منطق عصابات تكساس و منع الاختطافات في شبوة ومأرب!

لطفي شطارة*

" مأرب برس /خاص

 في مقالي الأخير " من وحي الاستثمار .. الفرق بين القتل والإبادة " كررت أكثر من مرة أن الأمور في اليمن لن تستقيم وان أوضاع المواطن في بلادنا لن تتحسن ، كما أن المساعدات والاستثمارات لن تتدفق بانسياب وطمأنينة لينعم الجميع بالحد الأدنى من

لآدمية ، كما أن العالم لن يصدق أن السلطة جادة في القيام بالإصلاحات المطلوب منها تنفيذها ، ما لم تعترف هذه السلطة بوجود أخطاء في مضمون جميع سياساتها أولا ، وأنها عاقدة العزم على جعل جميع أفراد المجتمع دون استثناء شركاء في صياغة التغيير ثانيا ، وما لم تنطلق ملية الإصلاحات في الجمهورية اليمنية على هاتين القاعدتين فأنه من الصعب أن يقبل أي عاقل نظرية السلطة في أن " المخرب يمكن أن يصلح ما خربه " ، فالخراب يتضاعف ويزداد خطورة ، وإذا يعتقد المخرب انه سيتمكن من إعادة ما خربه خلال سنوات طويلة إلى وضعه الطبيعي فهو يعيش في عالم أخر ، أو كما نقول يغالط نفسه . إن المخرب يعترف في قراره نفسه بأن الخرابة كبيرة ، وأن إصلاحها صعب ، كما أن منطق إشراك الآخرين في التصحيح معه أمر بالنسبة له مستحيل وغير مقبول ، وبالتالي ستبقى الخرابة في اليمن تتوسع حتى تصدق نية السلطة في إصلاح حقيقي يقوم على القاعدتين التي ذكرتهما سلفا . ما تقوم به السلطة اليوم من عمليات تحاول أن توهم العالم بأنها تقوم بإصلاحات جادة هي حقيقة عمليات " ترقيع " وليس تغيير كما هو مطلوب منها ، فالدولة التي يتحكم بمفاصلها قرار واحد وصوت واحد ستستمر في أخطاءها وستستمر في جرنا من حفرة إلى مستنقع ومن مستنقع إلى هاوية لن ينجو منها احد ، ولنأخذ القرارات الرئاسية التي صدرت أمس عقب الإفراج السياح الألمان مثالا لعمليات الترقيع لا الإصلاح الجاد فقد جاءت القرارات بصيغتها على التالي "  صدرا ليوم القرار الجمهوري رقم ( 1) لسنة 2006م قضى بتعيين الأخ عارف عوض الزوكا محافظاً لمحافظة مأرب. كما صدر أمس القرار الجمهوري رقم (2) لسنة2006م قضى بتعيين الأخ علي محمد المقدشي, محافظاً لمحافظة شبوة ". فبدلا عن تقييم ومعالجة الأزمة من جذورها جاء القرار عشوائيا ومحاولة لإعطاء الخارج انطباعا بأن الدولة حاسمة في " قمع " عمليات الاختطاف وليس "معالجة" مسبباتها ، فتعيين الزوكا والمقدشي وفي محافظات لا ينتمون إليها أي أنهم لا يعرفون خصائصها ، لن يجعل قبائل هذه المحافظات ترتعد من وجودهما إلا إذا منحا صلاحيات عسكرية مطلقة للقيام بممارسات الحجاج ابن يوسف عندما دخل مكة لتثبيت ولاية الخليفة مروان بن عبد الملك . والدليل على صحة ما أطرحه هي عملية اختطاف 5 من السياح الطليان والتي جاءت مباشرة عقب تصريحات الرئيس علي عبد الله صالح لعدد من القنوات العربية أثناء استقباله للسياح الألمان المفرج عنهم ، والتي تعهد من خلالها بضرب عمليات الاختطاف والمتسببين بها وبقوة ، وأن الدولة لن تتهاون في قمعها كما قال ، ولكن للقبائل كان هناك رأي مغاير لرأي الرئيس فردت بنفس المنطق الذي طرحه الرئيس لعلاج الأزمة وهو منطق القوة ، فكان 5 إيطاليين من السياح هم ضحايا المعادلة السائدة في اليمن ، وهي معادلة " القوة " وليس " المنطق " فلهذا ردت القبائل بنفس السرعة مستخدمة نفس المنطق. فسياسة " الكاوبويز " ومنطق عصابات تكساس في أفلام كلينت ايستوود وجون ويليز لن تنفع مع الزوكا والمقدشي لا في شبوة ولا في مأرب ، فكان الأجدر استخدام العقل وليس العضلات لحل مشكلة متأصلة وليست وليدة الصدفة ، لان تجاهل الدولة لحقوق الآخرين بالإضافة إلى غياب القانون جعل هذه الظاهرة تتحول من أزمة إلى كابوس على السلطة ، فالمشكلة لن تنتهي بالإفراج عن السياح الطليان ، ولن ينتهي هذا الكابوس بتلك القرارات السريعة ، فكان الأجدر الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها السلطة خاصة في تلك المحافظتين ، فهي التي ترمي أبنائها في سجونها بدون محاكمات ، وهي التي قبلت العمل بمنطق نحر الثيران وفقا للعرف القبلي بدلا عن تفعيل القانون المدني في حل مشاكل المواطنين أينما كانوا ، فلهذا فأن السلطة هي من وضعت سمعة البلد خارجيا بهذه الصورة من السوء لأنها التي تسير بمنطق سياسة " الترقيع " إلى الهاوية ، وليس القبائل التي تطالب بحقوقها من " غريم " وهو " الدولة " وافق أن تكون الحلول بمنطق القبيلة وليس بهيبة القانون ، فالقضية التي تعالج بالخطاء تتوالد منها قضايا خطيرة ، ففي حين كان المختطفون الألمان الخمسة في طريقهم إلى عدن بعد الإفراج عنهم بموجب اتفاق وقعته لجنة الوساطة مع قبيلة الخاطفين ، كانت مجاميع مسلحة من قبيلة المراقشه في أبين ترابط على أبواب عاصمة المحافظة (زنجبار) للحيلولة دون تنفيذ الاتفاق الموقع مع الخاطفين في شبوة والذي قضى بنقل سجناء آل عبد الله المعتقلين في أبين إلى صنعاء ، أي أن السلطة عالجت الخطأ بالخطأ ، عندما رضخت للتحكيم القبلي وليس للقانون المدني ، ولهذا فأن المشكلة مرشحة لان تتحول إلى معضلة قد تصل إلى صراع قبلي زرعت الدولة فتيله بتراخيها وصمتها وتنازلها عن القانون المدني لصالح العرف القبلي . فكما قال الشيخ عبد الله سعيد بلعيدي احد كبار مشائخ المراقشة بأن قبول السلطات اليمنية لمطالبهم بمقايضة الألمان المختطفين بالقتلة المجرمين يمثل سابقة خطيرة في التعامل مع القضايا المنظورة أمام القضاء ، مضيفاً نحن نرفض الاعتداء على الأبرياء والإساءة لليمن وضيوفها، ونرفض أيضا تجاوز القضاء. العالم كله بات يعرف باستثناء السلطة في بلادنا أن البلاد تتجه نحو الهاوية لان الدولة تسير وفقا لمنطق القوة وليس منطق العقل ، وأنها تميز في تعاملها بين مواطنين وآخرين وبين قبائل في محافظة وقبائل من محافظة أخرى ، فهي تستطيع أن ترفع السلاح في شبوة وأبين مثلا ولكنها لا تستطيع حتى التلويح باستخدامه في مأرب أو الجوف على سبيل المثال ، والدولة التي لا تعترف بأخطائها ستستمر في مغالطة نفسها ، أما الشعب في الداخل والعالم من الخارج يعرف تماما أن المطلوب هو عملية إصلاح واسعة يشارك في وضعها كافة فئات الشعب بدون استثناء وبدون وصايا من فرد عن بقية أفراد الشعب ، وبدون احتكار الرأي من حزب عن بقية الأحزاب الأخرى ، وما لم يتحقق ما يقوله المنطق وليس ما تتشبث به القوة ، فستبقى السلطة في اليمن تتخبط من حفرة إلى أخرى ومن أزمة إلى مستنقع عبر سياسة " الترقيع " ، لان الإصلاح الحقيقي والمطلوب يعني نهاية لسياسة الفوضى المرسومة من قبل دوائر الفساد التي تعتقد أن سياسة الضحك على الذقون يمكن أن تنطلي على شعب مل منها أو يمكن أن تمرر على العالم الذي سئم من ألاعيب المراوغين ، فأصبحت اليمن سلطة وشعبا تحت المجهر ، إما التغيير الحقيقي من قبل السلطة وإما أن يتحمل الشعب جميع العواقب . 

 والله من وراء القصد  

 *كاتب وصحافي بريطاني _ يمني مقيم في لندن

 Lutfi_shatara@yahoo.co.uk


في الثلاثاء 03 يناير-كانون الثاني 2006 06:34:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=60