وعاد حبي للوطن
ابو الحسنين محسن معيض
ابو الحسنين محسن معيض

شدتني كلمات نطق بها عدد من الناس وهي تبين حجم الغشاوة التي كانت تحيط بقلوب الكثيرين منهم .. وكم تمر على السامع كلمات لا تعني له شيئا ولكنها تحمل في طياتها المعاني القوية المؤثرة ..

قال لي التاجر الكبير : اليوم أحببت وطني .. امتلاء قلبي شغفا بوحدة اليمن .. قبلها كنت قد تشبعت كرها للوحدة ونضب من وجداني حب الانتماء لهذا البلد لما كنت أراه من الفساد والظلم والمحسوبية .. وكنت أظن أن الخير سيكون في الانفصال وأن أهل الشمال شعبا ومسئولين مشتركون في هذا الظلم الواقع علينا .. وأن صنعاء وتعز وإب لا تستطيع القيام بعمل ثوري من أجل التغيير أو حتى الهتاف ضد الظالم بكلمة حق .. فقلت : وما الذي غيرك ؟ قال بنبرة إعجاب هؤلاء الشباب في المخيمات والاعتصامات في عموم الوطن .. هذه الدماء التي سالت في كل مكان .. هذا الصمود .. هذا الاتحاد والاستيعاب لكل شرائح المجتمع .. مواقف وأقوال جعلتني افخر بالانتماء لهذا الشموخ وهذه العزة .. أخيرا أكاد أتفجر فخرا باني يمني ..وأني وحدوي .. لقد انقشعت الغمامة السوداء التي كانت تحيط بي .. لم يعد الانفصال غاية لي ولا هدفا .. بل اثبت الشباب ضآلة حجم المنادين به وهشاشة بنيانهم وركاكة أهدافهم .. احبك يا يمن .. وابعد الله عنك الفتن ..

قلت : هذه من بركات الثورة السلمية .. أفعال لا أقوال .. صمود ونضال لا تخاذل واحتيال .. صدق و نزال لا كذب وجدال .. بذل وتجرد .. صبر وتجلد .. وشتان بين شباب يرابطون في الساحات بالدم والعرق وشلة التنظير والهدم على أرائك الفنادق والشقق .. شتان بين لذة حر الشمس ظهرا وعلة برد التكييف عصرا .

ـ قال الأخر وهو مشارك في الاعتصام : كنت في الساحة ورأيت علما للجمهورية يسقط من مكانه .. فهببت مسرعا وأخذته ونفضت التراب من عليه وقبلته ثم رفعته إلى مكانه .. وعدت للجلوس في مكاني وتفكرت مليا فيما حصل .. قبل أشهر عدة لم يكن هذا العلم يعني لي شيئا .. مجرد خرقة قماشية ربما تفيدني في نظافة زجاج أو غيره .. وكم مررت على أعلام مرمية ولم اكترث لذلك .. فلماذا لم أرض اليوم أن أراه مرميا ؟! ما هذه الغيرة الجديدة ؟! وما هية هذا الشعور الذي اجتاحني بعد أن رفعته وحضنته .. الحب .. الانتماء .. الوطنية .. الواجب .. مشاعر فياضة جميلة تشعرك بالراحة والرضا .. وأخيرا استعدت حبي للوطن ..

قلت له : لم نكره يوما وطننا .. ولكن ظلم الحاكم والفساد وغرس الشر بين العباد هو الذي كرهناه وهو أمر تطور يوما بعد يوم حتى وصل إلى درجة تحميل الوطن والوحدة وأهل الشمال كل الأسباب .. واستغل أهل المصلحة الأمر فزينوا لنا أن الحل الأسعد هو في العودة لسابق العهد حيث كان النظام والأمن وراحة البال .. ولكننا اليوم اكتشفنا أن السبب هو في الحكومة والحكام وليست في الوطن والشعب فلو توفر لنا من يحكم البلاد بالعدل والمساواة والحق والمؤاخاة فلن نفكر في الانفصال ولا أنا من جنوب أو من شمال !

ـ لطالما خوفنا الحاكم من حدوث الانشقاقات والانقسامات في البلاد إذا خرج من الحكم ناهيك عن القتل والشر بين العباد .. وطالما أقنعونا أن الرضا بالموجود خير لنا من القادم المنشود .. ذكرت ذلك حين خرجت مسيرة تجوب شوارع عاصمة شبوة ( عتق ) تطالب بسقوط النظام .. سارت بشكل ليس له مثيل في الالتزام .. أحاط بجوانبها شباب كالصخر يمنعون العبث أو العدوان .. لا يصدق المشاهد ما يراه أمامه وقد سمع عن شبوة وشراستها وتفشي ظاهرة حمل السلاح والثارات والعداوات .. وكانت الصورة الأجمل فيها أن ملاك المحلات التجارية قد خرجوا على الأرصفة يحيون هذه المسيرة ويرددون الشعارات ويلتقطون الصور الحية .. ومن وراء ظهورهم محلاتهم مفتحة الأبواب .. مسيرة لم يخدش أو يصب فيها أحد ولم يحدث فيها أي تدمير أو تكسير وبعد الانتهاء قام الشباب ينظفون الساحة من أكياس الماء وعلب الصحة لتعود أجمل مما كانت .. إنها صورة حية لشكل دولة طالما حلمنا بها .. دولة النظام والخير قريبا بإذن الله تعالى ..

ـ أيها الحاكم الظالم .. الكل يردد في وطن الإيمان والحكمة .. ارحل ـ يؤجلون مواعيد أفراحهم لتكون الفرحة فرحتين ـ العصافير اعتزلت التغريد واحترفت النحيب ـ الأشجار عطب ثمرها ـ الأزهار جف عطرها ـ أطفالنا تركوا برامجهم المفضلة وذهبوا يتابعون الجزيرة وسهيل .. الكل متعطش لسماعها في نهار أو ليل :

( تنحى أو رحل ) .. فبالله عليك .. ارحل ..

 
في السبت 16 إبريل-نيسان 2011 11:50:00 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=