البُرهان في استحباب مذهب آل البيت صلاة التراويح جماعةً
مانع سليمان
مانع سليمان
فإنه لما اتسعت دائرة العلوم واختلف المهرة في طرق الوصول إلى دقائق الفهوم، ساعد في ذلك احتواء الطريق بالكثير من السحائب والغيوم، جعل السالك في حيرة من سلامة جسورها، واستوائه في عبورها، فسلك كلٌ المسلك الذي يعتقد قربه إلى الغاية التي يقصدها الجميع، وتحرى الجميع السلامة والأمن في شعابها.
جاءني محتار السبيل فسألني أدلة ترشده ما يقربه من العظيم الجليل في مسألة صلاة التراويح جماعة مختتمة بالتضرع إلى الله والتهليل التي يقيمها الكثير من الناس في شهر التنزيل، واشترط علي أن تكون من آثار أئمة الفقه والتأويل، من ابتعدوا عن أوساخ الناس واهتموا بإعانة المحتاج وإدخال السعادة للمكروب منهم والإيناس، فأجبته إلى ذلك مستعيناً بالله سبحانه، ومعتمداً عليه.
اعلم علّمك الله الخير، ودلك عليه، وقيّضه لك، وجعلك من أهله - أنّ التراويح: جمع ترويحة، وهي عبارة عن كل ركعتين بمقدار معلوم من القرآن.
والإجماع قائم على مشروعيتها في رمضان، ووقع النزاع في أدائها جماعةً، المخالفون في ذلك نزر يسير ولم يظهر خلافهم إلا بعد قيام الإجماع على المشروعية بقرون.
وما ورد من إنكار الإمام يحيى بن الحسين - عليه رحمة الله، وقدس روحه - لمشروعيتها جماعةً، وكذلك الإمامان القاسم والناصر - عليهما من الله الرحمة والسلام - إنما كان لعدم اطلاعهم على ما رواه الإمام زيد وغيره في هذه المسألة، وقد تحروا الحق بما وصلوا إليه من العلم، وبما عندهم من أصول الاستدلال، وأتمنى منك التمعن في كلام الإمام الهادي يحيى بن الحسين - قدس الله روحه - كما هو في مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي، وذلك في جوابه على مسائل أبي القاسم الرازي رحمه الله تعالى.
(وسألت عما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: أنه صلى التراويح في شهر رمضان ليلة واحدة، ثم أمر الناس بالانصراف إلى بيوتهم.
وقد روى ذلك بعض الناس وذكره، ولسنا نصحح شيئاً من ذلك ليلة ولا ليلتين، ولا نعرفه عنه ولا نرويه، ولم يبلغنا أنه صلى بالناس - صلى الله عليه وآله وسلم - تراويح ليلة ولا ليلتين، ولا ساعة ولا ساعتين، ولا ركعة ولا ركعتين، ولم يروِه أحد من علمائنا، ولم يأثره عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أحد من آبائنا، ولو كان ذلك شيئا كان منه لروَته آباؤنا عن آبائها وأجدادها، ولما سقط عنهم شيء منه، ولأتوا به مصححاً عنه).
فأنت ترى أنه إنما رأى رأيه لأنه لم يصل إليه أصل صحيح يعتمد عليه في القول بمشروعيتها ولم يرث شيئاً من ذلك عن آبائه، وها نحن سنبيّن لك أنه قد ورد ما لم يطلع عليه الإمام من كتب أئمة آل البيت الكرام، وهو معذور بعدم إطلاعه على ما نقله أئمة آل البيت عليهم السلام؛ لأن الله لم يعط أحدا الكمال في العلم (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، وكل مجتهد مصيب كما هو مقرر في مقدمة الأزهار، فكلٌّ منهم قد بذل ما بوسعه للوصول إلى الحق.
وكذلك الإمام أحمد بن يحيى المرتضى معذور في مخالفته للإمام زيد ومحدث الآل الإمام أحمد بن عيسى وعبدالله بن الحسن وعبدالله بن موسى بن جعفر. رحمهم الله ورضي عنهم وجميع علماء الأمة ومن الأئمة.
كيف لا يكون معذوراً، وهو زارع لأزهاره في السجن، فكانت موارد السقي لتلك الأزهار شحيحة، إلا أنه أجاد في إخراج الكثير من رحيقها في قوارير صحيحة، فأراح كل من حوله بطيابة الرحيق، مع أن بعض تلك الأزهار لم يشأ لها القدر التفتح وإخراج رحيق الإعجاب مما اضطر الناظر إليها إلى البحث عن بديل لها من بساتين آل البيت العظام، وأي كتاب بعد كتاب الله تعالى لابد ما تجد فيه اختلافا في التدقيق وقصورا في التحقيق، هكذا حكمة الله التي قضاها في قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).
فإليك ما يزيل عنك الريب في إثبات مشروعية أداء صلاة التراويح جماعة من مورد الآل المَعين، فهو صافٍ لا كدر فيه، ونقي لا عكر فيه، يرتوي من شرب منه بغرفة، ولا يقنع من احتسى منه الكثير الوفير، فكلما ارتشفت منه رشفات أحسست أنك محتاج إلى المزيد الدائم، إذاً فتأمل.
فأداء التراويح جماعة في ليالي رمضان سنة عند الإمام زيد بن علي - رضي الله عنه - وعبدالله بن الحسن وعبدالله بن موسى بن جعفر.
وهذا ما ذكره الإمام ابن مفتاح في كتابه شرح الأزهار المسمى بـ( المنتزع المختار من الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار في فقه الأئمة الأطهار)، في مسألة صلاة التراويح ما لفظه: (قال زيد بن على وعبدالله بن الحسن وعبدالله بن موسى بن جعفر: إنها سنة [يقصد التراويح]، وهو قول الفقهاء واختاره في الانتصار).
وقد أجمعت الأمة على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أقامها في بعض الليالي من رمضان ثم تركها، وبيّن العذر في ترك المواظبة، وهو خشية أن تُكتب على أمته مع رغبته في إقامتها؛ فلما انقطع الوحي الذي هو مصدر الأوامر والنواهي بوفاته - صلى الله عليه وآله وسلم - واظب عليها الخلفاء الراشدون وجميع المسلمين من زمن عمر بن الخطاب إلى يومنا هذا. قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن).
وسُئل أبو حنيفة عن التراويح، وما فعله عمر؟، فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعا، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولقد سنّ عمر هذا وجمع الناس على أبيّ بن كعب فصلّاها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه [يقصد عبدالله] وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما رد عليه واحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك. والسنة إقامتها بجماعة لكن على الكفاية.
وقد ذكر الإمام صارم الدين علي بن الوزير في كتابه "الفلك الدوار في علوم الحديث" أن الزيدية تعتبر أبا حنيفة من علمائها.
بل إن أصل أدلة صلاة التراويح أوردها من المذهب الزيدي منسوب إليه في مجموعه، فقال ما لفظه: (باب القيام في شهر رمضان
حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: ((أنه أمر الذي يصلي بالناس صلاة القيام في شهر رمضان أن يصلي بهم عشرين ركعة يسلم في كل ركعتين، ويراوح ما بين كل أربع ركعاتٍ فيرجع ذو الحاجة ويتوضأ الرجل، وأن يوتر بهم من آخر الليل حين الانصراف)). الحديث رقم (155)
فقطع عليه رحمة الله قول كل خطيب وتأصيل كل فقيه وفلسفة كل مدع، فما عليك أيها المؤمن إلا أن تتبع من أخبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بأن الله يحبه، وهو يحب الله تعالى خير لك من اتباع المدعين، فالمحب لمن يحب مطيع وها هو الإمام زيد يخبرك بأن الإمام علي بن أبي طالب أقامها بنفسه، وأمر بذلك غيره وهو أصل آل البيت، ومن بعده فروع لأصل ثابت ينبغي لفروعه أن تكون في السماء كما هو الأصل، ولا يمكن أن يكون ذلك إذا لم يستق الفرع من أصله.
وإن كنت ما زلت في شك في أمرك فاقرأ انتصار الإمام المؤيد بالله أبو إدريس يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي التقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن سيد العابدين علي بن الحسين السبط بن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - المتوفى سنة 749 هـ، فما قاله في كتابه "الانتصار" على علماء الأمصار في باب سائر النوافل، عند ذكره للتراويح والخلاف فيها كافٍ لكل ذي لب حكيم، يعمل لإرضاء العلي الحليم.
(والمختار: جوازها [أي التراويح] في جماعة. ويدل على ذلك حجج:
الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن الرسول: أنه خرج علينا فإذا ناس يصلون في ناحية المسجد فقال: ((من هؤلاء))؟، فقيل: هؤلاء أناس ليس معهم قرآن وأُبَيّ بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته. فقال الرسول: ((أصابوا ونعم ما صنعوا)).
الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - أنه صلى بالناس في شهر رمضان فكان يسلم بهم من كل ركعتين يقرأ في كل ركعة بخمس آيات من القرآن، وما هذا حاله فلا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول؛ لأن الباب باب عبادة فلا مجرى للاجتهاد فيه، وروي أن عليًّا رأى القناديل في المساجد فقال: رحم الله عمر نوَّر مساجدنا نوَّر الله قبره. فصوب ما فعله عمر، وفي هذا دلالة على جوازها.
الحجة الثالثة: ما روي أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة فرأى الناس يصلون جماعة واحدة فقال: إنها بدعة ونعمت البدعة. ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا عن تَلَقٍّ من جهة الرسول.
والبدعة لها وجهان:
أحدهما: أن تكون قبيحة مكروهة، وهي التي تضاد السُّنَّة وتخالفها وتمحوها، فما هذا حاله من البدع مكروه، وهذا هو المراد بقوله: ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)).
وثانيهما: أن تكون حسنة، وهو أن تكون مبتدعة غير مضادة لسُنَّةٍ، وهذا مثل ما أشار إليه عمر في صلاة التراويح بقوله: إنها بدعة ونعمت البدعة. فالمراد به ما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النوافل في رمضان جماعة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)).
قلنا: قد أوردنا من الأحاديث ما يدل على جوازها وحسنها وكونها سُنَّة، فإذا ورد من الأخبار ما يخالف ما ذكرناه وجب تأويله حذراً من تناقض الأدلة وتدافعها فإن الرسول صوَّبهم فيما فعلوه من صلاتها، وفي هذا دلالة على حسنها وكونها سُنَّة.
ثم نقول: لِمَ منعتم من صلاة التراويح؟، هل كان المنع من أجل أنها ليست سُنَّة؟، فقد دللنا على فعل الرسول لها وفعل أمير المؤمنين - كرّم الله وجهه - وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، وفي هذا دلالة على كونها سُنَّة.
وإن كان المنع من جهة أنها لا تُصلّى جماعة فلا وجه لذلك؛ لأمرين:
إما أولاً: فلِأنّا قد رأينا من السُّنن ما يُصلّى جماعة كصلاة العيدين على رأي من يرى أنها سنة، وصلاة الكسوفين، وصلاة الاستسقاء، فإن هذه كلها سنن، وقد شرعت فيها الجماعة، بل لا تقام لها صورة إلا بالاجتماع، فهكذا صلاة التراويح هي سنة من السنن والجماعة فيها مشروعة، فإذن لا وجه لإنكارها، وهذا الذي اخترناه من كونها سنة في ليالي رمضان محكي عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن وعبدالله بن موسى بن جعفر).

وقد أورد الإمام أحمد بن عيسى ما نصه: باب من كان يُصَلي بأهله بالليل في شهر رمضان (وغيره)، قال: حدّثنا محَمَّد، قال: حدّثني عبدالله بن موسى، عن أبيه، عن جده عبدالله بن الحسن: أنه كان يصلي بأهله في منزله بالليل في شهر رمضان نحواً مما يُصَلي في المساجد التراويح
وهو نص في محل النزاع، حيث وإن النزاع في كون أداءها جماعة جائز أو لا، وها أنت ترى الحجج القواطع، والبينات النواصع، والأدلة اللوامع، والبراهين السواطع.
وأزيدك على كل ذلك ما يثير غرابتك فقد نقل القاسم بن أحمد بن الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي - تلميذ العلامة مجد الدين المؤيدي - قدس الله روحه - في كتابه المسنونات والمندوبات ما لفظه:
(قال مولانا شيخ الإسلام مجد الدين بن محمد: إن أصحابنا فرطوا في صلاة التراويح، والمخالفين أفرطوا في تأكيدها، قلت: والأولى الاعتدال فلا بالإفراط ولا بالتفريط ).
وبعد هذا التوضيح يتبين لكل من آثر الجنة على التعصب، وإرضاء ربه على ذميم التحزب، أن استحباب التراويح جماعة هو مذهب آل بيت النبوة الأوائل، وقولهم هو الحق اليقين، الصراح المبين، فحصحص الحق وصرح عن محضه، وتبيّن وجه السداد، كوضح الصبح لذي عينين، وانكشف قناع الشك عن محيا اليقين. فلا مرية في أحقيته، ولا ريب في صحته، ولا موضع فيه للشبهة، ولا مساغ للشك، كيف لا يكون وقد تناصرت على مسألتنا الحجج، وقام عليها برهان العقل والنقل، وصححها القياس، وأيّدها الوجدان، ونطقت بصحتها الدلائل، ونقّال أصولها هم الأوائل.
واعلم رحمك الله أن اتباع الإمام علي أولى من اتباع غيره لأفضليته على جميع من بعده، وهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان، ولا يتمارى فيه عاقل، وهو معلوم لبديهيي العقول.
وهذا مختصر المسألة، لم أتعمد فيه إطالة ولا إسهاب، أشرت فيه إشارات واضحة تضيء دروب كل أولي الألباب، ويزيل عن كل عاقل أدنى شك وأقل ارتياب.
والحمد لله الهادي إلى الحق والصواب، وصلى الله وسلم على محمد خير الأنبياء وآله الأحباب، وكل صحبه المنزهين عن كل شك في دين ربهم وعن كل ارتياب، وعنا معهم يا رب الأرباب.. آمين.


في الخميس 18 يوليو-تموز 2013 10:01:12 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=