاية الثورة)

قبل التفكير بالثورة.. الحزن والذل والهمّ واليأس يُفرّقون الناس عن بعضهم.. الخوف يشنق الثقة ويقطع رأس المغامرة على مقصلة الشك الذي إنْ بدأ فلن ينتهي !!

قبل الثورة.. الحلم والأمل وتعب الانتظار والصبر الجميل يُقرّبون الناس من بعضهم أكثر , فتسقط الفوارق وتذوب الاختلافات وتتوحد القلوب على الغضب باتجاه واحد فقط !!

عند بدء الثورة.. الصمت والمحبة والجنون والحاجة إلى الحرية والإصرار والتوحد والأحاسيس المتحفزة وامتزاج الأفكار حد التلاصق، يوحدون الاتجاهات لتصبح بوصلة واحدة ترسم اتجاه النصر بالأغاني والأناشيد الغاضبة !!

بعد الثورة.. الحزن والذل والهمّ واليأس والغضب يُفرّقون الناس عن بعضهم.. الجماهير الغاضبة في كل مكان.. غيوم الاختلاف تملأ السماء وشمس الحرية تتلاشى على أفق رفض الآخر وتبادل الاتهامات المضحكة .. مواجهات في كل الشوارع والأزقة المتعبة.. إنها كعكة السلطة المتعفنة.. وسكاكين تحملها أنوف فقدت حاسة شم المؤامرة !!

 

صف لنا المشهد الثقافي الاردني اليوم و اهم الرموز المنتجة خصوصا في الشعر؟

 

أكثر كلمة مناسبة لوصف المشهد الثقافي الأردني هي (الفوضى), لقد انتشر بيننا بشكل سرطاني خبيث أشباه الكتاب والشعراء بعد أن انتشر أشباه المثقفين بطريقة تدعو للسخرية. ولعل أجمل توضيح للمشهد الثقافي الأردني ما كتبه الأستاذ فخري صالح:

(. ثمّة أعدادٌ كبيرة من "الكتّاب" لكن دون أن تكون هناك حركة كتابة. ثمّة روابط واتحادات للكتاب والمثقفين لكن لا تأثير حقيقيّاً لهذه المؤسسات، التي يُفترض بها أن ترعى حقوقهم وتطوّر الحالة الثقافية العامّة. إننا نعيش في حالة من الركود الثقافي، وعزوف الكتّاب ذوي الأهليّة الثقافية عن المساهمة في هذا الخراب العميم الذي أصاب حياتنا الثقافية، بحيث يتصدّر العملَ الثقافي أصحابُ المواهب الصغيرة المحدودة من الطامحين إلى الظهور، أو الساعين إلى المكاسب والمصالح الضيّقة، التي تغلب عليها الفئويّة أو المحازبة أو الشلليّة، بحيث فقدت مؤسساتنا الثقافية، سواءٌ تلك الحكومية أو الأهلية، وزنها واحترامها بين الناس. هكذا صار كلّ من أمسك القلم أو أمسك الريشة، أو كلّ من ادعّى وصلاً بليلى الثقافة، مسؤولاً ثقافيّاً كبيرا أو نقيباً أو رئيساً لمؤسسة ثقافية. كما تهلهل الوضع إلى الحدّ الذي تلاشى فيه دور المثقفين الحقيقيين، وإسهامهم الفعليّ في تحقيق تقدم وتطور في الحياة الثقافية الأردنيّة التي ازدهرت حين كان عدد الكتّاب والمثقفين لا يزيد عن المائة، لكنها تردّت واضمحّل دورها وتراجع تأثيرها في الداخل والخارج حين زاد هذا الرقم عن عشرين ضِعفاً. فالإنجاز في عالم الثقافة والفكر والإبداع لا يقاس بالكمّ بل بالكيف والنوعيّة، كما أن الحراك الثقافيّ يتطلّب عقولاً استراتيجيّة ودفعاً داخليّا ومشاريع كبيرة لكي يتحقق ويؤدي إلى تحول وازدهار في المجال الثقافي العامّ. لكننا، ويا للأسف، نفتقد هذه العقول الاستراتيجّية، ونعاني من يأس مقيم واستسلام للخراب الذي يلفّنا من كلّ جانب)

 

ومن أهم الأسماء المتميزة في مجال الشعر حاليا في الأردن, أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:( يوسف عبد العزيز، سعد الدين شاهين، مها العتوم، راشد عيسى، صلاح أبو لاوي، أحمد الخطيب، محمد ضمرة، محمد العزام، مهدي نصير، غازي الذيبة، أحمد أبو اسليم، مريم الصيفي، علي شنينات، موسى حوامدة، مهند ساري، نضال برقان، إسلام سمحان، تركي عبد الغني، عبد الكريم أبو الشيح، رفعة يونس، محمد لافي، وأديب ناصر)

 

لك تجربة جميلة في شعر الهايكو حدثنا عن هذه التجربة و سبب هذا الانجراف الى شعر الهايكو؟ 

 

أخبرتك سابقا سيدي, أن الهايكو قصيدة اللحظة.. التقاط المشهد الذي لا ينتبه إليه العابرون.. وعندما يقرؤون نصك تصيبهم الدهشة ويقولون “يا الله كيف لم ننتبه لهذا؟!”.. الهايكو أشبه بالتوقيعة والأبيجراما.. تجد فيه كل شيء ولكنك تجد فيه روحك أولا!!

إذا أردت تعريفا تقليديا لشعر الهايكو فهو:( هو نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أوأحاسيس عميقة. تتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة)

وقد وصفتُ الهايكو بقصيدة هايكو:

صنارةُ صيدٍ سحريةْ

تصطادُ ما يجري وتتركُ ما جرى

فترى في المشهدِ ما لا يُرى-

الهايكو !!

 

أو كما وصفت في قصيدة أخرى كيف يجب أن يكون الهايكست:

 

أرى ما لا يَراهُ سِوايْ

أرى قمراً وألفَ نايْ

فتنكِرُني يدايْ

أرى ما لنْ تَرى

هو الشيءُ الذي لا يُشترى !!

  

يقول الدكتور حاتم الصكر في مقاله له:( يحمل شيوع كتابة القصيدة القصيرة جدا أو الهايكو في شعرنا المعاصر دلالتين في اعتقادي: هما علامة صحة في المجمل والمحصلة. أولاهما: مواصلة الشعراء الحداثيين العرب بحثهم عن أشكال مبتكرة وكيفيات جديدة للمحمول الشعري، ومحاولة اجتراح طرق جديدة لتخليص قصيدة الحداثة (الوزنية والنثرية) من رتابتها وتقليديتها .وثانيتهما: البحث عن مراجع ومؤثرات مغايرة لما ألف الشعراء احتذاءه في تجاربهم السائدة، فقد مر بالحداثة الشعرية العربية زمن طويل يقرب من سبعة عقود وهي تستلهم المؤثر الغربي بشقيه الانجليزي والفرنسي ومؤخرا ببعض التجارب في اللغات الاجنبية الأخرى. لكن الالتفات إلى الشرق وتحديدا لتجارب اليابان بماضيها الفكري والفني هو الجديد في تغير المراجع والمؤثرات).

إن سبب الانجراف الحقيقي إلى شعر الهايكو هو الفلسفة العميقة التي تختفي خلف النص, وكذلك ارتباطه بالطبيعة حولنا, وقصر النص وسهولة حفظه وتذكره, تماما مثل الأبيجراما والتوقيعة, فقد سيطرت السرعة على ذائقة القارئ العربي في كل شيء, ولكن حتى يتم تحديد الجنس الأدبي للهايكو العربي الوليد والحديث نوعا ما, وحيث أنه لا يمكن الاستغناء عن الايقاع في الهايكو فأنا أقترح بخصوص الأسلوب الذي قد يُتبع في كتابة قصيدة الهايكو, أقترح أن يكون على ثلاثة طرق:

طريقة الشعر الموزون على وحدة التفعيلة (الشعر الحر)*

حيث يتم استخدام بحر واحد مع كل مجازاته الممكنة, مع الحفاظ على الشكل التقليدي للهايكو

مثال على ذلك من شعري:

(إبداع)

الإبداعُ ماءٌ يجري كي يتجددْ

لا يأخذ شكلاً أو جسداً

حتى يتجمدْ !!

 

:طريقة المزج بين بحور الشعر الموزون والايقاعات المختلفة*

بحيث يكون كل سطر بتفعيلات مختلفة عن السطر الذي يليه أي من عروض بحر مختلف وقد

مثال من شعري:

إيقاعات مختلفة

ثلاثةٌ أنتَ والازدحامُ يُمزقكْ

المرآةُ وجهٌ رآكَ فأنكركْ

الظلُّ يخرجُ منكَ الآنَ ليتبعكْ !!

 

طريقة قصيدة النثر بالاعتماد على الموسيقى الداخلية للغة المستخدمة في النص *

 (وهي ليست سهلة إطلاقا وتحتاج إلى خبرة وتمرس كبيرين

مثال من شعري:

تقطير

تعصرني قبضة الوقتْ

أسقط قطرةً قطرة

في فمِ الموتْ !!

علينا أن لا ننسى في أي أسلوب يتم استخدامه: أن الصورة الشعرية هي مَنْ تصنع القصيدة وليس الموسيقى!!.

 

في احدى المناسبات ذكرت ان ابنتك تجبرك احيانا على تعديل شيء في قصائدك نفهم من ذلك انها الناقد صاحب السطوة على محمود الرجبي و يعني انك تعرض انتاجك عليها و تستجيب لاقترحاتها ؟

بالتأكيد, فهي ناقدة قاسية جدا على كتابتي ولا تستخدم أية وسيلة للمجاملة معي, إن ابنتي (يمنى) هي القارئ الأول لي, وهي الفلتر أو المصفاة التي تمر عبرها أفكاري وكلماتي قبل عرضها للآخرين, فهي شديدة التعقيد وواسعة الثقافة!!

 

من يطلع على قصصك القصيرة او بعض قصائدك يظن انه امام شاب عاطفي رومانسي يتحدث عن الحبيبة و الشوق و العشق قد يقول البعض ان هذا لا يناسب مرحلتك العمرية ما ردكم على هذا و ما تفسيركم لهذه الروح الشابة المفعمة بالرومانسية؟

 

وهل يتوقف الإنسان عن الحب؟!.. وهل الحب شعور يموت مع التقدم في العمر؟!.. بالتأكيد لا يا سيدي, لا تنس يا صديقي, أن السنين لا تهدينا الحكمة’ إنها تهدينا الشيخوخة فقطّ!!, الجسد وحده من يشيخ, أما الروح فإنها تبقى شابة إلى الأبد, وما الموت إلا إعادة تجميع لأرواحنا, التي خرجت من مصدر واحد, واحتلت أجساداً مختلفة فقط!!

هل سمعت عن شاعر توقف عن قول الحب عندما بلغ السبعين مثلاً, لا أعتقد أن ذلك قد يحدث أبدا !!, ثم إن المرأة بالنسبة لي لم تكن ذاتا تفرض نفسها أو تقتحم أبيات شعري وقصائدي أو كلماتي, بل هي رمز يطرز أحلامي في الوطن والأم والحياة نفسها !!

 

ما هو الجديد لدى محمود الرجبي و هل من عوائق تقف امامه خصوصا في النشر و التوزيع؟

جديدي بإذن الله, كتاب محاورات فلسفية على طريقة الأبيجراما بعنوان ( لم أخرج مني بعد !! )

ولا توجد عوائق أمامي, فما لا تقبله دور النشر, أنشره على حسابي الخاص, فليس هناك أية مشكلة في هذا الأمر, المشكلة الوحيدة: أن الكتاب الورقي يموت, وهو في آخر أيامه, والسيطرة الآن هي للكتاب الإلكتروني, وهذا أمر محزن بالنسبة لي!!

 

هل يجد المبدع في الاردن دعما من المؤسسات الثقافية الرسمية و هل من مؤسسات خاصة تدعمه؟

وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية الأخرى الخاصة تقوم بمجهود تشكر عليه, ولكنه غير كاف إطلاقا, فحالة النشر والتوزيع من سيء إلى أسوء, بسبب سياسة التهميش والمحاباة التي تملأ المشهد الثقافي في الأردن حالياُ, يقول الأستاذ فخري صالح:( فالناظرُ إلى تاريخ تشكيل الحكومات الأردنية، خلال العقود الماضية، سيجد أن وزارة الثقافة جرى إلغاؤها أكثر من مرّة وتمّ إلحاقها بوزارات أخرى، فتارةُ هي ملحقةٌ بوزارة الإعلام وتارة بالسياحة. كما أنها أُسندت في معظم التشكيلات الوزارية إلى أشخاص من خارج الوسط الثقافي),وأخيراً فلنتذكر يا سيدي, أن الجائع آخر ما يفكر فيه هو الثقافة!! 

 
تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 0
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية
 
إختيارات القراء
قراءة
تعليقاً
طباعة
إرسال