إسرائيل… دولة ناقصة دين!
د. محمد جميح
د. محمد جميح
 

ما هي حكاية المستوطنين مع المسجد الأقصى؟ ما قصة الوزراء والقادة الدينيين والأمنيين والمسؤولين السياسيين وأعضاء الكنيست مع الحرم، ولماذا تتكرر اقتحاماته بشكل يبدو منتظماً وممنهجاً ومخططاً له؟

انتهاك ساحات الحرم القدسي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين قصة طويلة لن يكون آخرها اقتحامهم الحرم فجر أمس الأربعاء والاعتداء على المعتكفين فيه، حيث ترتبط الاقتحامات بما هو أعمق من مجرد تصرف غير رسمي لمتطرفين يهود، أو تصرف منفرد لمسؤول إسرائيلي لا يعبر عن سياسة الحكومة، أو مجرد الرغبة في ممارسة طقس ديني، أو الذهاب لإثبات ملكية معينة، أو الرغبة في تذكر تاريخ محدد، أو العمل على استفزاز مشاعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين بين الحين

والآخر، أو تعمد الإساءة لمقدسات دينية للنيل من أصحاب هذه المقدسات، أو حتى الرغبة في محو تاريخ أصحاب الأرض الحقيقيين، تمهيداً للسيطرة الكلية عليها. تبدو القصة أعمق من ذلك بكثير، تبدو مرتبطة بسؤال الهوية في إسرائيل، بالجدل المحتدم داخل دولة الاحتلال حول ماهي إسرائيل وما مدى قدرتها على الاستمرارية والبقاء وفاعليتها في الجاذبية والحضور؟

هل إسرائيل دولة مدنية طبيعية كغيرها من الدول الغربية التي تقول إسرائيل إنها امتداد لسياقاتها الحضارية؟ هل النظام في إسرائيل نظام علماني؟ أم أن إسرائيل «دولة يهودية» أم هي «دولة يهودية علمانية» بما أن اليهودية تعد مزيجاً عن الانتماء العرقي والاعتقاد الديني، وهل إسرائيل «دولة كل مواطنيها» أم أنها دولة اليهود وحسب، إذا ما أخذنا في الاعتبار الهوية الدينية/القومية للدولة. ومهما تكن هوية إسرائيل فإن الوجدان السياسي الإسرائيلي يبدو في حاجة لوجود مساحة مقدسة تستند إليها الدولة في مشروعها المعاصر، وعلى اعتبار يهودية إسرائيل فإن دولة الاحتلال تحتاج إلى مكان مقدس، ولابد لهذا المكان من أن يكون قديماً، لأن القداسة وليدة العراقة، ولا بد أن يكون مرتبطاً بمرويات تغذي الأشواق الروحية للجمهور

والطموحات القومية للساسة، حيث يصبح هذا المكان تجسيداً حقيقياً لليهودية القومية واليهودية الدينية على السواء. تشعر إسرائيل بعمق مشكلتها الوجودية، وتشعر بتموضعها ضمن خارطة مغايرة، وأرض غير مستقرة، ولديها كدولة «قلق وجودي» حقيقي، ناشئ عن جملة من العوامل، تجعل الحاجة لقطعة أرض مقدسة ضرورة، لتكون سبباً في تكثيف السرديات الدينية والتاريخية الإسرائيلية، تريد معلماً يدعم وجودها أكثر من حاجتها لموضع عبادة، تريد مرسى لسفينتها التي تشعر بأنها تبحر في محيطات متلاطمة، وهذا المرسى هو «المكان المقدس» أو «الهيكل الثالث» الذي يراد له أن يجسد هوية قومية أكثر من كونه تجسيداً لشعائر دينية.

إسرائيل بلا مكان مقدس ناقصة الدين، ناقصة الهوية، ناقصة التاريخ، ناقصة الحضور، ناقصة السردية، ناقصة الوجود، ناقصة القوة، ولذا لا بد من إيجاد هذا المكان المقدس الصالح لأن يكون حجر الزاوية في بنية هذه الدولة إسرائيل بلا مكان مقدس ناقصة الدين، ناقصة الهوية، ناقصة التاريخ، ناقصة الحضور، ناقصة السردية، ناقصة الوجود، ناقصة القوة، وإن حملت على ظهرها مئات القنابل النووية، ولذا لا بد من إيجاد هذا المكان المقدس الصالح لأن يكون حجر الزاوية في بنية هذه الدولة، لابد لاكتمال «مجد إسرائيل الأبدي» من هذا المكان الذي لن يغني احتلال فلسطين كلها دون السيطرة عليه لتتكئ عليه دولة «شعب الله المختار» وتتحول معه الدولة إلى حضارة ذات رموز وتاريخ وشواهد قائمة تشير لهذا التاريخ الذي يراد له أن يكون رافعة الحاضر والمستقبل لتلك الدولة. ما سبق ليس مجرد فذلكات لفظية أو تهويمات تخلو من أدلة، ولكنها حقائق يذكرها ويشير إليها كثير من السياسيين والأمنيين وقادة المستوطنين في إسرائيل الذين يقولون إن لدى المسلمين مكة وغيرها من الأماكن المقدسة، ولدى المسيحيين كذلك عدداً من الأماكن

المقدسة، وحتى الهندوس والبوذيون لديهم مزاراتهم المقدسة كذلك، فلماذا لا يكون لدى اليهود مزارهم المقدس؟ وما هذا الجشع لدى المسلمين الذين لديهم مقدسات ومزارات كثيرة ثم لا يريدون أن يكون لليهود مكانهم المقدس؟! من هنا تأتي الاقتحامات المتوالية للحرم القدسي، وتأتي محاولات «تطبيع» تلك الاقتحامات في نفوس الفلسطينيين والعرب والمسلمين بتكرار الاقتحامات، إذ أن تكرار الفعل غير المقبول كفيل بجعله مقبولاً مع الزمن، والهدف النهائي الذي لا يخفيه الإسرائيليون هو إقامة «الهيكل الثالث» على مساحة الحرم أو على جزء منها إذا ما تم للإسرائيليين مخطط تقسيم الحرم بين المسلمين

واليهود، على اعتبار أن الهيكل الذي بني قديماً كان في المكان نفسه، أو في جزء منه حسب الرواية الإسرائيلية، رغم أنه لم يعثر على أي أثر تاريخي يشير إلى المكان الحقيقي لهذا الهيكل. هذا الحرص على وجود مكان مقدس للدولة لا ينطلق من حاجة روحية بل من حاجة سياسية كما أسلفنا، وهذه الحاجة السياسية تتلون في ثوب الاحتياج الديني، مع تقرير حقيقة أن معظم قادة إسرائيل حريصون على الحضور السياسي لا الديني، وأن مؤسسي الدولة كانوا في مجملهم لا يؤمنون بالتوراة قدر إيمانهم بالسلطة، ومع تقرير حقيقة أخرى وهي أن معظم الحاخامات اليهود يفتون بحرمة دخول «جبل الهيكل» على اليهود، وبالتالي فإنه وفقاً لهذه الفتوى لا يجوز لأي يهودي دخول الحرم القدسي، لأنه حسب الشريعة اليهودية يلزم أن يمر اليهودي بحالة من الطهارة التامة لكي يتمكن من الدخول للهيكل، ونظراً لاستحالة وجود هذه الطهارة المثالية في العالم المادي المعاصر فإنه «يحرم على اليهود دخول تلك الأماكن المقدسة». وعلى الرغم من تلك الفتوى فإن قيادات دينية وسياسية تحرض على اقتحام المسجد الأقصى، في المناسبات الدينية في إسرائيل، في محاولات لا تنقطع لتغيير الوقائع على الأرض، ولأهداف تبدو في ظاهرها دينية، ولكنها أهداف سياسية لا تخرج عن محتوى الهدف العام من وراء بحث دولة إسرائيل عن مكان مقدس، لا لكي تتلو فيه مزامير داوود، ولكن لتمارس من خلاله سلطة روحية وسياسية على اليهود في فلسطين والعالم، وتحوله إلى مزار بأبعاد اقتصادية وسياسية وأيديولوجية غير خافية، ومن هنا يأتي الغطاء الأمني والسياسي الذي تعطيه سلطة الاحتلال للمتطرفين الذين يقتحمون المسجد الأقصى كلما واتتهم الفرصة، والذين يحملون الفكرة ذاتها التي تحملها الحكومة الإسرائيلية الحالية. كاتب يمني


في الخميس 06 إبريل-نيسان 2023 02:15:34 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=46336