حق تقرير المصير : قراءات في الحوار الوطني(2)
د. محمد أمين الكمالي
د. محمد أمين الكمالي

حق تقرير المصير هو احد المصطلحات السياسية التي برزت في أدبيات العمل السياسي خلال العقود القريبة المنصرمة بدءا من حقبة ما بعد الثورات والحروب الأوربية الكبرى وفي ذروتها الثورة الفرنسية وحرب الاستقلال الأمريكية التي قدمت مفاهيم الحقوق والحريات كشعارات براقة متجاوزة الانتماء الديني والقومي وشهدت تفاعل هذه المفاهيم وتوسعها في الحضارة الغربية على ضفتي الأطلسي .

وحدث لهذا المفهوم إعادة تطوير وتحوير كغيره من مفاهيم الديمقراطية الأثينية التي أعيد إحيائها بعد العصور الوسطى في أوربا لتأخذ أبعاد ومعان جديدة أعيد تكييفها لتتناسب مع التطورات السياسية المختلفة .

وقد شكل إعلان ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى المعلم الأبرز لظهور مفهوم حق تقرير المصير في العصر الحديث بما يتعارض مع الوضع الاستعماري المفروض على ارض الواقع من دول وأمم تنادي بقيم الحرية والديمقراطية والسلم وحق تقرير المصير وقد كان العرب من ابرز الشعوب التي غرها ذلك الإعلان الذي احتاج أن يأخذ بعد ذلك فترة طويلة حتى الحرب الثانية وبداء حقبة تصفية الاستعمار والممارسة العملية لحق الشعوب في تقرير مصيرها سلما أو حربا , بغض النظر عن أن الاستعمار الذي خرج من الباب عاد من الشباك من خلال الاستعمار الاقتصادي والثقافي وكذلك من خلال النظم الاستبدادية التي نصبها لتكون عميلة له تؤدي خدماتها للقوى الامبريالية بشكل أفضل وبتكلفة اقل من الاستعمار المباشر حيث أصبح المستعمر اقل تقليدية وبشكل شركات عابرة للقارات ومجموعات المال الكبرى .

وعندما يبرز اليوم في جنوب اليمن صوت ينادي بالحق في تقرير المصير فانه لا يبدو بعيدا عن استلهام تجربة وتراكم الخمسينات والستينات عندما كان تقرير المصير هو احد الشعارات الرئيسية التي رفعتها الشعوب المطالبة بالاستقلال ومنها الحركة الوطنية في الجنوب ,, وربما هذا ما يثير الفزع لدى بعض المجموعات الحاكمة لإدراكها اللاواعي بالقوة الأخلاقية لعدالة القضية التي استطاعت في يوم من الأيام الوقوف في وجه الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بكل جبروتها وفي ظل عدم التوازن الطاغي لصالحها , كذلك تبرز مباشرة قضية جنوب السودان لتختصر حق تقرير المصير في النموذج الذي قدمته .

في البدء يجب الاعتراف ان حق تقرير المصر هو حق مقدس ابتداء من الفرد البسيط (الحرية الفردية ) انتقالا للجماعات (الأقليات العرقية والدنية ) ووصولا إلى الأمم والشعوب وهو حق تكفله الشرائع الدولية كجزء لا يتجزاء من حقوق الإنسان بعد أن قبلت حق تقرير المصير كجزء من ميثاق الأمم المتحدة في تعديل العام 1951 وتبع ذلك نص قرار الجمعية العامة 637 :( ان حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها هو شرط لابد منه بتمتعها تمتعا كاملا بجميع حقوق الإنسان الأساسية .).

ورغم إن البعض يرى هذا الوضع من زاوية المفاضلة بين الوحدة والانفصال بتأثيرات التجربة السودانية وتجربة تيمور الشرقية القريبتين إلا انه حتى هذا الانفصال بكل ما يحمله من معان سلبية هو المقابل لكلمة استقلال بكل بريقها وحيويتها وإلهامها .

لكنننا في اليمن أمام استحقاق حقيقي للتعامل الجاد والايجابي مع هذا الحق في تقرير المصير متجاوزين الاقتران بفئة معينة او مجموعة دون أخرى فهذا الحق يجب أن يكون مكفول لكل اليمنيين ويجب أن يدافعوا غن حقهم وينتزعوه انتزاعا مقابل المحاولات المتكررة والمساعي الجادة للهيمنة وفرض الخيارات المسبقة على اليمن ونحن على أعتاب الحوار الوطني فنجد البعض يتعامل معه كمؤتمر للتقاسم السياسي والمحاصصة بين أطراف الماضي مهشمين دور الشباب والفئات المجتمعية التي كان لها اليد الطولى في تحطيم أسطورة وتسلط النظام السابق وتفجير عملية التغيير التي أوصلت الجميع إلى هذه الطاولة وأعطت الفرصة للتشاور وتقرير مصير اليمن مقابل الفئات التي وقفت ضد التغيير ومع ذلك لازالت تطمع في إعادة منظومة الهيمنة والتسلط والتوريث ولو من باب الحوار الوطني الذي لا تتقبل فكرته أساسا إلا كمدخل لتحقيق مطامعها غير المشروعة .

ان موافقة الشباب على فكرة الحوار رغم اعتراضهم على المبادرة والآلية التنفيذية ونأيهم عنها كانت من مدخل أن الحوار كقيمة حضارية ومبدأ إنساني أخلاقي وسبيل سلمي للوصول إلى اهدف التغيير على أساس أن يكون الحوار مدخل للشعب اليمني ليستطيع تقرير مصيره ويرسم مستقبله ويعالج قضاياه تحت سقف الإرادة الشعبية الحقيقة .

إن مناداة الجنوبيين بحق تقرير المصير يجب التعامل معه ايجابيا بما يخدم مصلحة الشعب اليمني بكل فئاته وليس عن طريق شيطنته خدمة لأهداف أفراد أو مجموعات مستفيدة من حالة التمزق لتقدم نفسها كبديل عن الإرادة الشعبية الحقيقية التي لم يظهر إلى الآن ما يمثل أو الآلية التي ستكفل تمثيلها فعلا.

وهنا يبرز التسائل الأهم هل تسير التحضيرات للحوار الوطني بما يحقق هذا المعيار وهو حق تقرير المصير للشعب اليمني ككل وللمجموعات المشكلة له وكذلك المعايير الأخرى الحقوقية والإنسانية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بعملية التغيير أم انه لا يزال يخضع للقواعد والأطر القديمة ما قبل الثورية .

هذا ما سنناقشه بشكل أكثر تفصيلا في مقالات قادمة إن شاء الله ضمن قراءة نقدية إطارية لقضايا الحوار ومن ضمها تطورات الفترة الانتقالية .


في الجمعة 07 ديسمبر-كانون الأول 2012 01:06:40 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=