قانون الزواج.. صفقات وفتاوى
موسى النمراني
موسى النمراني

صرت أخجل كلما قرأت مقالا جديدا عن تحديد سن آمن للزواج وأنا خجل أكثر عندما أكتب في ذات الموضوع.

وقبل أن أكتب أود أن أدخل الموضوع من بوابة مجلس النواب ذي الأغلبية الساحقة للمؤتمر التي يمكنها أن تمرر ماتشاء دون الرجوع لأحد غير أنها تركت هذه المسألة دون تمرير لهدف واضح هو بلا شك إيجاد موضوع يشغل الرأي العام بدلا عن قضاياه الحقيقية.

هذا المجلس مرر عشرات الاتفاقيات والمعاهدات والقروض التي تضر بالشعب ضررا واضحا وبينا لا مبرر له سوى الأوامر والمصالح الفردية، وتنازل هذا البرلمان عن حقوق الشعب جماعة وأفرادا وفرطوا في مصالحه العليا وتنازلوا عن دماء الأبرياء من ناخبيهم الذين قتلوا ويقتلون ويعتقلون ويختطفون بغير حق في الداخل وفي الخارج على حد سواء.

ومثل البرلمان العلماء أو من يسمون أنفسهم بالعلماء ويلتف حولهم شريحة واسعة من الناس فهم شركاء في كل جرائم النظام بحق اليمنيين على كل المستويات، طالما كان لديهم القدرة على الرفض وتحريك الشارع واستخدام المنابر والصحف بالدرجة التي مارسوها في قضية تزويج الأطفال ضد تحديد سن آمن للزواج.

أخجل والله أن أكتب في قضية تحديد سن آمن للزواج في الوقت الذي أعلم فيه أن جثث ضحايا أهل قرية المعجلة لاتزال أشلاؤها معلقة على أشجار تبعد كيلو مترات عن مكان الجريمة التي نفذت بدم بارد ولم يتحرك أحد من أصحاب العمائم واللحى التي انتفضت خوفا من حرمانها من الزواج بالأطفال وكان كل ما قالوه أن الغزو حرام وكأنه لم يحدث بعد أو كأن الغازي ينتظر فتواهم فقط.

وأخجل أكثر أن أتحدث عن تحديد سن آمن للزواج في الوقت الذي أعلم فيه أن البرلمان الذي لا أؤمن بشرعيته تواطأ مع الحكومة التي تماثله في فقدان الشرعية ومرروا اتفاقية لبيع مخزون الغاز الاستراتيجي الذي نعلق عليه آمالنا للخروج من دوامة الفقر وباعوه لكوريا بسعر أربعة دولارات للمتر المكعب في الوقت الذي تشتريه الحكومة من ذات الشركة الكورية بسعر سبعة عشر دولار للمتر المكعب أي أننا كبلد نخسر ثلاثة عشر دولارا لكل متر مكعب من الغاز نمتلكه ! ومن المهم الإشارة إلى أن عملية البيع فاقدة لشروط الصحة ولابد أن يأتي يوم قريب توقف فيه هذه الصفقة "اللعينة" ويحاسب كل من شارك في تمريرها وأثرى على حساب فقر وعوز أصحاب الحق الأصليين من المعدمين الفقراء أبناء الشعب.

ماذا يعني أن أتحدث عن تحديد سن آمن للزواج في الوقت الذي نفتقر فيه أصلا للحياة الآمنة ! ما جدوى تحديد سن لزواج الفتاة ونحن لم نحدد لها مدرسة إلزامية ولا دواء مجاني ولا منزل ولا ماء ولا كهرباء ولا أدوات معرفة ؟ لماذا توقفت همتنا عند تحديد سن آمن للزواج وعجزنا عن المطالبة بتوفير حياة آمنة بزواج أو بدون زواج؟.

وكيف لا أخجل عن الحديث عن تحديد سن آمن للزواج وأنا أشعر كل يوم بمرارة استمرار سجن زملائي وأصدقائي من الصحفيين يخطفون من الشوارع ويقبعون في السجون دون ذنب!.

منظمات المجتمع المدني وجامعة الإيمان ومراكزها المنتشرة في كل مكان على حد سواء حشرت النساء والرجال أمام البرلمان وكلٌ ساق قطيعه كالأغنام دونما قضية حقيقية .. كل له مصالحه البعيدة والقريبة وله حساباته وارتباطاته التي يهتم لها وكل يستخدم القضايا الصغيرة والتافهة كعينات اختبار لأمور أخرى صادف أن جاءت هذه المرة على حساب الأطفال واستخدم الأطفال من الطرفين دون رادع من مدنية أو دين ولا أتهم الجميع فهناك من دخل في الصراع دون أن يكون له مصلحة ويعمل بحماس حقيقي.

الشيخ الجليل عبد المجيد الزنداني حرّك كل جنوده المتفرقين على رقعة الشطرنج حتى لا يُحدَّد سنٌّ آمن للزواج وهو لم يسأل حتى طبيباً واحداً من أهل الذكر عن المسألة وهو في نفس الوقت عجز عن الجهر بكلمة حق في قضية آل نهشل الذين يواجهون حكما سياسيا جائرا بالإعدام ونسي كم استضافوه وكم أكرموه وكم قدموا له من خدمات عندما كان ضعيفا وكانوا أقوياء، وعندما احتاجوا إليه اكتفى بأن يأخذ صورة تذكارية من اجتماع هزيل لم يغير في مسار قضيتهم شبرا، ومثله كل قيادات الإصلاح التي تنسى قواعدها في السجون وفي الشوارع مطرودين من وظائفهم بينما هي منشغلة بكتابة وثائق ورؤى للإنقاذ الوطني، وخوض جولات الحوار والتشاور والتواصل... الخ!.

وكنت أتمنى أن يخرج الزنداني تلك الحشود للاعتصام أمام الأمن السياسي للإفراج عن عبدالله الريمي .. حافظ القرآن الذي اعتقلوه يوم تكريمه بسبب تشابه في الأسماء وبقي في السجن عامين .. ومثل عبد الله آلاف المعتقلين الذين ينتظرون من العلماء هبة حقيقية لنصرتهم بدلا من نصرة مدمني زواج الأطفال أو حتى بالتوازي معها.

منشغلون بقضية تحديد سن آمن لزواج الصغيرات في الوقت الذي نفقد فيه الأمن وتحلق فوقنا طائرات التجسس من كل دول العالم كل يرصد هدفه ويهتكون بكاميراتهم وصواريخهم الأعراض ويقتلون الصغار والكبار بأموالنا وإمكاناتنا التي توجه إلى صدورنا بدلا من حمايتها، ومع ذلك لانجد غضاضة في إثارة قضية تحديد سن آمن للزواج وكأن كل أولوياتنا قد تم تجاوزها وأصبحنا في وضع يسمح لنا بمناقشة القضايا الأقل أهمية.

ومع ذلك فتحديد سن آمن لزواج حق لكل الأطفال الذين ابتلاهم الله بأن وضعهم أمانة في أيدينا ويكذب كل من يقول أن تحديد السن أو تقنين المسألة بمحددات طبية وقانونية أمر مخالف للشريعة مهما كان مسماه ورصيده الدعوي والسياسي.

قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "إن مقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل مايفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليها ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق", أ هـ.

وليس هناك أدنى شك في أن تحديد سن آمن للزوج هو عمل يقضي إلى تحقيق مقاصد الشرع في حفظ الأصول الخمسة التي ذكرها الإمام وليس هناك قضية ربما يجتمع فيها حفظ الأصول الخمسة كل بدرجة معينة وزاوية معينة كقضية تحديد سن آمن للزواج فهو مصلحة محضة إن تم التعامل معه بتقنين مرن يتناسب مع حاجة المجتمع، وعلى افتراض أن عدم التقنين قد يجلب مصلحة فإن القاعدة تقول إن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ومفاسد زواج الصغيرات محققة، وإن كان هناك حالات شاذة تنضج فيها الفتاة جنسيا في عمر مبكر فإن النضج النفسي أهم من النضج الجنسي في قضية الزواج لأن الجنس ليس هو المقصود من الزواج وإنما السكن وليس هناك ما يمكن أن يسمى سكنا بين رجل وطفلة قد تكون هائجة جنسيا لكنها عاجزة عن التعامل مع الحياة وإن كانت المسألة معقدة إلى حد عجزت معه عقول العلماء عن اتخاذ قرار حكيم للأسف فإن القاعدة تقول أن "مالايُدرك كله لايترك جُلّه" ولا زلت أشعر بالخجل الشديد بسبب الحديث في هذا الموضوع للأسباب التي ذكرتها آنفا.

Mousa203@gmail.com


في الثلاثاء 30 مارس - آذار 2010 04:29:10 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=