وجوه ومليشيات عابرة للدول
علي الضبيبي
علي الضبيبي
دخل الحوثي صنعاء وقت الظهر. الليلة التي سبقت، سقوط "سواد حنش" كانت شديدة الظلام. كانت مرعبة، وفي تلك الليلة سارع محمد اليدومي الى صفحته في "فيسبوك" وكتب الدعاء المأثور:" اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا".
العبارة المأثورة نفسها، قالها أسامة بن لادن أيضا قبيل مقتله، عندما أفاق فجأة على قوات التدخل السريع الأمريكية تطوق بيته المموه.
يبدو أن هناك قوى دينية أخرى وشخصيات ستواجه نفس المصير، وربما ستلجأ إلى ذلك الدعاء الخاص بستر العورة. إنها القوى العمياء التي تمتطي الدين وتمارس السياسة من خلال التحفيظ وقراءة المأثورات.
الفوران المتعاظم لظاهرة الإسلام السياسي الذي نراه اليوم، بشقيه (سني/ شيعي)، هو نمط طارئ للتعبير عن خلطة السياسة بالدين، داخل مجتمعات نسيت المذهبية، وبات أبناؤها يمارسون العمل السياسي بأدوات العصر وتقاليده، ويصلون معا.
الأحزاب، بما هي فكرة حديثة وتقاليد مدنية دستورية يستخدمها المواطنون لاختيار الحكام، هي تعبير واضح عن تطور الفكر السياسي لدى هذه المجتمعات التي تخطت العقبة وأرادت الانتقال من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين. وفي 2011، قال محمد حسنين هيكل إن ما حدث في اليمن ليس ثورة؛ هي القبيلة تحاول أن تنتقل إلى وضع الدولة. قالها على أساس علمي يضع في الاعتبار عملية تطور المجتمعات.
هذا التقرير لا يندرج في إطار المقالات والدراسات التنظيرية؛ ولكنه يسوق حزمة من البراهين المتتابعة؛ إن المذهبية والطائفية والمناطقية والجهوية، كأدوات بدائية للتحشيد والنهب، ستتكسر؛ لأنها ترتطم بالطبيعة؛ طبيعة العصر.
مصالح الناس متشابكة، وباتت عابرة للطوائف والأعراق، والقرى والمناطق؛ لذلك تبقى الدولة خيارا طبيعيا حتميا في النهاية.
أدوات الإسلام السياسي اليوم غير طبيعية، ولا أستطيع أن أتخيل مستخدميها سوى أنهم مجموعة مغامرين، أو همج، أرادوا أن يلعبوا سياسة بقوانين الفيزياء.
العالم اليوم شبكة مصالح كوكبية يحكمها الريموت، وينظمها العلم: قوانين ونظم. ولو أن شيوخ الإسلام السياسي نجحوا في دراسة علوم الطبيعة، لشاهدوا أنفسهم داخل معامل يُعصرون كأدوات في يد الرأسمالية العالمية.
من الذي قفز بمرسي، ذي الاتجاه السني، إلى عرش مصر وأسقطه في نفس العام؟! هو نفسه الذي مكر بالمالكي (الشيعي) في العراق، عندما تركه يتمادى ويتوغل في الطائفية ليسقطه بالأدوات نفسها؛ غير أدوات الدولة. هكذا القانون الطبيعي نفسه، بما هو مصالح متفاوتة النسب، ومخاوف مجتمعات ودول ومافيا تتاجر في الخفاء بالشيء وضده لتحقق أرباحا ومكاسب.
الصورة نفسها بين الفلسطيني عبد الله عزام مطلع الثمانينيات، الذي ترك وطنه تحت الاحتلال، وذهب يخوض حرب تحرير أفغانستان، وبين الرئيس مرسي في 2012 عندما اتجه جنوبا ليخاطب سكان النيل الأزرق: "أبشروا يا أهل السودان فقد نهضت مصر"!
في الشق الآخر توجد صور إسلاموية شيعية ثورية أخرى مغامرة تخوض المعركة نفسها في أكثر من بلاد. ولئن وجدت فوارق وتمايزات بين صورة وأخرى، فإنها فوارق الزمن لا غير.. هذا أمر محسوم.
أدوات التأثير والقوة في عالم اليوم مدنية، بعد أن ضغط الالكترون ووسائط التواصل على المجتمع المدني كأحزاب ومنظمات ونقابات واتحادات، ورفعها من المرتبة الأخيرة إلى الصدارة، لتصبح من مؤسسات الدولة المدنية الحديثة، أو ما يطلق عليه غول غولدمان، ورالف إم: "نموذج التحول الحرج: من الحرب إلى سياسة الأحزاب".
لدينا تقاليد دولة ناشئة، ينبغي أن يناضل الناس في اتجاه تحديثها وفقا لمصالح جميع المواطنين: تطوير القوانين والمؤسسات بالتوازي مع تقدم الحياة، وتطور العقل البشري.
قال الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون وهو يكتب الدستور الأمريكي: "البشر عظيمون، لا بسبب إنجازاتهم، ولكن بسبب تحولاتهم". وقال في سياق رسالة مختصرة -لكن عظيمة- بعثها إلى أحد القادة الأمريكيين في الجنوب المضطرب: "كلما ظهرت اكتشافات جديدة تكشفت حقائق جديدة للعيان، وتغيرت العادات وأنماط السلوك والآراء بتغير الأحوال والظروف. على المؤسسات أن تتقدم أيضا وتجاري العصور. وقد نحتاج كذلك رجلا لا يزال يرتدي المعطف الذي يناسبه في الوقت الذي كان صبيا، كي لا يظل أفراد المجتمع المتحضر تحت حكم أسلافهم البرابرة".
الدول تتطور ببطء، ومعها تتطور عقول المواطنين ومصالحهم. والرئيس جيفرسون كان يوقظ الأمريكيين المتقاتلين ليشاهدوا هذه الحقيقة، وهو على خيله بمحاذاة الضفة الشرقية لنهر "بوتوماك"، مطلع القرن التاسع عشر (1817). واليوم ينتصب تمثاله العملاق، كأحد أبرز القادة العظماء في تأريخ أمريكا. رجل مهول، ناهض، ومتماسك، يراقب البيت الأبيض من مسافة كيلومتر واحد، ومن على ربوة عالية.
فكرة الدولة هي ذاتها لدى كل شعوب الأرض، وإن اختلفت أنماط وأشكال ونظم الحكم؛ إلا أنها، أي الدولة، تمثل التعبير السيادي لمصلحة جميع المواطنين، بعد قرون من الصراع والدمار. وقبل نصف قرن كانت مراكز البحث العلمي في الولايات المتحدة وأوروبا تتنبأ بهذه الظواهر التي نراها اليوم، وتقول إن "الظهور الحديث للأحزاب المتجاوزة للحدود الوطنية، على إمكانية غير منظورة للحلول محل الحرب بين الدول، وإفساح المجال لصراع النخب بين الشعوب".
كان الجمهور الأمريكي قبل خمسة عقود غير مقتنع بمنطق هذه الفرضية، وأراد العودة إلى منطق التاريخ. لكن مع الأيام ثبت عمليا صدق هذه الدراسات ومنطقها، فكانت الجماعات العابرة لحدود أوطانها تقاتل نيابة عن الدول في أفغانستان، البوسنة، وجبال الشيشان المكسوة بالثلوج، وهي اليوم تقاتلها لتقاتل بها ضد بعضها في العراق واليمن وسوريا نيابة عن دولة/ مجموعة دول، بينما الجيوش النظامية والأحزاب المدنية في كل بلد تتابع، وتنتظر فقط.
من الذي أسقط المالكي: الجيش العراقي أم "داعش"؟ ومن تولى قتال "داعش" اليوم: هل القوات المسلحة أم ميلشيات: جيش المهدي، البشمركة، وغيرها من الفيالق؟ والحال نفسه في اليمن: "أنصار الله" يقاتلون "أنصار الشريعة"، وأنصار آخرون يقاتلون الحوثي! وهكذا "أنصار الشريعة" في سيناء و"جبهة النصرة" في سوريا، و"أنصار الثورة"... أنصار تلاحق أنصار. إنها أدوات عابرة للحدود، تقوم بمهمات الدول، وفقا لمراكز أبحاث تنبأت بمساراتها علميا في الولايات المتحدة وبريطانيا، وصممت عواصم كبرى سياسات وخططا تتربص بهذه المسارات، لتسير بتناسق مع تلك الجماعات العابرة للحدود، وفي القلب منها، توجهها أحيانا أو تدفعها باتجاه أهداف وهمية معينة، لتحافظ على مصالح قديمة لها من جهة، أو لتحقق بها مكاسب جديدة، من جهة ثانية.
الجماعات العابرة للحدود أدوات عمياء، لا تعمل لصالح الأوطان، إنها فقط تحقق إنجازات مهولة لصالح أنظمة ودول تتبعها شركات عابرة القارات: الرأسمالية. لذا فإن هذه القوى البليدة لا تفهم حدود الوطن، ولا تعي ماهية الدولة باعتبارها أعلى مراحل التضامن الاجتماعي، كما قال ابن خلدون منذ زمن بعيد.
الرأسمالية ليست شيعية، ولا هي سنية. هي كل ذلك، والعكس. كما ولا هي اجتثاث لـ "بيض" الإسلام! هناك مصالح تعبر عنها سياسات، والسياسة تكتيك، وهناك مغفلون كبار، يسقطون ضحايا في النهاية.
علي عبد الله صالح نفسه قال ذات مرة، وهو لا يزال رئيسا: هذه القوى عبارة عن كروت وأدوات. قالها بوعي كامل. وبعد أن غادر السلطة، ولكن إلى بيته، وليس إلى السجن، شاهد خصومه يتسلمون الرئاسة والبرلمان ومجلس الشورى في مصر، قال أيضا: "لن يستطيعوا أن يحكموا؛ لأنهم عبارة عن أدوات فقط. اعطوهم سنة بالكثير". وبالفعل سقط مرسي ليكمل عامه الرئاسي الأول في السجن.
فاز محمد مرسي بانتخابات الرئاسة، وأدى القسم، خارج التقاليد الرسمية، لأول مرة في تاريخ الدولة المصرية الممتد عبر العصور. أدى قسمه العجيب، ذاك، من على منصة خشبية وسط حشود ضخمة في ميدان التحرير، ثم ألقى بعد ذلك كلمته الرئاسية ارتجالا كـ "خطيب"، وكانت الدولة المصرية، الضاربة جذورها في أعماق التاريخ تشعر بالإهانة، أمام دول وشعوب العالم الذين يشاهدون عبر شاشات التلفزة العالمية حالة غريبة تتأبط رأس مصر العظيمة، وتخاطب الأمة.
وفي كلمته تلك، شاهد الرئيس مرسي صور الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أمريكا، ترتفع، فوعدهم الرئيس مرسي، على الهواء، أسرته والشعب المصري، بأن يتواصل مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإطلاق سراحه (!) ما هذا؟! ردت وزيرة الخارجية الأمريكية في مساء اليوم نفسه بتصريح أوجع الدبلوماسية المصرية والعربية. قالت هيلاري كلينتون بلكنة ساخرة: "كان يجب على الرئيس المصري المنتخب، الذي درس خمس سنوات في الولايات المتحدة، أن يكون على علم بأن القضاء في أمريكا مستقل، ولا يستطيع الرئيس أوباما أن يساعده في شيء ويتدخل لإطلاق سراح الشيخ عمر".
بعد أسبوع كانت الفضائيات ووكالات الأنباء تبث نشاطا جديدا للرئيس مرسي: كان يؤذن في أحد المساجد. لا فرق عند مرسي، سواء قبل الرئاسة أو أثناءها أو بعدها، فهو اليوم أيضا يؤذن للصلاة داخل سجن طرة!
السلوك البدائي نفسه في اليمن. الفرقة الأولى مدرع حُلت بقرار جمهوري، ومقرها تحول بقرار جمهوري آخر حديقة وطنية؛ لكن العقلية هي هي: لقد عاد إليها الجنرال علي محسن كالأعمى، قفزا فوق تلك القرارات السيادية، يدير حربا دون أي صفة عسكرية أو رسمية، ودون جيش، وفي المكان الذي صار منذ سنتين حديقة حكومية! هل كان يجب على الجنرال، الذي درس في أكاديمية ناصر العسكرية وأمضى 33 سنة قائدا مهابا ومسموعا للفرقة الأولى مدرع، أن يعرف أن العالم لا يمكن أن يطلق عليه سوى وصف: "مغامر"، مثل مرسي.
وبصرف النظر عن سلوكه السياسي، فإن "صالح" هو الأذكى بين قادة العمل السياسي اليوم. يتصرف بذكاء، ويراعي التقاليد. وقال في لقاء ما، قبل سنوات إن الإصلاحيين لا يجيدون سوى الخطابة والوعظ، ولا يفهمون شيئا في الحكم والسياسة والاقتصاد.
بلغت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ذروتها بحرب أفغانستان. وكانت نتائج المهمة التي قام بها الصحفي الامريكي ستيف كول، على مدى 12 عاما متتبعا خطوات المغامرين العرب بين جبال أفغانستان ووديانها ودهاليز أجهزة الاستخبارات العميقة، كتابا ضخما سماه: "حروب الأشباح".
تدور فكرة الكتاب والأحداث وتفاصيل تلك الحرب من بدايتها إلى النهاية حول الأدوات التي كانت تستخدمها أجهزة الاستخبارات العالمية: أين كانت تتقاطع، وأين كانت تلتقي، لتقاتل بالأدوات ذاتها العدو الواحد، خدمة للمصالح المشتركة بين هذه الدول.
تفاصيل مكثفة، وكيف كانت أجهزة الاستخبارات الكبرى تتآمر ضد بعضها بواسطة هذه الأدوات، وهي تخوض مدججة بالسلاح غمار المعارك، كمليشيات، وفقا لخطط مرسومة ماكرة... مدارس لتحفيظ القرآن زرعوها في وادي سُوات، مولتها مخابرات دولة عربية عقب الحرب مباشرة، ضمن استراتيجية احتواء وتعبئة، ومصالح واستحقاقات ما بعد الحرب.
الرجل الحضرمي، الذي درّس أسامة بن لادن رياضيات في المرحلة الأساسية، والكراتين التي كان ينقل بداخلها الأموال إلى باكستان عبر المطارات والموانئ، كان مقربا جدا من أحد الأمراء الكبار في السعودية. ورصد الصحفي الأمريكي، الذي كان مدير تحرير صحيفة "واشنطن بوست"، تفاصيل كثيرة جدا، وكيف ترجمت الـ "سي آي إيه" القرآن الكريم إلى اللغة البشتونية، وطبعت منه ملايين النسخ، ثم وزعه "المجاهدون" الأفغان.
كان العدو عبارة عن شبح في مرمى "المجاهدين". وعندما انتهت المهمة تحولت هذه الأدوات نفسها (المجاهدين العرب) إلى أشباح توجهها المصالح وتطاردها من بلد إلى بلد، كدبابات وأطقم عمياء، عابرة للحدود، ومجنونة.
الأهداف تصنعها المصالح، والأدوات توجهها أجهزة استخبارات شديدة الاحتراف، وليس هناك أحقر من استغلال الفقر وحاجة وتخلف أبناء الأسر البسيطة، لتعبئة عقولهم أفكارا خاطئة، لكن مقصودة، وأوهاما، ومن ثم تحريكهم إلى الوديان والصحارى والبلاد البعيدة كمقاتلين غرباء، لتحقيق أهداف سياسية؛ ولكن لصالح الدول والأنظمة أو السياسات متعددة الأغراض.
لقد غطى روبرت فيسك معظم حروب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تتابعت في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، بين العراق وإيران، وخلفت قرابة مليون قتيل... بشاعة الحرب الأهلية في الجزائر، لبنان، والسودان، وأعطاها مسمى واحدا: "الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة".
لا يصح المقارنة بين حرب وأخرى؛ لكن المآسي والنتائج واحدة، على الناس وعلى الأوطان.
العقائد والأفكار تتعايش. المصالح فقط تتقاتل. فالسعودية مثلا، قاتلت الإمام يحيى سنة 1934، وفي ثورة 26 سبتمبر دعمت أبناءه وساندتهم بقوة. أعادت محمد البدر من داخل المملكة، وأرسلت معه السلاح والمال والذهب، وجلبت المرتزقة من أوروبا... هل كانت السعودية لحظتها تقاتل الزيدية أم تقاتل بها؟!
كانت المصالح مشتركة للدولتين: مصر والسعودية، قبل 26سبتمبر بـ7 سنوات، عندما هرع مبعوث الدولة المصرية، محمد أنور السادات، ومبعوث السعودية إلى "تعز"، الأمير فهد بن عبد العزيز، لاحتواء ثورة الثلايا وتداعياتها السياسية، وإعادة الإمام الناصر لدين الله أحمد إلى العرش، عبر عملية، اتفق عليها الرئيس عبد الناصر والملك سعود، لإعاقة أي موقف دولي مساند للإمام الجديد عبد الله، الذي كان على علاقة جيدة بالبريطانيين؛ وهو ما كان له أثره السلبي في تثبيط معنويات قادة الحركة. وقد استغل الإمام أحمد لصالحه، وعمل على الأرض بطريقته الخاصة لاستعادة العرش.
الدولة تتطور ببطء، والمناطق التي قاتلت الجمهورية في بدايتها لم تكن زيدية ولا شافعية خالصة، فمشايخ كبار من "عبيدة" في مارب والعدين والبيضاء ومراد وريمة وتهامة وكلهم شوافع، كانوا يقاتلون جنبا إلى جنب تحت إمرة محمد بن الحسين، قائد القوات الملكية، التي حاصرت صنعاء. كما كانت وزارة الحربية والداخلية، بداية الجمهورية وطوال سنوات الحرب، تحت إمرة مشايخ وضباط من المناطق الزيدية، من صنعاء وعمران وحجة. والذي يقول إن الجمهورية كانت حربا صبغتها عرقية تطهيرية ضد الأسر الهاشمية فهو أعمى؛ لأن 70% من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا هاشميين. كما أن كل رؤساء العهد الجمهوري تحدروا من الطينة الزيدية، ولم تسجل أي حالة اعتراض على أساس طائفي، بل على العكس، تدافع اليمنيون جميعا لتحرير بلدهم وطرد المستعمر، في العام الذي تلا سبتمبر الكبير. وكان قحطان الشعبي مستشارا خاصا لرئيس الجمهورية لشؤون الجنوب.
وإذا جاز لنا اعتبار الحرب التي يشنها الحوثي اليوم هي لاستعادة الملكية، على اعتبار أن قاداته ومقاتليه هم أبناء وأحفاد مقاتلين ملكيين، فإن أمين العكيمي، الذي حشد ضدهم في الجوف وقاتلهم، أولى بهذه التهمة، حيث لا تزال إذاعة المملكة المتوكلية مركونة في بيته القديم، منذ أن كان المرحوم والده الشيخ علي العكيمي، أحد أبرز مشايخ الصف الملكي. ومثله منصور الحنق وأبكر وغيرهم.
يحيى المتوكل، الذي حكم جده اليمن في القرن الثامن عشر، من البحر الأحمر إلى حضرموت، كان على ظهر دبابة الجمهورية التي قصفت بيوتا هاشمية ملكية في "حوث". وكان قاسم منصر ضارب المدفع الذي لاحق البدر في المحابشة في السنة الأولى من الثورة، قبل أن يعود الفريق قاسم إلى صنعاء ليسجن ثم يطلق ليغير على الجمهورية من داخل جروف "الجميمة" التي احتمى بها بسر بن باذان في القرن السابع هروبا من قبائل الحداء وعنس ومراد وبني ضبيان.
الأمور لا تقاس هكذا. اليمنيون شعب واحد، مصالحهم مشتركة؛ غير أن الجماعات المسلحة، التي تغامر وتتوسع من خلال شروخ قديمة في المجتمع، "تذهب بالفعل بعيدا عنهم". وإذا كانت الملكية سلوكا ونمطا قديما في أسلوب وطريقة الحكم، فإن أسلوب التجنيد العشوائي والحرب، التي كان يعتمدها قائد الفرقة الأولى مدرع المنحلة، يكاد يتطابق مع هيئة ونمط تفكير الجيش البراني، الذي كان معتمدا في العهود القديمة.
من قال إن هذا النمط من التفكير يمكن تصنيفه في إطار مفاهيم وفلسفة القوى الحديثة؟! ميليشيات كانت تتدافع على بوابات الفرقة وتتسلم الأموال، يوميا، في 2011 و2012 و2013. كانت تلك تباشير واضحة لدخول عصر ما قبل الدولة؛ غير أنني أحد اليمنيين الذين صدقوا مقولة: إن الجنرال وصل إلى مرحلة الاكتفاء من السلطة. وما إن بدأ العهد الجديد يتحرك، حتى بدأ الجنرال، الذي يسير في عقده الثامن ( 74 عاما)، يدشن مرحلته الثانية وعمرا إضافيا، من تحت هنجر اللواء 310 في عمران ببدلة شتوية. كانت تلك صدمة كبيرة. ما جدوى الثورة إذن ما لم تكن ضد نمط وأساليب وسلوك عهودنا القديمة؟!

*صحيفة الشارع


في الثلاثاء 21 أكتوبر-تشرين الأول 2014 03:34:27 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=