حرب صعدة بين الحقيقة والوهم
نصر طه مصطفى
نصر طه مصطفى

- ليس مستغرباً أن يعود الحديث عن الحرب التي تجري في بعض مناطق محافظة صعدة اليمنية من حين إلى آخر في عدد من وسائل الإعلام العربية والغربية التي لم يستطع معظمها أن يصل لتشخيص أو توصيف حقيقي وواقعي لأسبابها ودوافع استمرارها حتى الآن منذ حوالي ثلاثة شهور، وجاء حديث رئيس الوزراء اليمني الجديد الدكتور علي مجور لوكالة الأنباء الفرنسية قبل أسبوعين ليثير تساؤلات كثيرة حول ما يجري في صعدة كون الرجل تحدث بصراحة ووضوح عن الحسم العسكري كحل وحيد لإنهاء المشكلة، وجاءت بعض هذه التساؤلات من مفكرين وكتاب عرب وغربيين لم يستسيغوا فكرة الحل العسكري، وقد يكون لديهم بعض الحق كونهم يتحدثون من بعيد من دون اطلاع على خلفيات القضية.

والحقيقة أن هذه الحرب التي تبدو للمراقبين وكأنها قد طالت أكثر من اللازم تجري في بعض من أصعب مناطق محافظة صعدة وأكثرها وعورة، ناهيك عن أن مجموعة المتمردين هم من أبناء هذه المناطق ومن ثم فهم أكثر قدرة ومرونة على التعامل مع جغرافيتها الصعبة من ناحية، ومن ناحية أخرى فهم لم يعد يعنيهم ما يتسببون فيه من خسائر بشرية ومادية نتيجة قناعاتهم العقائدية التي لا تجيز لهم التمرد أو (الخروج بحسب مصطلحاتهم الدينية) فحسب بل إنها تجيز لهم أيضا استباحة دماء كل من يخالفهم سياسيا وعقائديا شأنهم في ذلك شأن كثير من جماعات الإرهاب الديني المنتشرة اليوم في مناطق مختلفة من عالمنا العربي بدءا من العراق شرقاً وانتهاء بالمغرب العربي، وهناك سبب آخر لطول مدة القتال لا يقل أهمية عن ما سبق يتمثل في حرص القوات الحكومية على تجنب حدوث خسائر بشرية ومادية قدر الإمكان نتيجة تمترس المتمردين الحوثيين بين سكان المديريات الخمس التي تشهد المواجهات المسلحة، وهذا ما جنب هذه المديريات التي تعتبر ثلث مديريات المحافظة خسائر بين مواطنيها حتى الآن، خاصة في ظل شروعهم في الأيام

الأخيرة بالتعاون مع القوات الحكومية وتسهيل مهامها في تصفية المناطق التي يتمترس فيها المتمردون.

إن الإشكالية الحقيقية التي يواجهها الحوثيون في صعدة هي غياب أي تعاطف شعبي فعلي معهم ليس فقط لأنهم قدموا أنفسهم فكريا كامتداد لنظام سياسي متخلف عانى منه اليمنيون مئات السنين، لكنهم يفتقدون التعاطف الشعبي معهم كذلك بسبب كثرة التنازلات التي قدمها لهم الحكم في اليمن منذ انتهاء مواجهات عام 2004 وحتى اندلاع مواجهات هذا العام، والتي قررت الدولة بكامل مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والمحلية أن تكون آخر المواجهات ليتم إغلاق هذا الملف نهائيا، فمنذ نهاية مواجهات 2004 التي حسمت بالقضاء على مؤسس تنظيم (الشباب المؤمن) حسين بدرالدين الحوثي الذي ظل يرفض أي حوار مباشر مع الحكومة طوال عام 2003 والنصف الأول من العام التالي ليشرع بعد ذلك في أعمال عنف محدودة ضد بعض القوات الحكومية المتواجدة في المنطقة والتي بدورها بدأت بالرد عليه لتتوسع المواجهات شيئا فشيئا دون تخطيط مسبق من الحكومة والتي شرعت فوراً بعد انتهائها بالكثير من الإجراءات الهادفة إلى معالجة المشكلة من جذورها، فبدأ عدد من علماء الدين بإجراء حوار فكري مباشر مع أنصار الحوثي ثم أصدر الرئيس علي عبدالله صالح عفواً عاماً عنهم في العامين التاليين تم بموجبه تعويض كل المتضررين من المواجهات ماديا وإطلاق جميع المعتقلين وتغيير المحافظ ومدير الأمن العام بالمحافظة وإعطاؤهم الحق في إنشاء حزب سياسي لممارسة نشاطهم بشكل معلن ومشروع، إلا أنهم قاموا بشراء وتكديس أسلحة جديدة من أموال التعويضات ومما يقدمه لهم بعض المتعاطفين معهم من خارج اليمن، فيما توجه كل المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم إلى الجبال من جديد للتحصن في مواقعهم

استعدادا لجولة قتال جديدة بدأوها فعلا أوائل هذا العام.

ليس اليمن أول بلد عربي يتعرض لحرب عصابات فهو نفسه تعرض لمثل هذه الحرب طوال سبعينات القرن الماضي من مجموعات ماركسية ولم تنته تلك الحرب إلا أوائل الثمانينات بقوة السلاح رغم كل الجهود السلمية التي بذلتها الحكومة اليمنية آنذاك، وتعرضت الجزائر لنفس الحرب طوال التسعينات وهكذا، وفي اليمن مجددا فقد أغلق المتمردون كل سبل الحوار دون أن يتمكنوا من إقناع أحد بطبيعة أهدافهم أو مطالبهم لكن من يعرف طبيعة وحقيقة الفكر الذي يحملونه يدرك أنهم يؤمنون بنظرية تاريخية تعتقد أن الإمامة السياسية المذهبية تنطلق دائماً من مدينة صعدة لتهيمن على كل اليمن، وإضافة إلى وهن مثل هذه النظرية فإن ظروف ومتغيرات ومستجدات العصر الذي نعيشه تجعل منها نظرية أقرب إلى أحلام اليقظة واستعادة التاريخ بصورة تخلو من أي استنادات تاريخية علمية، إلا أن حالة الوهن الفكري الذي يعانون منه أفقدهم التعاطف وجعلهم معزولين في مديريات محدودة في إطار محافظة من ضمن عشرين محافظة يمنية كلها تنعم بالأمن والاستقرار، هذا من جانب ومن جانب آخر فإنه جعلهم يبدون كمجرد مجموعات مقاتلة أهدافها أقرب لجماعات الإرهاب المعروفة في المنطقة والتي لا تزيد على القتل والتخريب.

في كل المواجهات الداخلية المماثلة وحيث لا يكون لدى المتمردين مطالب مشروعة تنجح الدول عادة في حسم مثل هذه المواجهات حتى وإن طالت أحيانا دون أن تحتاج إلى تدخل أطراف خارجية، ويبدو أن المتعاطفين مع متمردي صعدة يروجون تارة لمبادرة ليبية وتارة قطرية للتوسط مع الحكومة اليمنية، فيما يدعو البعض لوساطة تقوم بها الجامعة العربية دون قراءة صحيحة لحقيقة وجذور المشكلة، فالمسألة لا تقتضي شيئاً من ذلك لسبب بسيط يتمثل في أن مثل هذه الدعوات تتعارض مع سيادة الدول، كما أنها تفتقد للمبررات فما يجري في صعدة مثلاً لا يعد صراعاً عرقياً أو مذهبياً أو جهوياً ولا حتى صراعاً مطلبياً أو حقوقياً، ومن تابع ما يجري في اليمن سيجد أنه يعيش حياة طبيعية فهو احتضن مؤتمرا لفرص الاستثمار ومؤتمرا لمجالس الشورى العربية والإفريقية ومؤتمرات ونشاطات أخرى مختلفة، وبلد مثله قادر بلا شك على أن يحسم أمر تمرد صغير دون تدخل من أحد.

*الخليج الاماراتية


في الأحد 13 مايو 2007 08:04:14 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=