الكفالة والبصمة واللجنة الخاصة
علي أحمد العمراني
علي أحمد العمراني

قبل أكثر من ثلاثين عاما ، قرأت مادة صحفية في مجلة الحوادث اللبنانية ، شبهت حينذاك العلاقة اليمنية السعودية بعلاقة المكسيك بالولايات المتحدة... لم أكن قبل ذلك الوقت ، أعرف طبيعة وتاريخ علاقة المكسيك والولايات المتحدة..غير أنني كنت ألمس وأدرك الشيء الكثير حول علاقات بلدين عربيين تجمعهما أرومة واحدة منذ الأزل ، ودين واحد منذ بزوغ فجر الإسلام الحنيف ، ووحدة جغرافية هي جزيرة العرب..ومما كنت أدركه أن علاقة البلدين الشقيقين السياسية، اليمن والسعودية ، ليست على ما يرام دائما ، بل إن سحب الريبة والشك والتوتر، الظاهر والخفي ، هو ما يسود تلك العلاقة غالبا. وغالبا أيضا ، ما كان يسود الشعور في اليمن ، بالحق في مناسبات معينة ، وتوهما في حالات أخرى ، بالظلم من قبل أشقائهم في شمال الجزيرة.

كنت أقرأ تلك المجلة ذات مساء صيفي حار حيث كنت أذاكر، أثناء الامتحانات ، دروس الصف السادس الإبتدائي ، في مدينة الرياض الجميلة ، التي أحبها بحق ، واشتاق إليها كثيرا ، فهي المدينة التي ولدت فيها من جديد في حوالي العشرين من عمري، ورأيتها بعد حوالي عشرين عاما من القطيعة وقد تغيرت كثيرا ، وكتبت ، في صحيفة الرياض، متضامنا معها ، ومع أهلها الطيبين ، منددا بهجمات الإرهاب التي تعرضت لها المدينة التي عرفتها ،من قبل ، هادئة ووادعة وأبية وشامخة .

صرت، بعد ذلك ، أعلم أكثر ما الذي يعنيه تاريخ وطبيعة علاقة الولايات المتحدة بالمكسيك فهي تعني ، تاريخيا ، علاقة منتصر ومهزوم ، و ظالم ومظلوم ! وتعني أن الولايات المتحدة قد أجحفت كثيرا في حق المكسيك واستولت على أراض كثيرة وشاسعة، وأصبحت تلك الأراضي تشكل فيما بعد ولايات نيفادا ونيومكسيكو وأريزونا ويوتاه وكاليفورنيا أكبر الولايات المتحدة مساحة وسكانا إضافة إلى ولاية تكساس ... ولست أدري إلى أي حد كانت ساندرا ميكي ، الصحفية الأمريكية وهي من أهل كاليفورنيا ، تسقط طبيعة علاقة أمريكا بالمكسيك ، وهي تتحدث في كتابها" The Saudis " عن سياسة السعودية الثابتة تجاه اليمن التي لم تغيرها الطفرة النفطية ، على حد تعبير الكاتبة، وتتمثل تلك السياسة في إبقاء اليمن مشطرا وضعيفا ...غير أنني كنت أقرأ ذلك الكتاب في عام 1992 ، وكان بجانبي أحد المثقفين العرب الكبار ، وكان وزير مال في بلده سابقا ، ويحمل الجنسية الأمريكية ، ولم يزد تعليقا سوى أنه زم شفيته متبرما ومتأففا ، ثم قال : " هذا تفكير عشائري ! " يعني ليس تفكير دول ذات توجهات ومرامي إستراتيجية كبرى وشاملة !...

ربما كان الساسة الأمريكيون من قبل ، يرغبون أن لا يروا جيرانهم أقويا أو أثرياء ، أو في عافية وخير، وظل المكسيكي محل شماتة واحتقار من قبل الأمريكي ، لكن ساسة الولايات المتحدة صاروا ،منذ فترة ، يدركون كم هو ضار وخطير أن يكون جارك فقيرا وبائسا ، ومحل شماتة واحتقار ... ولذلك صارت المكسيك محل اهتمام أمريكي خاص ، فهي الشريك الجار ، الذي تنفع عافيته ويضر مرضه ، ولا يفيد احتقاره والشماتة به ، وكان أول زعيم أجنبي يقابله أوباما في البيت الأبيض ، هو الرئيس المكسيكي فليبي كالديرون ، وكانت أول زيارة لجورج بوش الابن ، بعد انتخابه ، هي للمكسيك والتقائه بجاره الرئيس فايسنتي فوكس..فيما كانت أول زيارة للرئيس أوباما هي إلى كندا الجار الآخر للولايات المتحدة ...وحينما حلت الأزمة المالية بالمكسيك في 1995 لم يتردد الرئيس الأمريكي كلينتون أن يضخ إلى المكسيك أربعين مليار دولار بين عشية وضحاها ، متخطيا تلكؤ الكونجرس ، وبدون موافقة المديرين التنفيذيين في صندوق النقد الدولي كما جرت العادة وخلافا للنظام الأساسي للصندوق .

وبالمثل صار الأوربيون ينظرون إلى جيرانهم الذين ظلت علاقتهم بهم من قبل تتسم بالحروب والمغالبة والتظالم ... ولعل حال ، وتاريخ العلاقات الألمانية الفرنسية خير دليل وشاهد...فبعد الحروب والأشلاء والدماء ومرارات الإحتلالات ،و صراعات الحدود ، فهاهم الألمان والفرنسيون قد تآزروا ويقودون وحدة أوربا ، ويهتمون بدعم الضعفاء من جيرانهم الذي لم يعد ضعفهم مرغوبا فيه ليكونوا موضوعا للشماتة والاحتقار ، أو بسبب الخوف من خطر قوتهم...

على المستوى الشخصي ، وقد أمضيت سنوات عشر في البلد الجار الشقيق ، ودرست في مدراس المملكة الليلية ، وقبلت بترحاب لا أنساه ، في أقوى جامعاتها ، بل أقوى جامعة في المنطقة العربية كلها ، لا أختزن في ذاكرتي سوى قدر كبير من المودة تجاه شعب شقيق ، وطيب بالفعل ، وقيادة حصيفة ، جديرة بالاحترام ، مع الاحتفاظ دائما بحق الاختلاف وواجب النصح والنقاش والنقد عندما يكون ذلك مهما وضروريا...

وأفهم أن أشقاءنا قد يكونون أكثر تحسسا للنقد ، وأحيانا أقل توقعا له ، ليس لأنهم لا يخطئون ، لكن ربما لشعورهم تهيب كثيرين من نقدهم ، وربما أيضا بسبب أنهم ينظرون إلى أن كثيرا من النقد الذي كان يوجه لهم، ينطوي على تحامل خصوصا في حقبة الستينات ...والحق فإن الستينات لم ترحم أحد ا ، ولعل كل بيت في اليمن قد اكتوى بنار الستينات ، ولم يسلم من جروحها ومآسيها أحد ، وكانت قيادة المملكة تدرك الدمار الذي حل باليمن وأهل اليمن ، وكيف أن اليمن قد دفعت الكثير من ثمن صراع الكبار ، وكان منهم الزعيمان المرحومان جمال وفيصل الذي قال : لقد ساهمنا في تدمير اليمن ولا بد اليوم أن نساهم في بنائها ولو نقسم رغيف الخبز!

ومع ذلك لا تزال اليمن اليوم البلد العربي الأكثر فقرا وبؤسا ، في حين وضعتها أقدار الجغرافيا إلى جانب أشقاء صاروا أثرياء جدا، ويرجع ثراؤهم إلى صدف الجيولوجيا . وكان الملك العظيم الراحل عبد العزيز ، يقول لعبد الله فيلبي ، في عصر أحد الأيام، قبل عصر النفط ، أنه مستعد أن يرهن نصف مملكته لمن يقرضه مليون جنيه إسترليني لمواجهة مصروفات الرواتب التي مر عليها شهور ولم تدفع...وأشير هنا إلى مستوى فقر اليمن استباقا لرد غالبا ما يكون جاهزا ، وهو، لقد قدمنا الكثير ! وأشير إلى ما نسب إلى الملك عبد العزيز ، وإلى مسألة الصدف الجيولوجية ، استباقا لمن قد يطغيه الثراء ويقول لقد أوتينا المال على علم عندنا ، وأنتم السبب في فقركم.. والحق أننا لم نسكت عن أنفسنا أبدا ، ولم نًكُفْ عن مواجهة الكثير مما نظن أنه سبب شقائنا ، أو لم يَكْفِ ما يسفك من دمائنا منذ حوالي قرن ، وأظن ذلك لم يسر أحدا وخاصة أشقاءنا الأقربين...

وأن تستوعب المملكة مليونا من أبناء اليمن فذلك مما يحسب لها وتشكر عليه حقا وصدقا ، وكان بالإمكان أن لا تفعل وتتعلل بأسباب ولو واهية ، على الأقل في تقديرنا ، كتلك التي حصلت أثناء غزو العراق للكويت وأدت إلى طرد مئات آلاف وتضرر أعداد لا حصر لهم ، وفرضت الكفالة بشروطها غير الإنسانية المجحفة.

هل يعلم قادة المملكة الكرام أن الكفيل يأخذ إتاوة على مكفوليه من عرق جبينهم، وكد أيديهم دائما وبدون حق ؟ وهل يعلمون أن " الفيزة" التي لا تتعدى قيمتها الحقيقية الألفي ريال تصل إلى طالبها بمبلغ يتراوح بين خمسة عشر ألف إلى عشرين الف ريال سعودي .. وهل يعلمون أن البصمة التي قد تحدث لأسباب واهية ، كخلاف المكفول مع الكفيل ، تعني عودة العامل اليمني المسكين من حيث أتى وخسارته كلما أنفق وإدخاله مع من يعول في دوامة فقر مدقع...ولا شك أننا جميعا ، ندرك مخاطر الفقر ونتائجه المدمرة على الكرامة والعقل والحياة والأمن... طبعا لا ندافع عن من يرتكبون جرائم مثل المخدرات أو ما يخل بأمن الأشقاء، لكننا نتوخى إعادة النظر لقطع الطريق على الابتزاز والاستغلال والإجحاف والظلم ...

إن الكفالة كما تمارس اليوم في جزيرة العرب هي صنوة العبودية ورفيقة الرق ، وإن الظلم والذل والاستغلال الذي يعاني منه المكفولون لا يجوز ولا يمكن تبريره أبدا ... وإذا كنا نرى أهمية إزالة الكفالة عن الجميع ، فإنها كان يحب أن لا تفرض على اليمنيين ابتداء ، لأسباب عدة ، ويكفي أنها فرضت عليهم لأسباب سياسية طارئة ترتبط بغزو الكويت من قبل العراق...

عندما زرت الشيخ عبد الله الأحمر في الرياض حيث كان يعالج ، وكان معي عدد من أبنائنا المغتربين هناك ، وحدثني يرحمه الله عن مستوى الاهتمام الذي توليه إياه الحكومة السعودية هناك ، وهو جدير بالتقدير والاهتمام ، وسألته عن التجاوب الذي يجده فيما يخص شأن العمالة ورفع شرط الكفالة ، فأبدى شيئا من الامتعاض ، مع الإبقاء على خيط الأمل... ويبدو أن شيوخ اليمن ، الذي لا يزالون يتقاطرون على المملكة ، لم يعودوا يذكرون الموضوع أبدا ، وما يهم هي المخصصات من اللجنة الخاصة إياها...وفيما تتعزز مخصصات البعض بشكل مهول وضار ومريب أيضا ، فإنه لا ينافس أصحاب المخصصات المتزايدة تلك ، إلا أبو الهول في السكوت عن وضع العمالة والكفالة والبصمة ، وليت أن بعضهم كان يقرن التهاني لولي العهد بالسلامة ، التي نشرت في جميع الصحف اليمنية تقريبا ، وكثير من المواقع الإلكترونية ، بالرجاء والتمني على سموه برفع الكفالة وإعادة النظر في مسألة البصمة التي تسببت في أضرار لا حصر لها في حق كثيرين لا ذنب لهم إلا أن الواحد منهم اختلف مع كفيلة ، أو لنقل بالأصح مع سيده في عالم الرق والعبودية الجديد ، وهنا فإني أنتهز الفرصة لأعبر عن أطيب التمنيات لجلالة الملك عبد الله وولي عهده ، وأناشدهم برفع الكفالة والبصمة قبل أن نسمع إجابة في مجلس النواب ، قد تكون تحصيل حاصل ، من قبل وزير الخارجية ، على سؤال الزميل محمد بكير صلاح فيما يخص الأضرار والمعاناة التي يتكبدها أبناؤنا ، لدى أشقائنا ، بسب الكفالة والبصمة...وشكرا للنائب صلاح الذي اعترض عليه أحد النواب ظنا منه أن السؤال قد يغضب الأشقاء في حين لا نرغب ولا نقدر على إغضاب أحد .

كنت أتطير كثيرا من تشبيه العلاقات اليمنية السعودية بالعلاقات الأمريكية المكسيكية، وأفهم أنه لا يوجد تطابق في تاريخ العلاقات من حيث بشاعتها وظلمها ، لكنني منذ فترة وأنا أتطلع إلى أن تحذو علاقاتنا اليوم بجيراننا الأشقاء حذو العلاقات الأمريكية المكسيكية... إن العالم يتغير ولا بد أن نتغير نحن أيضا...وإن بعض بوادر التغيير ماثلة للعيان ، ولعل موقف المملكة الإيجابي من وحدة اليمن ، اليوم ، هو خير دليل على التغيير ، لكن وضع أبنائنا عند أشقائنا يهمنا كثيرا جدا وهو ليس كما يجب أن يكون ...

وصحيح إن العمل على تحسين وضع العمالة ، هو من شأن حكومتنا ، لكنها كثيرا ما تتعلل بضعف موقفها التفاوضي إزاء قوة وتصلب الموقف المقابل للجيران... ولو كان ضعف الموقف التفاوضي هو السبب لتفهمنا وقلنا ، مزيدا من الصبر والتحمل ، لكنني أرجح أن السبب هو ضعف القدرة والكفاءة التفاوضية في الجانب اليمني ، أكثر من أي شيء آخر ! إن أشقاءنا ليسوا بالقسوة تجاهنا واللامبالاة بنا على نحو ما قد يتصور، أو يتوهم كثيرون .

Imrani3000@yahoo.com


في الأربعاء 05 مايو 2010 12:19:39 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=