سر الغضب الألماني على الرئيس اليماني
د.كمال بن محمد البعداني
د.كمال بن محمد البعداني

لقد كان حديث الساعة في الأيام الماضية هو الحديث عن الطرود المشبوهة، ولا تجد وسائل الإعلام العالمية المسموعة، والمقروءة، والمرئية إلا وتحدثت عن هذا الأمر مقترناً باسم اليمن، وقد تفاوتت ردود الأفعال من دولة إلى أخرى حيال هذا الأمر إلا أن أقوى موقف كان هو موقف ألمانيا والتي أعلنت فيه إغلاق مطاراتها في وجه الرحلات القادمة من اليمن.

وقد كان هذأ الموقف مفاجئ للجميع ولاسيما لأبناء اليمن، فمن المعروف أن الطرود المشبوهة كما يقولون: كانت في طريقها إلى أميركا وليس إلى ألمانيا، مما جعل الكثير من المراقبين يستغربون حيال هذا الموقف، خاصة بعد وصول طرد مفخخ إلى مقر المستشارة الألمانية "آنجيلا ميركل" وقد كان موجه للمستشارة شخصياً وبالطبع لم يكن مصدر هذا الطرد من صنعاء اليمن ولكن من أثينا في اليونان ومع ذلك لم يكن هناك رد فعل ألماني قوي كما حصل مع اليمن، فلماذا اتخذت ألمانيا هذا الموقف؟.

تزول هذه الحيرة عندما نعود بذاكرتنا إلى الماضي القريب وتحديداً إلى شهر يونيو 2009م حيث أعلنت وكالات الأنباء عن خبر اختطاف تسعة أجانب يعملون في المستشفى الجمهوري بمدينة صعدة، سبعة من هؤلاء الأفراد يحملون الجنسية الألمانية وبعد أيام من اختطافهم تم العثور على جثتين لأثنين من الألمان بجانب جثة أخرى تحمل الجنسية الكورية.

ورغم الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية والمظاهرات الشعبية المنددة بتلك العملية بل واستقبال الداخلية اليمنية لوفد من المحققين الألمان، إلا أن النتيجة كانت سلبية، فألمانيا من ذلك الحين تحمل الحكومة اليمنية وزر ذلك الفعل وتتهمها بالتقصير حتى أنه عندما أعلنت السلطات السعودية في شهر مايو الماضي أن قواتها استطاعت تحرير طفلتين ألمانيتين من ضمن المجموعة المختطفة في صعدة، وذلك عند حدودها مع اليمن، ورغم أن السلطات السعودية قد شكرت في بيانها الجانب اليمني على تعاونه في هذا الأمر إلا أن الخارجية الألمانية وجهت رسالة شكر للمملكة العربية السعودية ولم تشير لا من قريب ولا بعيد لليمن.

ومما لا شك فيه أن السلطات اليمنية قد بذلت جهوداً حثيثة للكشف عن المخطوفين إلا أنها واجهت صعوبات بالغة والسبب هو أن جريمة الخطف قد وقعت في منطقة لا تخضع لسلطة الدولة المركزية ولكنها تخضع للمتمردين الحوثيين في صعدة والذين يواجهون الدولة منذ أكثر من خمس سنوات ومنذ ذالك الوقت وحتى الآن وألمانيا تحتضن القادة السياسيين للمتمردين والذين يمارسون نشاطهم السياسي والإعلامي ضد اليمن من هناك، فألمانيا التي أغلقت مطاراتها في وجه الرحلات القادمة من اليمن تحت ذريعة الخوف من الإرهاب نجد أنها نفسها تعمل على إضعاف جهود السلطة اليمنية في محاربة الإرهاب.

فألمانيا تعلم أن السلطات اليمنية بامكانياتها المحدودة تواجه ثلاث جبهات في وقت واحد، تساهم ألمانيا في دعم اثنتين منها ضد السلطة المركزية، الجبهة الأولى تتمثل بالتمرد المسلح في بعض المناطق الشمالية وألمانيا، كما قلنا تحتضن القادة السياسيين والإعلاميين لهم ـ والجبهة الثانية ممثلة بالحراك الانفصالي المسلح الذي يعمل على التخريب والقتل والتقطع في بعض المناطق الجنوبية، وتستضيف ألمانيا كذلك القادة السياسيين والإعلاميين لهم.

وهكذا تتبعثر جهود السلطة اليمنية ذات الإمكانيات المحدودة ما بين الجبهتين السابقتين وبين القاعدة.

إذاً فألمانيا شريك غير مخلص مع اليمن في مكافحة الإرهاب وتريد شراكة من جانب واحد فقط، بل إنها تعمل على زرع مناخ معادٍ لها في اليمن منذ تسليمها الشيخ المؤيد ومرافقه إلى أميركا عام 2003م في خطوة منافية للأخلاق والأعراف الدبلوماسية، مروراً باحتضانها لقادة التمرد وقادة الانفصال.

ومما لا شك فيه أن النفوذ اليهودي يتصاعد في ألمانيا وخاصة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ووصول أكثر من مائتي ألف يهودي روسي للاستقرار في ألمانيا وقد بلغ هذا النفوذ أوجه في ظل حكومة المستشارة ـ المتعصبة لكل ما هو عربي أو إسلامي ـ "آنجيلا ميركل" زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي والتي أيد حزبها غزو العراق قبل أن تكون مستشارة لألمانيا، وهي التي كرمت في سبتمبر الماضي الرسام الدينماركي سيء الصيت صاحب الرسوم المسيئة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنحتة وساماً من الدرجة الأولى في تحدٍ سافر لأكثر من مليار ونصف مسلم، وفي عهدها صدر قانون يعاقب كل من يشكك في المحرقة اليهودية المزعومة.

هذا النفوذ لليهود ينعكس على سياسة ألمانيا الخارجية ومما لا شك فيه أن مواقف اليمن تجاه العدو الصهيوني لا تحتاج إلى برهان، فمهما اختلف البعض هنا مع رئيس الدولة في بعض المواقف والقرارات الداخلية إلا أنه لا يختلف اثنان في مواقفه الخارجية تجاه القضايا العربية والإسلامية، ففي كل قمة عربية أو إسلامية نجد أن الصوت اليمني هو الأقوى فيوم يتجنب الزعماء ذكر المقاومة نجد الرئيس اليمني يؤكد عليها ويدعو لدعمها، ويوم يفر الجميع من كلمة الجهاد نجد أن الزعيم اليمني يدعو إليه، من أجل استرداد الاراضي الفلسطينية المغتصبة.

وقد كان آخر هذه المواقف في قمة "سرت" في ليبيا يوم وقف الرئيس أمام العالم ليقول: إن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وإن البندقية هي الحل تجاه العدو الصهيوني، لذالك لا نستغرب موقف ألمانيا تجاه اليمن في قضية الطرود والتي جاءت بعد أيام من قمة ليبيا.رسائل ساخنة1ـ بينما كان العالم يتابع ما تقوله وسائل الإعلام اليمنية حول الطرود المشبوهة وكيف ستوضح هذا الأمر وبدلاً من ذلك يفاجأ المتابع بسماع البيانات الرنانة عبر وسائل الإعلام اليمنية من كلٍ من المؤتمر وحلفائه والمشترك وشركائه وكلها تبدأ بعبارة "يا جماهير الشعب اليمني العظيم" وطبعاً هذا النداء ليس من أجل رص الصفوف أمام عاصفة الطرود التي سيكون لها ما بعدها وإنما من أجل تحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية فشل الحوار وإجراء أو تأجيل الانتخابات عن موعدها.

باختصار شديد لقد أصبحنا فرجة أمام العالم وكأن انتخاباتنا سيتوقف عليها مصير معظم القضايا في العالم تماماً كالانتخابات الأميركية التي يتابعها الجميع، ديمقراطيتنا تختلف عن بقية الديمقراطيات في العالم وأحزابنا كذلك، حتى استضافتنا لدورة كرة قدم تختلف عن استضافة بقية الدول لمثل هذه الدورات، فخليجي "20" أصبح حديث الساعة.2ـ المستفيد الأول في حادثة الطرود والضجة الإعلامية المصاحبة لها هم المتمردون الحوثيون في صعدة فقد قاموا بالهجوم على قبائل العوجري وعلى غيرها ووسائل الإعلام منشغلة بالطرود "مصائب قوم عند قوم فوائدُ".3ـ أعلنت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة إدراج حزب "جند الله" الإيراني السني المعادي للسلطات الإيرانية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، بينما رفضت أن تفعل نفس الشيء مع جماعة "الحوثي" الموالية لإيران والمعادية للسلطات اليمنية، والتي ترفع شعار "الموت لأميركا" وهكذا تكون العلاقة مع الشيطان الأكبر.4ـ باستثناء انطلاق ثورة 14 أكتوبر المجيدة في جنوب البلاد ضد الاستعمار لم نجد بعدها في هذا الشهر ما يسرنا، فقد كان استشهاد الرئيس الحمدي في شهر أكتوبر 77م وقد كانت محاولة الانقلاب الناصري في أكتوبر 78م وقد كان حادث المدمرة كول في 12 أكتوبر عام 2000م وتبعها حادث الناقلة الفرنسية "لنبرغ" في سواحل حضرموت في 6 أكتوبر 2002م وجاءت حادثة الطرود المشبوهة في أكتوبر 2010م، فنسأل الله أن يجنبنا الشر في أكتوبر من العام القادم..

5 ـ تذكروا جيداً لن تكون هناك انتخابات في موعدها في اليمن فالسلطة والمعارضة متفقان على ذلك ولكنهما يلعبان مع بعضهم لعبة عض الأصابع "من يصرخ أولاً" وفي اعتقادي لن تصرخ السلطة أولاً ولا المعارضة، بل إن الذي سيصرخ أولاً وأخيراً هو هذا الشعب المسكين، فعلى الجميع أن يتق الله في هذا الشعب.


في الإثنين 08 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 03:50:31 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=