عودة " قريش ".. !
سام عبدالله الغباري
سام عبدالله الغباري

- تـَسلّلتُ كما يفعل عناصر تنظيم "القاعدة" إلى مقر جماعة "أنصار الحوثي" في مدينة "ذمار" اليمنية ، إخترقت حاجزهم الأمني برفقة صديق (تحوث) مرغماً ، وقد كان أحد الذين أفسدوا مراهقتي البريئة بكثرة صداقاته لفتيات الحب القديم ، وجدته صدفة بعد غياب سنين يتحدث عن تفسير القرآن كرجل دين حاذق في مقيل حافل بالدخان وأعمدة النارجيلة المنتصبة بشموخ كمإذنة وقت صلاة المغرب ، ناديته بإسمه .. اكتشف وجودي ، و إبتسم في شحوب ، لم أكن أعرف أنه كالآخرين الذين جاؤوا من "صعدة" له كنية جديدة يـُخاطب بها ، بعد أيام اتصل بي و التقينا وتوالت اللقاءات ، وكان منها أن وصلت بمعيته إلى مقر جماعتهم التي استولت بالقوة على مبنى نادي فتح الرياضي بالمدينة لتجعله مكتباً لها في قضايا النزاعات الاجتماعية، تحت إدارة فتى صغير يـُكنى "أبو حيدر" !.

- جلست بينهم صامتاً ، واعتقدت أني سافرت عبر آلة الزمن إلى عصر ماقبل الإسلام ، كان أبوجهل إلى جواري ، و أبوسفيان عن يميني ، وأبولهب عن يساري ، ضحكت في أعماقي و سألت نفسي : هل هذه "دار الندوة"؟ ، أين دار الأرقم بن أبي الأرقم ؟ يا للهول ! ، أغمضت عينيّ وسافرت في خيال ساخر مـُنصتاً لكثرة الكنايات التي تتراكم هنا ، ويـُسمى بها الجالسين في "نادينا الرياضي" المقهور ، وقد كان نادياً وتاريخاً وعلامة رائدة في مسيرة "ذمار" وأبنائها ، كلهم مروا من هنا . فتية ، شباباً وكهولاً ! ، حتى عادت "قريش" فجأة إلى هذا الزمن الذي نحن فيه بعد مرور 14 قرناً على اندثارها ، وكان التفسير الأقرب لكيفية وصولها إلى مدينتي الأنيقة أن ثقباً أسوداً في جدار الزمن ظهر في السماء لحظة مغادرة جيش "قريش" لملاقاة المسلمين في "بدر" ، فعبروا منه إلينا وهبطوا علينا بخيولهم و جاهليتهم و كِـبرهم وظلمهم ، واستوطنوا وجعلوا من مرافق الدولة وأندية الرياضة أماكناً مغتصبة لهم .

- كنت أتطلع إلى وجه أحدهم وإسمه "أبو صالح" فأتذكر "أمية بن خلف" في فيلم "الرسالة" الشهير يقهقه ضاحكاً في مضافة "أبو جهل" ويعد المحاربين في "بدر" بمائة ناقة تحمل دنان الخمر ! ، بحثت عن "بلال" ، قيل أنه في العراء يصرخ "أحدٌ أحد" ، أين "عمار" ؟ إنه في الأستاد الرياضي ينتحب باكياً على أبويه ! ، فيما رسول الله محاصر مع بقية المسلمين الضعفاء في جبل "هران" ، وقد كتبت "قريش" وثيقة "السلم والشراكة" فأكلتها "الأرضة" ولم يبق منها سوى "بسمك اللهم" !.

- في "قريش" كانت الكنايات منتشرة عوضاً عن الإسم الحقيقي للشخص ، تلك عادتهم الحصرية دوناً عن بقية القبائل المحيطة بهم ، فكانت الشهرة أو الكناية تطغى على الإسم كما في شهرة "أبي لهب" . وخلال فترات الحراك الاصولي الديني وحركات المقاومة اليسارية المعاصرة عادت هذه الكنايات للظهور مجدداً بغرض إخفاء الهوية الحقيقية للمقاومين أو الارهابيين الاصوليين ، وقد انتشرت في "صعدة" - شمال اليمن - مثل هذه العادة إبان حروب التمرد الست منذ 2004 وحتى 2010م للتغطية على هوية المحاربين "الحوثيين" خوفاً من الإعتقال .

- ما زلت هناك ، حاولت الجهر بالشهادتين من نافذة النادي كما فعل "جعفر بن أبي طالب" ، تقافز الجميع ، وكبلوني .. أجلسوني في وسط الغرفة ، وشكلوا دائرة عليّ ، خطواتهم ثقيلة . اسمعهم يشتمونني ويستنكرون : لقد صبأت عن دين آلهتنا ! ، بصقوا على وجهي بـ "البردقان" ، كان السوط في يد صديقي ، اشاهده مستنكراً ، و أبو لهب يقول له : أضربه .. اضربه يا "بلال" ، وخلافاً لما رأيته في فيلم "الرسالة" ، رفع صديقي السوط ، وضربني بقوة .

- أحسست بأحدهم يلكزني بقوة في ساقي ، وصوته يكبر رويداً في داخلي، يناديني بإسمي ، ما بك ؟ ، لقد كان صديقي ! ، سألته : أين السوط ؟ تعجب وقال : أي سوط ؟ ، ابتسمت وقلت له (لا عليك ، كنت أحلم ، هيا بنا ؟ ) تسائل قائلاً : إلى أين ؟ - ضحكت وقلت ساخراً : نهاجر إلى "الحبشة" فقد عادت "قريش" من ثقب جهلنا الأسود الذي يبتلع كل شئ !.


في الجمعة 09 يناير-كانون الثاني 2015 12:22:39 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=