تحاربوا بنظام
عبدالناصر المودع
عبدالناصر المودع
 

في نكتة سودا تروى خلال عملية نهب صنعاء عن أحد سكانها، والذي كان مشهورا بالنظام والتهذيب، بأنه طالب من كانوا ينهبون منزله بشكل عشوائي، بأن ينهبوا بنظام، وفي اليمن، التي تعيش حرب قبيحة، ما أحوجنا لأن نطلب من المتحاربين بأن يحاربوا ولو بقليل من النظام والأخلاق والنبل. فنشر الصور لجثث القتلى، وحالات الإخفاء القسري للمعتقلين وتعذيبهم، وعمليات الإعدام للأسرى والتمثيل بجثثهم، وقصف المناطق المدنية ومحاصرتها، والاحتماء بالمدنيين؛ كلها أعمال لا تنم عن أخلاق أو قيم أو مشروع حضاري. ولسوء الحظ فإن جميع أطراف النزاع برهنوا بأنهم متشابهين في السوء.   

في مدينة تعز يتطلب الذهاب من منطقة الحوبان إلى منطقة الشماسي، والتي لا تبعد عنها بأكثر من 3 كلم، ما بين خمس إلى ست ساعات بالسيارة، وهي المسافة التي لم يكن يستغرق قطعها قبل الحرب 5 دقائق بالسيارة وأقل من 40 دقيقة سيرا على الاقدام، وفي مدينة صنعاء يحتاج الراغب في الذهاب إلى مدينة مارب، التي لا تبعد عنها بأكثر من 170 كم، إلى أكثر من 14 ساعة بالسيارة، وهذه المعاناة غير ضرورية وليس لها أي قيمة عسكرية تذكر ويمكن التخفيف من سوئها بقليل من التنظيم وحسن التدبير وحس المسئولية. 

خلال الحرب الأهلية في لبنان كانت هناك معابر رسمية بين مناطق الصراع متفق عليها من قبل المتحاربين يمر منها غير المتحاربين، والسلع المدنية، وكانت هناك تفاهمات -فعلية وضمنية- على إبعاد المعارك عن هذه المعابر حتى تقوم بدورها الحيوي للتخفيف من آلام الحرب وشرورها. وكانت هناك تفاهمات لوقف إطلاق النار خلال ذهاب وعودة التلاميذ من المدارس.

وفي اليمن تحتكم القبائل اليمنية، والتي توصف من قبل "المثقفين التقدميين" بأنها قبائل متخلفة وهمجية، إلى اعراف حربية صارمة تُنظم الحرب وتُقلل من شرورها إلى أقصى حد ممكن؛ فوفقا لهذه الأعراف تنحصر الأعمال القتالية على المحاربين من رجال القبيلة فقط؛ فيما النساء والأطفال وجميع الفئات غير القبلية (المهنيون ، الهاشميون ، اليهود) لديهم حماية خاصة (مهجرون) حيث يُمنع الاعتداء عليهم أو تقييد حركتهم، وليس هذا وحسب بل أن الأعمال الحربية تتوقف أثناء مرور هذه الفئات في خطوط التماس. إلى جانب ذلك؛ يمنح العرف الحربي الطرقات والأسواق، وأراضي القبائل غير المشتركة في الحرب، وغيرها من المرافق الضرورية لاستمرار الحياة، الأمان الكامل؛ فلا يسمح بالقتال في هذه المناطق أو أي سلوك عدواني لفظي أو رمزي.

نتمنى على المتحاربين في اليمن والذين يدعي كل واحدا منهم بأن لديه "مشروع حضاري" أن يقتدوا بأعراف القبائل "المتخلفة" ويقدموا على خطوات تخفف من الصورة القبيحة التي أبرزوها في حربهم. ومن ذلك حسن معاملة الأسرى والمعتقلين، وفتح معابر للتنقل بين جبهات القتال للأفراد غير المنضويين في الحرب، وللسلع الضرورية لاستمرار الحياة، فمثل هذه المعابر لن تؤثر في سير المعارك أو تخدم طرف دون أخر. 

وفي هذا الشأن من الممكن البدء بمثل هذه الخطوة في مدينة تعز، والتي هي في أمس الحاجة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية لعمل من هذا النوع، حيث يمكن إنشاء معبر أو أكثر لربط منطقتي الصراع وفق قواعد دقيقة وصارمة تمنع استغلال هذه المعابر لأغراض عسكرية، حيث يمكن الاتفاق على ساعات محددة لفتح المعابر ووقف المعارك في نطاقها الجغرافي، وتحديد من يسمح لهم بالعبور وتشكيل لجان محايدة أو مشتركة لمراقبة هذه المعابر والإشراف عليها، وغيرها من الإجراءات التي تمنع إساءة استخدامها. 

إن خطوة من هذا القبيل ستجد التشجيع والدعم من جهات دولية عديدة كمنظمة الصليب الأحمر الدولي (الجهة المكلفة من المجتمع الدولي بمراقبة تطبيق القانون الدولي الإنساني) أو الأمم المتحدة، والتي قد توفر المعدات اللأزمة لكشف الأسلحة، أو الأحزمة الناسفة في نقاط العبور، والتكفل بدفع رواتب العاملين في هذه النقاط، والمشرفين على احترام قواعد عمل المعابر. 

سيقول الرافضون لفكرة فتح هذه المعابر بأنها ستجعل من خطوط التماس الحالية حدود جغرافية نهائية للأطراف المتحاربة، غير أن هذا القول غير صحيح، فالمعابر المقترحة لن تشمل إلا منطقة صغيرة من خطوط التماس قد لا تتعدى كيلومتر مربع واحد فقط فيما بقية خطوط التماس الأخرى ستبقى متاحة للأنشطة العسكرية التي يمكن تغييرها.

إضافة إلى قضية المعابر؛ على المتحاربين تحسين سجلهم السيئ المتعلق بمعاملة الأسرى والمحتجزين؛ فهؤلاء يجب أن يحظوا بالحماية والحقوق الإنسانية الأساسية، وأهم هذه الحقوق المعاملة الحسنة والتواصل مع ذويهم واحتجازهم في أوضاع لائقة. وفي هذا الشأن ينبغي العمل على أنشاء نظام واضح للاحتجاز والاعتقال، من قبيل خضوع جميع المعتقلين لمحاكمة عسكرية/عرفية يتم فيها إصدار أحكام مكتوبة ومسببة للاعتقال، بعد الاستماع إلى مبررات الاعتقال من المدعي العسكري/العرفي وكذلك المحامي العسكري/العرفي الذي يجب أن يتم توفيره للمحتجزين. وبعد ذلك يتم فتح هذه المعتقلات للصليب الأحمر الدولي وأهالي المعتقلين لزيارتهم وفق ضوابط معقولة.

إن قيام طرف ما بالمبادرة في التخفيف من شرور الحرب ستمنحه تفوق اخلاقي حقيقي تميزه عن الطرف أو الأطراف الأخرى الذي يدعي بأنه متفوق عليها؛ فالتفوق الاخلاقي هو وحدة الذي يمنح صاحبه الحق في الحُكم والإتباع، أما العنف والهمجية، فإنها وصمة عار وسلوك الجبناء.

قد يكون من غير الممكن منع الحرب حتى الآن؛ إلا أن تنظيمها والتخفيف من قبحها هو أمرا مطلوبا ومحمودا،،، فرجاءً تحاربوا بنظام.              


في الجمعة 11 أغسطس-آب 2017 11:09:10 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=