رباعيات الحاكم2
ابو الحسنين محسن معيض
ابو الحسنين محسن معيض

هي أمور أربعة إن توفرت في الحاكم المسلم فقد توفر بعون الله أمنا وحبا وسلاما .. وغيرها مما يحتاجه أي شعب ليعيش حياة هانئة رغيدة ... وان غابت هذه الأربع فان بقاء الحاكم على كرسي الحكم إنما هو من باب التسلط والدكتاتورية منه .. وهو الاستدراج له من الله العلي القدير حتى يأتي يومه الموعود فلا يفلته الله من الخزي والعذاب وهي : التقوى والعدل والقوة والرحمة ..

ثانية الرباعيات : العدل

هو ألأساسُ المتينُ لكلِ مُلكٍ ... وهو عمادُ الحاكمِ وعنوانُ مصداقيتِه .. فَمنْ سوسها وساسها بعدلٍ حظيَ برضاءِ ربِه عليه ودعاءِ محكوميه له ... وينعمُ وطنُهُ بأمنٍ وأمان واستقرار وتطور ونماء في مجالاتِ الحياةِ المختلفةِ ... وصارَ كلُ فردٍ ( المسئولُ والمواطنُ ) في المجتمعِ يعلمُ انه يقعُ تحت سلطةِ حاكمٍ يقيمُ مبداءَ الثوابِ والعقابِ ,ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ ولا يحابي ولا يجامل.. فعندئذ سيحجمُ المسيءُ عن إساءاتِه ويزدادُ المحسنُ إحسانا وإبداعا..

وقد طبقَ النبيُ (صلى الله عليه وسلم ) ذلك خيرَ تطبيقٍ ... وكان قدوةً فيه على نفسِه وأهله وعلى من يحب .. فاستقام أمرُهم ... وسطع نجمُهم ... ورضي ربهُم عليهم ...

ـ عن عائشةَ زوجِ النبي (صلى الله عليه وسلم ):إن قريشا أهمهم شانُ المرأةِ المخزوميةِ التي سرقت في عهد النبي‏ في غزوة الفتح‏.‏ فقالوا‏:‏ من يكلمُ فيها رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم ) ‏؟‏ فقالوا‏:‏ ومن يجترئ عليه إلا أسامةَ بنَ زيدٍ حِبَ رسولِ الله , فأتى بها رسولَ الله ‏فكلمه فيها أسامة ُبنُ زيد‏ فتلون وجهُ رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم ) فقال :(‏أتشفع في حد من حدود الله‏؟‏‏)‏ فقال له أسامةُ‏:‏ استغفر لي‏ يا رسولَ الله‏!‏ فلما كان العشي قام رسولُ الله(صلى الله عليه وسلم ) فاختطب ‏فأثنى على الله بما هو أهله‏ ثم قال : ‏أما بعد‏‏ فإنما اهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه‏ وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَ‏ واني والذي نفسي بيده‏‏ لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعت يدَها‏ ثم أمر بتلك المرأةِ التي سرقت فقطعت يدُها‏قال عروةُ‏:‏ قالت عائشةُ‏:‏ فحسنت توبتُها وتزوجت‏ وكانت تأتيني بعد ذلك فارفع حاجتَها إلى رسول الله ـ هذه امرأةٌ مخزوميةٌ .. ومخزومُ من إشرافِ قريش وأكابرهم .. فبداء حديثُ الناسِ في المنتديات والمجالس والناسُ إذا بدءوا حديثا طار شرارُه وانتشر فاختلط فيه الصدقُ بالكذبِ .. والطيبُ بالقبيح ... واستقر أمرُ الخواصِ على أنهم لابد سيكلمون رسولَ الله في أمرها حتى لا تقطع يدُها .. ولكن لابد لذلك من واسطة قويةٍ تتجرأ أن تكلمَ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم )..فاستقر أمرُهم على حبِ حب رسولِ الله أسامةَ بنِ زيدٍ بن حارثة .. فأتوه ولبى طلبَهم ظنا منه أنها شفاعةٌ حسنة يقدم بها خيرا لمن قصده من المسلمين ..

ـ أليس هذا حالُنا جميعا ما أن يحيطَ بأحدنا أمرٌ جلل أو معاملةٌ حكومية أو قضائية ... إلا ويسارع إلى البحث عمن يتوسط له عند المسئول الفلاني لينجز له معاملتَه .. وقد أجبره على ذلك أنها صارت وضعا معتبرا في كل البلاد بمباركة حكومية أمنية وتحت سمع المسئول وبصره ـ وحينما ذهب أسامةُ إلى رسول الله متشفعا عنده للمخزومية .. غضبَ حتى تلون وجهُه من شدة غضبه .. ووجه له كلاما قويا يعيب عليه قدومه في مسألة كتلك ... ما أعظمك يا رسولَ الله ...من ذا الذي سيسير على دربك ويهتدي بهديك ممن يسمون أنفسَهم اليومَ زعماءَ .. وقادة... أرددت حبيبَك أسامةَ ؟ ولم تقبل شفاعته ؟ أليس عنوان الحبِ أن تقولَ له لبيك وسعديك .. ولو أردت أكثرَ لأعطيتك ..ألا يفعل ذلك من تولى أمرنا وأضاعوا حقوقنا؟ وتسموا بما لم تتسمى بها من ألقاب وكنى وذلك حينما يأتيهم قريب أو حبيب في مصلحة دنيوية فيمنحونه من حقوق المسلمين مما ليس لهم فيه أدنى حق .. أما أنت فأعظمُ واجلُ .. ترفع شعارا قويا يسمع به القاصي والداني فهل من متبع:

ـ لا وساطاتٍ وشفاعات في أمر أوجبه الله

ـ لا تمييعا ولا تفلتا لتطبيق نظام يرعى مصالحَ العبادِ ـ لا تمايز بين ا فراد المجتمع المسلم أمام الشارع وبنود القانون والنظام ـ ويقوم الرسول ليعطي للناس درسا عظيما في كيفية تسييس أمور هذا المجتمع فبين لهم أن القاعدةَ السابقةَ خاطئةٌ .. وظالمةٌ .. وأنها سببُ هلاكٍ لهم وعقاب من الله وأن الناسَ سواسيةٌ أمام الله وتطبيق شرائعه وتنفيذ حدوده ... وانتقل لينقل لهم واقعا معاشا عن نفسه ..وان أهلَ بيته ليس بمنأى عن ذلك العقاب...فقال مقولته التي أضحت عنوانا للعدل: ‏‏ لو أن فاطمة بنتَ محمد سرقت لقطعت يدَها

ـ لم يفكر رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم ) لحظة واحدة أن هذه من أشراف القوم .. وأعتى القبائل .. فربما غضب أهلُها ... وتمردت قبيلتُها ..فليعفوا عنها ويكسب ودَهم وولائهم 

  ـ لم يفكر لحظة في منفعة تعود عليه أو على الشافع بالعفو عنها ..كما يفعل اليوم ممن لا يقتدي به من الحكام والبطانات ...هبات ... ورشوات ... وهدايا .. وعطايا ...وتجارة بمصالح الناس ...سارع نبي القوة والعدل لحسم المسألة .. فاطمة يا رسولَ الله ..فلذةُ كبدك ...خيرُ نساء الأرض.. الحبيبة إلى قلبك الطاهر لو أنها سرقت (وحاشاها) لقطعت يدها ...

ـ كم من أبناء مسئولينا وأقاربهم تمت محاكمتهم ومعاقبتهم على جرائم اقترفوها؟! ... هل سمعتم في بلدي بمحاكمة مدير أو وزير وتم حبسه والقصاص منه ؟.. لم نسمع بعد .. ولكني سمعت بمعاقبتهم بحكم ليس فيه رحمة ولا رأفة .. تم نقلهم من هنا إلى هناك .. ولا ادري أتلك عقوبة أم مكافأة ؟!

ـ قلتها يا رسول الله وأعلنتها قوية صارخة ... وعلم كلُ سامع انك صادقٌ فيها ومنفذ لها ليس كلامُك ككلام من تولى أمرَ أمتك في بلاد الإسلام ... خطاباتهم فرقعاتٌ إعلامية .. و بهرجاتٌ انتخابية .. واستخفافٌ بالعقول .. وحضورٌ يصفق بشكل غير معقول .. ويهتفون بلسان المقال بالروح والدم نفديك يا ... وكلهم بلسان القلب والحال يقول : والله ما صدقت مقالك ولا وفيت وعودك فأنت والسراب سواء... فعلم الناسُ كذبَهم وخداعهم فانتشر الفساد وعم البلى وكثر الرقص والغناء .. فكيف لا وسيد البيت معلم لكل فن وهوى .. والوجع قد سكن مخ الرأس فهل تدرك الجسدَ العافية ؟ .. أما أنت أيها الحبيب المصطفى فقد علم القوم صدقَ مقالك ومطابقةَ الحال للمقال فأحجمت نفوسُهم عن السرقات ..وتناقصت الجرائمُ والاعتداءاتُ .. وكل ذلك بعدل الحاكم المسلم المؤمن التقي ـ قال عروة‏:‏ قالت عائشة‏:‏فحسنت توبتها وتزوجت‏ وكانت تأتيني فارفع حاجتَها للرسول ـ القصاص حياة ـ والحدود استقامة وإصلاح ـ والسجن أعادة تأهيل للفرد نحو الخير والفلاح ـ فكم سارق تركته حكومتنا لوجاهته ولغيرها من المقاصد الفاسدة فعاد لسرقاته واضر الناس ـ وكم قاتل وقاطع طريق لم يقم عليه الحاكم الحد الشرعي خشية من سطوة قبيلته ومكانته في المجتمع فعاث في الأرض فسادا.. وكم .. وكم .. وكم ؟!! فولاة أمرنا صم .. عمي .. بكم !!

ـ بالعدل سار الراكب بالأمس من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه ـ وبغياب العدل اليوم يخرج كثير من الناس في غير مسافة سفر وهم مدججون بالسلاح لا يأمن أحدهم على نفسه ويتوجس ممن حوله شرا حتى في وجود الأطقم العسكرية والنقاط الأمنية

ـ بالعدل يذهب المسلمون للصلاة وعلى محلات تجارتهم أغطية قماشية بدون خوف عليها

ـ وبغياب العدل اليوم تبيت سيارات المواطنين مربوطة ومقيدة تحت بيوتهم خوفا من سرقتها

ـ بالعدل يجلس الحاكم والمحكوم بين يدي القضاء سواسية .. ويتم الفصل بالحق لصاحبهـ وبغياب العدل يسلب الحق من أهله قسرا ويعوضون عنه بسجنهم وترويعهم .. وان لزم الأمر فبرصاصات أمنية أو بأحكام قضائية وكلها تحمل في طياتها ظلما وغدرا .. وما خفي كان أعظم وأشد شرا !!

فكيف بحكام أضاعوا العدل حين يقفون بين يدي الجبار القهار.. الملك العدل المنتقم ..؟.


في السبت 24 أكتوبر-تشرين الأول 2009 06:45:51 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=