نصر ابن سيار يخاطب أصحاب القرار
د.كمال بن محمد البعداني
د.كمال بن محمد البعداني

يقول ابن خلدون اذا رأيت الدول تنقص من أطرافها وحكامها يكنزون الأموال فدق ناقوس الخطر ، وهذا ما حصل تماما ً مع الدولة الأموية والتي لم يكن سقوطها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري وليد تلك اللحظة ، بقدر ما كان ناتج عن مقدمات وكالعادة اذا لم يتم معالجة المقدمات من الحاكم كما يجب أتته النتائج بما لا يحب ، ولذلك وفي عهد الدولة الأموية نجد أن المقدمات بدأت من خراسان ومنها تطاير الشرر مع تكوين تنظيم سري عٌرف فيما بعد بأسم(تنظيم المسٌودة) وهم الذين اتخذوا الرايات السود شعارا ً لهم ، وقد كان هذا التنظيم دقيقا ً ومحكم وبشكل عنقودي ينتهي بأمام يدعون له ( للرضا من آل محمد) أي من الذي يرتضيه الناس من آل محمد صلى الله عليه وسلم ، فأخذ هذا التنظيم يتوسع ويستقطب الكثير تحت غطاء الدروس الدينية في المساجد والزوايا مستغلين في ذلك الاضطرابات في إقليم خراسان والصراع بين القبائل العربية هناك بالاضافة الى ضعف الدولة المركزية في دمشق مركز الخلافة الأموية ، غير أن الخليفة قد سارع بأرسال أسد ابن عبد الله القسري واليا ً على خراسان وكان الوالي الجديد ذو همه عالية وشجاعة نادرة وصاحب بطولات وفتوحات فاستطاع في فترة بسيطة أن يحكم قبضته على خراسان وتتبع (تنظيم المسٌودة) واباد كبرائهم وفي مقدمتهم ابي عكرمة السراج واعتقل الكثير منهم ، وبذلك استتب الوضع هناك ونامت الخلايا، إلا أن الخليفة في دمشق قد قام بعزل والي خراسان واستبداله بأخر والذي قام هذا الأخير بإطلاق بقية المعتقلين من أصحاب التنظيم ، وقد حدث هذا تحت تأثير انصار الدعوة الجديدة داخل قصر الخلافة كما قال الذهبي في سير اعلام النبلاء ، ونتيجة لذلك تنفس اصحاب هذه الدعوة الصعداء في خراسان ونشطت الخلايا من جديد ، بينما كان قصر الخلافة في غفله مما يدور ومنشغل بالصراع داخل البيت الأموي نفسه فقد تعاقب على كرسي الخلافة أربعة خلفاء في فترة وجيزة وكل خليفة ينتهي بالقتل أو العزل ، بينما ازداد اتباع الشعار يوما ً بعد يوم واصبح لهم خلايا في أكثر من ولاية من ولايات الدولة وخاصة في العراق المحادة للشام مقر الخلافة الأموية والذي استقر الأمر فيها للخليفة مروان ابن محمد ، وبدوره سارع بارسال والي وقائد جديد لخراسان هو الداهيه الكبير (نصر إبن سيار) صاحب الهمة العالية والنظرة البعيدة وقبل وصول القائد الجديد الى خراسان كان الوضع قد تدهور وظهر أمر أبو مسلم الخراساني القائد القوي من أصل فارسي وتم الجهر بالدعوة لبني العباس دون ابناء علي ، ومع وصول نصر إبن سيار الى خراسان وجد أن الخطر أكبر مما يتوقع فحاول إيقافه بكل ما أوتي من قوة ،وفي نفس الوقت كتب رسائل عديدة الى الخليفة في دمشق ناصحا ً ومحذرا ً وموضحا ً الخطر القادم من هناك وطالبا ً العون والمدد غير ان كل نصائحه وطلباته لم تجد آذان صاغية لدى الخليفة وذهبت أدراج الرياح فقد كان حوله كما قلنا أنصار الدعوة الجديدة الذين اخذوا يهونون له من الامر ويتهمون القائد نصر ابن سيار بتضخيم الأمور وإقلاق دار الخلافة ، وفي نفس الوقت عمل هؤلاء الموالون للدعوة على إذكاء الصراع بين القيسية واليمانية داخل الشام نفسها ، مما جعل الخليفة منشغل بما يحصل في الشام عن ما يحصل في خراسان ، لذلك نجد أن هذا القائد وبعد أن قطع الأمل وفقد الرجاء من دار الخلافة أخذ يبث همومه وشجونه الى القبائل العربية في خراسان محاولا ً استنهاض نخوتهم واجتماعهم على كلمة سواء وترك الاقتتال فيما بينهم للوقوف أمام أبي مسلم الخراساني واتباعه الذين غالبيتهم من الفرس خاصة وقد شرعوا في الأقتراب من مدينة (مرو)عاصمة خراسان فقال هذا القائد مخاطبا ً تلك القبائل :

 

أبـلـغ ربـيعـة فـي مـرو وإخـوتهـا أن يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضبُ

مـا بالكـم تـشعـلون الحـرب بينكـمُ كـأن أهـل الحجـاء عن فعلكم غُيبُ

وتـتـركـون عــدوا ً قـــد اضـلكــمُ فـيمـن تــأشــب لاديــن ولا حســبُ

قــومٌ يديـنـون دينا ً مـا ســمعت به عـن الـرسـول ولا جاءت به الكتبُ

يا من يكن سائلي عن أصل دينهم ُ فــإن ديـنـهـم أن تـُقـتل العــــربُ

غير أن نداءه هذا أيضا ً لم يجدي نفعاً مع تلك القبائل فقد كان أبو مسلم يملك عيون لا تنام فعمل على توسيع الخلاف وإذكاء الصراع بين تلك القبائل ومن ثم زحف بأتباعه على مدينة (مرو) وخرج منها القائد نصر إبن سيار وبعض من بقي من العرب بعد معارك ضارية داخل المدينة والذي معظم سكانها من الفرس وقد تم تتبع العرب فيها بحجة الانتقام لآل محمد ، ومن ضواحي هذه المدينة المنكوبة أرسل القائد الجريح بأخر رسائله وهي رسالته التاريخية الشهيرة إلى دار الخلافة شارحا ً وموضحا ً ومحذرا ً لهم بأن ما حصل في خراسان ليس حادثا ً بسيطا ً في أطراف البلاد كما يتصورون فقد كان هذا القائد الداهيه يدرك عواقب الأمور ويدرك كذلك أن هناك مشروع لا يقبل القسمة على أثنين ، وقد ذيل رسالته الأخيرة بالأبيات الشعرية الشهيرة التي سارت بها الركبان ورددها الزمان وأصبحت ناقوسا ً يدقه المخلصون عندما يرون الخطر يتهدد أوطانهم في غفلة من كبرائهم وقادتهم ولعل أشهر هذه الأبيات هي التي تقول

أرى خلل الرماد وميض نـارٍ ويوشك أن يكون لها ضرامُ

فـإن الـنـار بالعـوديـن تُـذكـي وإن الـحـرب أولـهـا كــلام ُ

فقلت من التعجب ليت شعري أأيـقـاظـا ً أمـيـة أم نـــيـــام ُ

فإن يقضت فـذاك بـقـاء مُـلكٍ وإن رقــدت فــإنــي لا ألامُ

نشهد انه قد حذر ونصح وخاطب هذا القائد الى جانب بني أمية الأجيال القادمة وأراد ان يخلي مسئوليته أمامها وأمام التاريخ الذي لا يرحم (وإن رقدت فإني لا ألامُ) إلا أن هذه الرسالة وهذه الأبيات لم تجد آذان مصغية ولا قلوبا ً واعية ليقضي الله أمرا ً كأن مفعولا، فكثر الخارجون على الدولة وسقطت الولايات الواحدة تلو الأخرى ولعل ما عجل في ذلك أسباب عديدة ، منها أن رجال الحكم قد قربوا السفهاء من الناس وأبعدوا الأفاضل وقبلوا كلام المنافقين ورفضوا كلام الناصحين وولو الجهله وضعاف الرأي مقاليد الأمور وعاقبوا الضعيف وتركوا القوي بالاضافة الى تفشي الفساد والمنكرات دون إنكار، فانهارت الدولة وأضطر الخليفة الشجاع مروان أبن محمد أن يقود الجيش بنفسه حتى كان مصرعه في معركة (الزاب) بقرية بوصير في مصر وبموته اختفت الأموال التي كان يكنزها ويدخرها لليوم الأسود كما كان يقول ، وهكذا طوي علم الدولة الاموية في الشرق وتم تتبع أمراء بني أمية وأعوانهم واستقر الأمر بعد ذلك لبني العباس الذين قاموا بتصفية قائد دعوتهم أبو مسلم الخراساني على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، وتتبعوا كذلك بنو عمومتهم من الطالبيين أحفاد علي رضي الله عنه وشركائهم في الثورة على الامويين وتحول الصراع على السلطة إلى داخل البيت الهاشمي نفسه ، وكان من نتائج هذا الصراع ظهور الفكرة الفارسية بأن الأمام الثاني عشر قد دخل إلى السرداب خوفا ً من بني العباس ،ومع ذلك لم يخرج من السرداب حتى الأن رغم مرور مئات السنين على رحيل بني العباس (ويبدوا أنه لم يصله الخبر بعد) ، وهكذا نجد أن الفرس قد أستغلوا الصراع السياسي على السلطة داخل البيت الهاشمي وقاموا بتمرير أفكارهم وحمَلوا الأئمة من آل البيت الكرام ما لم يتحملوه وقولوهم ما لم يقولوه ،أما بني أمية وهم يطاردون في الشعاب والوديان فكأني بهم قد شعروا بالندم ولسان حالهم يقول يا ليتنا أستمعنا إلى نصر إبن سيار وندموا ولكن في وقت لا ينفع فيه الندم ، أما القائد الوفي نصر إبن سيار فقد كان أبو مسلم حريص كل الحرص على القبض عليه وإذلاله وظل يطارده من مدينة الى أخرى وهو مع ذلك يقاوم في تقهقره ويعمل على إيقاف تقدم رجال أبي مسلم ، وعندما انهارت الدولة وانتهى كل شي أخذ بالانتقال متخفيا ً من مكان الى أخر حتى انتهى به المطاف بالموت كمداً وحسرة في إحدى قرى خراسان، لكن رسالته إلى ولاة أمره من بني أميه تعتبر درسا ً لكل الحكام ، فما أشبه الليلة بالبارحة وكأني به وقد كتب تلك الرسالة ليخاطبنا بها في العصر الحديث واطلقها سهما ً مضيئا ً يخترق ظـُلمات المجهول وحُجب الغيب ويطوي فيافي الزمن واستار التاريخ ويدوي في آذاننا وضمائرنا كما يدوي جرس الإنذار ونداء الخطر .. رحمك الله أيها القائد الوفي المخلص نصر إبن سيار لم يستمع إليك بنو أميه في العصر القديم فدفعوا الثمن ،فهل يستمع اليك الحكام في العصر الحديث؟ أم أن التاريخ سيكرر نفسه؟ اللهم إنك تعلم بأن نصر إبن سيار قد بلّغ.. اللهم فاشهد..اللهم فاشهد..اللهم فاشهد.... والله من وراء القصد .


في الثلاثاء 20 إبريل-نيسان 2010 04:20:14 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=