في اليمن حيث لا حكماء ولا عقلاء
ياسين التميمي
ياسين التميمي
 

عقد الحوثيون الجمعة الماضية بصنعاء، وفي صالة رياضية مغلقة، لقاء تشاورياً لمن أسموهم وجاهات وعقلاء وحكماء اليمن، كان سريعاً في زمن انعقاده، إذ لم يدم أكثر من ساعتين فقط، ولكنه كان فاصلاً في دلالاته ومضمونه وفي التطورات السياسية التي ستلحقه.

كانت الهواجس الأمنية هي الهم الرئيس الذي أثَّر على المؤتمر والقائمين عليه، وعلى زمنه وطريقة انعقاده والترتيبات التي سبقت انعقاده، أكثر من المخاطر المتوقعة للقاء وللنتائج التي خرج بها، خصوصاً وأنها تستهدف بشكل مباشر الرئاسة اليمنية وتتحدى المجتمعين الإقليمي والدولي.

 المخاوف الأمنية بإمكانية استهداف اللقاء، أسهمت في الحد من المشاركة بهذا اللقاء، حتى من أولئك الذين ادعوا تمثيل الوجاهات من مشائخ اليمن، ولم تتوفر لديهم الشجاعة للحضور، فاضطر الحوثيون إلى الاستعانة بضباط من الجيش والأمن وبالمئات من الحرس الجمهوري السابق ومن المليشيات الحوثية المسلحة، الذين ملأوا الصالة صراخاً مليشاوياً لا يمت بصلة لمن يُفترض أنهم عقلاء وحكماء اليمن.

اللقاء أطلق تهديدات خطيرة تتعلق بمستقبل الرئاسة اليمنية، حينما منح أحد المتحدثين فيه وهو ناشط حوثي مغمور من صعدة، مهلةً للرئيس هادي لا تزيد عن عشرة أيام لتشكيل الحكومة، وإلا سينعقد الاجتماع في مقر الرئاسة اليمنية حيث "تُصنع القرارات"، في توجه مكشوف لدى الحوثيين لتقرير مصير الرئيس اليمني، الذي فرّط في مكانته الرئاسية، على نحو يذكرنا بمصير آخر حكام غرناطة في الأندلس.

فيما أطلق ضابط يعاني من اضطرابات نفسية، كما أفادني أحد المقربين منه، تهديدات بتشكيل مجلس إنقاذ عسكري، خلال خطاب ألقاه في هذا اللقاء التشاوري. وبالتأكيد هذه التهديدات تم تمريرها عبر كلمات المتحدثين، لكن البيان فيما يخص موقع الرئاسة اكتفى بإدانة خطاب الرئيس، الذي كان قد طالب فيه الحوثيين بالانسحاب فوراً من العاصمة والمحافظات، ورفع خلاله الغطاء عن العمليات العسكرية التي كان الحوثيون يقومون بها في بعض المحافظات، بدواعي مواجهة القاعدة.

لقاء "حكماء اليمن وعقلائهم"، غاب عنه الحكماء والعقلاء، وحضر مرددو الشعارات الثورية، على نحو يذكرنا بالاحتفالات التي ارتبطت بالثورة الإسلامية في إيران. المثير للاهتمام أن هذا اللقاء جاء في سياق الفعل الثوري، وتحت طائلة التهديد باستمرار ما يصفه حلف الثورة المضادة (صالح- الحوثيين)، بـ "ثورة الشعب".

وفي الواقع هذا اللقاء عكس حالة انفصام سياسية لدى هذا الحلف، الذي يبدو أنه قرر الاستمرار في خط التصعيد، وإسقاط النظام الانتقالي، بما يتناقض كلياً مع الالتزامات المعلنة من جانب الحوثيين وحزب الرئيس المخلوع بشأن مساندة تشكيل حكومة شراكة وطنية اتفق على أن تكون من الكفاءات، ويمكن اعتبار هذا واحدة من الإشارات الخطيرة التي صدرت عن هذا اللقاء. 

اللقاء أعلن صراحة تشكيل لجنة خاصة لحل القضية الجنوبية، التي مثلت جوهر اهتمام وانشغال مؤتمر الحوار الوطني، وهذا يعني أن مخرجات الحوار التي استندت إليها تحركات الحوثيين، قد أصبحت هدفاً لهم ولثورتهم المضادة.

كما أن اعتماد اللقاء مقترحاً بإنشاء لجان شعبية في المحافظات بهدف مساعدة المواطنين على إنهاء مظالمهم والرقابة على أداء الحكومة، يدخل البلاد في مرحلة مستديمة من حالة اللادولة، بما يعنيه هذا المقترح من تحييد للمؤسستين العسكرية والأمنية، ومن احتمال استمرار العنف والمواجهات المسلحة بين مكونات المجتمع اليمني، وكأننا أمام رؤية الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد الذي كان يؤمن بالفوضى الخلاقة باعتبارها المرحلة التي تهيئ لظهور المهدي.

لا ريب إذاً، أن يأتي لقاء ما يسمى بـ "عقلاء أو حكماء" اليمن في هيئته وطريقة أدائه، كمحفل ثوري إيراني أكثر منه لقاء لحكماء وعقلاء.. يا إلهي!! .. لا يزال أمام اليمن طريق طويل من العنف والعذاب حتى يستقر على ملامح دولة مستقرة.

 
في الأحد 02 نوفمبر-تشرين الثاني 2014 12:09:38 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=