زواج الصغيرات في اليمن
متابعات
متابعات

تحقيق: أمرية المريطي

تحولت حياة سلوى وأحمد اللذين اجبرهما والدهما على الزواج برغم عدم أهليتهما لذلك إلى جحيم استوطنت داخل أيامه السوداء مشاعر الحزن والسخط على حياة الطفولة التي حرما منها ليجدا نفسيهما وسط عالم الكبار، ويحصدا مرارة العيش مبكرا وقسوة الأيام.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذه المشكلة فقد حرصت أم محمد على تزويج ابنها وهو لم يكمل الـ12 عاما ظنا منها أنه سيكتمل عقله ويحس بمعنى المسؤولية، ورغم سنوات الزواج وإنجاب الأطفال لم تزداد الأمور إلا سوءا، فقد تحول الاستقرار الذي حلمت به الأم إلى نيران التهمت ذلك الحلم.

مآسي متعددة تحكي ظلم وجهل الأهل يعيشها الأطفال الذين يُجبرون على الزواج في سن الطفولة، ويرمون في عالم الكبار بكل مسؤولياته وواجباته الثقيلة ويحرمون من اللعب واللهو كباقي أصدقائهم، وكل ذنبهم جهل آبائهم أحيانا والفقر أحيانا أخرى.

** سن الطفولة

تنتشر ظاهرة زواج الأطفال في اليمن بين البنات أكثر من انتشارها وسط الأولاد، ويتفق الكثيرون على أن هذه الظاهرة هي الآن أقل انتشارا ممَّا سبق، ومع ذلك فإن الأرقام المرصودة حديثا تبين أن المشكلة لا زالت مستمرة وراسخة، خاصة في الأرياف.

فالطفل لغةً: الصبي، يقع على الذكر والأنثى، وتعريفه وفق معظم قوانين العالم المعمول بها اليوم: كل من دون سن الثامنة عشرة، فكل من هم دون سن الثامنة عشرة يعتبرون أطفالا، ويعاملون بناءً على ذلك، فلا يجوز تقديمهم للمحاكمة أو قبول شهاداتهم أو إيداعهم السجن العادي، ويعاملون معاملة خاصة في حال اعترافهم أو ارتكابهم جنحة أو جناية.

كما أن معظم قوانين العالم تلزم ذويهم بإرسالهم إلى المدارس، وتعاقب الوالدين في حال الامتناع. والطفل حسب تعريف الأمم المتحدة، هو: كل إنسان دون الثامنة عشرة من عمره، ما لم ينص قانون دولة ما على اعتباره ناضجاً قبل بلوغ هذا السن.

ومرحلة الطفولة في الإسلام من الميلاد إلى مرحلة البلوغ، وهذه المرحلة تمتد لسنوات لا تقل عن اثنتي عشرة سنة، ولا تزيد في الغالب عن أربع عشرة سنة، وذلك لقوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، النور: 59.

** الزواج في اليمن

وفي بلادنا كثيرا ما نسمع عن مشاكل تهدد الطفولة وتسلب منها براءتها، ومن تلك المشاكل الزواج في سن صغير، التي قد تنجح أحيانا وتفشل في أحيانٍ كثيرة، وتتحول براءة الطفولة إلى حزن، ويزج بهم إلى جحيم الحياة.

والزواج المبكر في اليمن له علاقة وثيقة بنظام القيم السائدة في المجتمع اليمني، الذي ينظر إلى الزواج المبكر باعتباره صيانة من الانحراف، واستكمالاً لنصف الدين، كما يلعب الفقر دورا رئيسيا في انتشار الظاهرة، فهو يجبر الكثير من الأسر على تزويج بناتها مبكرا للتخفيف من العبء المالي الذي يفرضه وجودهن مع أسرة الأب.

فالبعض يقول إن الزواج المبكر مفيد؛ لأنه يحصن الشاب ويحفظ للفتاة عفتها وشرفها، ويستدلون بزواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أم المؤمنين عائشة، وهي في التاسعة من عمرها. والبعض يعتقد أن الزواج المبكر لا يصح؛ لأنه إذا كان الزوجان في سن صغير، أو كان فارق العمر بينهما كبيرا، سينتج عنه مشاكل كثيرة قد لا يحمد عقباها، والبعض الآخر يحرمهما من التعليم.

** من يحمي البراءة

وخلال رحلة البحث عن حلول تعيد للطفولة ابتسامتها وبريق عينيها وحريتها التي فقدت منها، التقينا بأحد المدافعين عن قضايا الطفولة في اليمن، الأستاذ أحمد القرشي، رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة، الذي حمل مسؤولية ما يحدث نتيجة الفهم الخاطئ للمعتقدات الدينية.

وقال إن زواج القاصرات عبارة عن منظومة متكاملة ليست التشريعات القانونية رغم أنها جزء أساسي، وحدها من ستكافحه وتمنعه.

ويؤكد القرشي أن أول حلول هذه المشكلة يبدأ في محو وتصحيح المفاهيم والمعتقدات الخاطئة المنتشرة في مجتمعنا حول الزواج المبكر، ويرى أنها مسؤولية، أولاً، رجال الدين وخطباء المساجد ومن يقومون بإبرام عقود الزواج، فيما تقع المسؤولية الثانية على الصحفيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان الذين يجب عليهم القيام بحملة لرفع وعي الناس بخطورة ذلك الزواج، ثم تأتي بعدها التشريعات القانونية التي تحدد سن الزواج.

ويضم القرشي صوته إلى أصوات العديد من منظمات المجتمع المدني التي تطالب بتعديل قانون الأحوال الشخصية، حيث يحدد سن 18 عاما كحد أدنى للزواج، ويضيف إن المشرع اليمني ملزم بإعادة صياغة القانون الخاص بالأمومة والطفولة الخاص بتحديد سن الزواج، ليس ذلك فحسب، بل لا بد أن يكون لهذا القانون نصوص واضحة، وأن يتضمن عقوبات رادعة لمن يخالفه.

وتتفق معه في الرأي ذاته مسؤولة السياسة والحملات في منظمة "أوكسفام" سهى باشرين، حيث تقول إذا "حددنا سن الزواج، لن نمنع الزواج المبكر، فلا بد من التوعية بمخاطر ذلك"، وتوضح أن المنظمة تعمل حاليا مع شركائها المحليين مثل شبكة "شيماء" واتحاد نساء اليمن واللجنة الوطنية للمرأة والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، للعمل على إقرار تعديل قانون سن الزواج الذي قدمه الاتحاد واللجنة.

** امتلاك البطاقة

وتؤكد باشرين ضرورة امتلاك البطاقة الشخصية وشهادة الميلاد؛ لأنهما يحددان ما إذا كان السن مناسبا للزواج أم لا.

وتشاطرهم الحلول نفسها مديرة مركز أبحاث ودراسات النوع الاجتماعي بجامعة صنعاء الدكتورة حسنية القادري، التي تؤكد ضرورة استهداف الآباء والأمهات من خلال حملة يقوم بها علماء الدين وخطباء المساجد، ينشرون خلالها التوعية بمخاطر تزويج بناتهم وأبنائهم في سن صغير.

وأضافت القادري أن الدور لا يقتصر على علماء الدين فحسب، بل يجب أن يتحدث الأطباء عن تلك المخاطر، وأن يتكلم علماء الاجتماع والنفس والتنمية عن مخاطر ذلك الزواج، وأن تقوم وسائل الإعلام "صحف مجلات وإذاعة وتلفزيون" بحملة إعلامية من خلال البرامج والصحف تستهدف نشر التوعية.

وأبدت أملها في أن يتم وضع حل للزواج المبكر كذلك الحل، والإجراءات الحاسمة التي اتخذتها الحكومة للحد من الزواج السياحي قبل ثلاث سنوات، وأن يقر البرلمان في اجتماعه الذي سيعقد في أكتوبر المقبل القانون الذي يحدد سن الزواج، وأن تحضر الأغلبية من أجل تمرير القانون.

** مقاومة شديدة

وتقول نائب رئيس اللجنة الوطنية للمرأة حورية مشهور، إن التعديل الذي قدمته اللجنة فيما يخص تحديد سن الزواج يواجه بمقاومة شديدة في مجلس النواب الذين يرجعون أسباب الرفض إلى أنه مخالف للشريعة الإسلامية، ويستندون على رفضهم ذلك بزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- بعائشة رضي الله عنها.

وتؤكد مشهور أن اللجنة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام ذلك الرفض، فقد أجرت حوارات مع العديد من المتخصصين في الشريعة الإسلامية والمناصرين للقانون الذين يدافعون عن ذلك القانون، ويقولون إن هناك قاعدة أساسية في الدين الإسلامي تؤكد "أن الإسلام لا يبيح الضر للإنسان"، وأن ذلك الزواج يضر بالفتاة والأسرة والمجتمع.

وتضيف مشهور أنه لا يجب القياس على حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه ليس كل الناس مثل النبي، وتدعو مجلس النواب بصفة مستعجلة إلى النظر في القانون، وتوضح أنه إذا السقف الذي حددته اللجنة بـ18 سنة، غير مناسب فليكن مثل القانون الذي كان موجدا عام 94، الذي يحدد سن 15 سنة. ولم تكتف بذلك بل طالبت بوجود عقوبات قانونية على من يخالف ذلك، وفي المقابل يجب نشر حملة توعية واسعة تحذر من ذلك الزواج، كما توصي بضرورة استخراج شهادة الميلاد، ولا يتم عقد الزواج إلا بها.

** دور المجلس الأعلى

وأثناء رحلة البحث عن حلول للمشكلة التي تدمي القلوب والضمائر، حطينا رحالنا أمام المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، والتقينا المسؤول الإعلامي بالمجلس عبد اللطيف الهمداني، وأشار إلى أن المجلس قام بإعداد برنامج لدعم ومناصرة مشروع تعديل المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية بالنص، التالي "لا يجوز تزويج الطفل الذي لم يتم الـ18 من عمره، ذكرا أو أنثى".

ويضيف الهمداني أن النص القانوني المتعلق بتحديد سن الزواج يحتاج إلى المتابعة والمراقبة، وأنه في حاجة إلى تعاون وتكاتف الجهود وخاصة القائمين بعقود الزواج، إضافة إلى دور وسائل الإعلام في التعريف بوجود نصوص قانونية تمنع زواج الأطفال وكذلك دور خطباء وأئمة المساجد في رفع الوعي المجتمعي بالمخاطر الناتجة عن الزواج المبكر.

** الرأي القانوني

وتقول المحامية شذى ناصر إنه إذا قام مجلس النواب بتغيير وتعديل القانون الذي يحدد سن الزواج بـ18 عاما، فإن ذلك سيكون أحد العوامل التي ستساعد في حل مشكلة الزواج المبكر، وتؤكد ضرورة وجود مادة جزائية وعقابية للأب والزوج في حال مخالفة القانون.

وتصر على ضرورة وجود شهادة ميلاد أو بطاقة شخصية، وتتساءل ماذا نستفيد من وجود قانون إذا كان هناك تلاعب في شهادة الميلاد أو البطاقة، من المفترض أن تكون هناك عمليات تدقيق عند إصدار البطائق أو شهادات الميلاد.

** رأي الدين

من المؤكد أن لرأي الديني ليس في اليمن فقط أهمية كبيرة، والناس دائما يلجأون إلى الدين دائما في حياتهم اليومية، وفي حال اقتنع رجال الدين بخطورة أن الزواج في سن صغير يشكل ضررا على حياة الفتاة والأسرة والمجتمع، فمن السهل نشر التوعية. وهناك من يخالف ذلك ويرفض تحديد سن للزواج بحجة أنه مخالف للإسلام.

يقول وكيل وزارة الأوقاف لقطاع الإرشاد والتوجيه الشيخ جبري حسن، إن "أساس التكاليف الشرعية في الإسلام هي الرشد، فالرشد سلامة العقل، وحسن التصرف، والرشد بمعنى التكليف ومسؤولية الإنسان عن فعله ونفسه تبدأ طبقا للقرآن الكريم".

ويضيف أن "الزواج يعتبر تكليفا شرعيا، ولا يتم إلا عند بلوغ سن الرشد، أي عند اكتمال العقل والجسم معاً، بمعنى أن يكون الإنسان (البنت أو الولد) مستطيعا وراشدا، ويستدل على حديثه ذلك بالآية القرآنية {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} "أية 6 سورة النساء".

** أخيـــراً

ومن خلال الرحلة يتضح لنا أن الكل يتفق على شيئين، هما: التوعية التي يؤكد الكل ضرورة مشاركة علماء الدين وخطباء المساجد فيها لما لهم من دور مؤثر في حياة الناس، وإصدار قانون يحد من زواج الأطفال، ولكن هذا الحل يصطدم برفض بعض أعضاء مجلس النواب وعدد من رجال الدين في المجتمع اليمني، وبالرغم من تعالي تلك الأصوات إلا أن مجلس النواب لم يحرك سكانا ولا يلتفت إلى تلك الأصوات.

وعند طرق باب مجلس النواب لنضع بين أيدهم تلك المطالب ولنستفسر منهم أسباب الرفض، التقينا عضو لجنة الحريات العامة في مجلس النواب شوقي القاضي، حيث يقول إن "هناك مشكلة في موضوع قانون الزواج، والمشكلة تكمن في أن بعض نواب المجلس يرون أن تمرير القانون مؤامرة على اليمن والأخلاق بشكل عام".

وأضاف القاضي أن "هؤلاء هم الذين يقفون حجر عثرة أمام تمرير القانون، فهم ربما يفكرون بمراجع الكتب، ولا يعيشون مراجع الواقع الذي نعيشه، ولا يعرفون مدى خطورة زواج طفلة عمرها ثماني سنوات، ولم يسمعوا بكوارث الزواج المبكر وأخطاره على الواقع".

ويقول لا بد من رأي عالم الشريعة في الموضوع، وأنه لا يصح الإفتاء في موضوع الزواج المبكر إلا بناءً على توصيف من علماء الاجتماع والطب، الذين يؤكدون من خلال الدراسات التي قاموا بها أن الزواج في سن صغير له أخطار على الفتاة والمجتمع والأسرة.

ويوضح أن هناك من يتهرب من مناقشة الواقع ويستدل على ذلك بأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- تزوج عائشة -رضي الله عنها- وعمرها تسع سنوات.

ويقول القاضي "أعطني رجلا كرسول الله في زماننا هذا أزوجه بطفلة عمرها خمس سنوات".

* صحيفة السياسية


في الثلاثاء 14 أكتوبر-تشرين الأول 2008 01:50:51 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=