في دلالات نجاح مؤتمر مانحي اليمن..
نصر طه مصطفى
نصر طه مصطفى

أخيرا انعقد مؤتمر المانحين لليمن بالعاصمة السعودية الرياض يوم الثلاثاء الماضي بعد أكثر من تأجيل، أو ربما يمكن اعتباره المرحلة الأولى من المؤتمر كون هناك مرحلة ثانية أعلن عنها من قبل ستنعقد أواخر سبتمبر الجاري في نيويورك على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة وتجمع بينه وبين مؤتمر جديد لأصدقاء اليمن سيحضره الرئيس عبدربه منصور هادي خلال زيارته المقررة للولايات المتحدة الأمريكية في ذات الفترة ويفترض أن يلتقي أثناءها بعدد من أركان الإدارة الأمريكية وفي مقدمتهم الرئيس باراك أوباما كما سيلقي كلمة اليمن في الأمم المتحدة التي سيشرح فيها للعالم مجريات عملية التغيير الجارية منذ ما يقارب العام إثر اندلاع الثورة الشبابية الشعبية السلمية أوائل العام الماضي والتي نجحت في إنهاء حكم الرئيس علي عبدالله صالح بعد أكثر من ثلث قرن من تربعه على عرش اليمن الشمالي ثم الموحد.

كان اليأس قد بدأ يدب في نفوس اليمنيين من إمكانية انعقاد مؤتمر المانحين بالرياض بعد أن تأجل مرتين لأسباب منها ما يتعلق باشتراط تحقيق عدد من الإنجازات الملموسة المنصوص عليها في الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية ليكون ذلك عامل اطمئنان للمانحين إذ لن يرمي أي طرف أمواله لبلد لم يقطع شوطا حاسما في استعادة الأمن والاستقرار وتنفيذ التزاماته الداخلية، فكان أن أصدر الرئيس هادي بعض القرارات التي أسست للشروع في إعادة هيكلة الجيش التي تمثل جوهر عملية التغيير باعتبار الجيش كان أداة الرئيس السابق في استمرار سيطرته وعائلته على الحكم، كما أصدر هادي قراره بتشكيل لجنة الاتصال الرئاسية من ثمانية أعضاء أوائل مايو الماضي لتعمل على التهيئة لتشكيل اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني التي أصدر قراره منتصف يوليو الماضي بتشكيلها من خمسة وعشرين عضوا وهي خطوات بعثت رسائل طمأنينة للدول الراعية للمبادرة الخليجية وللمانحين بجدية الرئيس وحكومته في إنجاز المهام المناطة بهم في تنفيذ المبادرة... وفيما كان التأجيل الثاني للمؤتمر بسبب ارتباطات لبعض ممثلي المانحين - كما قيل حينها - فقد التئم المؤتمر في موعده الثالث والجديد بعد أن سرت إشاعات قوية عن تأجيله حتى كادت تصبح حقيقة مؤكدة نتيجة الضخ الإعلامي الهائل في هذا الاتجاه من قبل بعض الأطراف السياسية والوسائل الإعلامية الموالية للرئيس السابق وتعمل باستمرار على بث الكثير من الأخبار المغلوطة والمفبركة للتشويش على الرأي العام، لذلك كان انعقاد مؤتمر المانحين في موعده المحدد ب 4 سبتمبر الجاري مسألة تحد يجب الالتزام والوفاء بها بحسب ما هو مرسوم لها.

وفي موازاة أهمية انعقاد المؤتمر في موعده المحدد فإن نتائجه جاءت بنفس مستوى الأهمية بل أكثر بالتأكيد، إذ وصلت التعهدات التي تم تقديمها إلى ستة مليار وأربعمائة مليون دولار التزمت المملكة العربية السعودية بما يوازي نصفها، فيما سيتم الإعلان عن بقية التعهدات في المرحلة الثانية من المؤتمر التي ستنعقد في نيويورك أواخر الشهر الجاري ومن ضمنها بقية دول مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي بعث الكثير من التفاؤل في أوساط المواطنين اليمنيين وأعاد قدرا كبيرا من الثقة التي اهتزت بحكومة الوفاق الوطني بل وبجدوى التغيير الذي حدث، وهي ثقة ستتعزز أكثر إن نجحت هذه الحكومة في استيعاب هذه المبالغ الكبيرة وفي تصريفها في مصارفها المقررة والمحددة، إذ لازال اليمنيون يتذكرون بمرارة كيف فشلت آخر حكومات صالح في استيعاب التعهدات التي التزم بها المانحون في مؤتمر لندن أواخر عام 2006م والتي بلغت حوالي خمسة مليار دولار، إذ أكدت دراسة غير معلنة قامت بها ذات الحكومة أواخر عام 2010م - أي قبل الثورة السلمية بأسابيع - أن 5% فقط من تلك التعهدات كانت قيد التنفيذ وما يقارب 13% كانت دراسات جاهزة أما ال 82% المتبقية التي لم تر النور طوال أربع سنوات فقد بينت الحجم المهول من سوء الأداء واستشراء الفساد وتغلب منهجية المصالح الخاصة التي يتنازعها مراكز القوى والنفوذ القبلية والعسكرية والتجارية في عهد صالح وجميعها أضاعت على اليمن الكثير من المصالح المحققة والمشروعات الكبيرة التي كانت كفيلة بتحقيق انتعاش اقتصادي كبير... وعلى رغم أن رئيس تلك الحكومة (علي مجور) كان من خيرة الكفاءات ومن أنزه الرجال إلا أنه واجه تركة ضخمة من الفساد وسوء الإدارة لم تمكنه من النجاح ناهيك عن أن نفوذ وتأثير مراكز القوى المتصارعة على المصالح كان أقوى منه بكثير... ولذلك يأمل اليمنيون اليوم وقد انزوت مراكز القوى والنفوذ تلك رهبة من الثورة السلمية - ولو بشكل مؤقت - أن تمضي حكومة باسندوه - وهو الرجل الوطني النزيه - في تنفيذ التعهدات واستعادة ثقة المواطن ومجتمع المانحين معا، وألا تستسلم لتلك المراكز في حال انتعاشها وهو أمر محتمل إذا لم تكن هناك صرامة في مواجهتها!

ومع الإنجاز الهام الذي تحقق لليمن في مؤتمر الرياض بداية الشهر الجاري، فإن جولة رئاسية دولية هامة سيقوم بها الرئيس عبدربه منصور هادي أواخر الشهر نفسه ستقوده إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا... وتأتي أهمية هذه الجولة من عدة أسباب فهي الزيارة الأولى لهادي كرئيس لليمن إلى هذه الدول الكبرى إذ يدرك الكثيرون أنه لولا مساندة هذه الدول الأربع تحديدا لرغبة الشعب اليمني في التغيير لكان واجه صعوبات كبيرة، ومع تكامل الإرادة الدولية بالموقف الإيجابي من روسيا والصين والموقف الإقليمي من دول مجلس التعاون الخليجي مضت عملية التغيير بشكل يعتبر نموذجيا مقارنة بغيرها... والسبب الثاني أن هذه الجولة تعد تعزيزا لشرعية الرئيس هادي على المستوى الخارجي وستعزز موقفه الداخلي أمام من لازالوا يحاولون تسويق الرئيس السابق أو نجله أمام المجتمع الدولي كخيار مقبول للعودة مجددا للسلطة بأي وسيلة، وحيث تحرص هذه القوى الكبرى أيضا على التعرف عن قرب على الرجل الأول الجديد في اليمن بعد أن ظل مجهولا لها طوال العقدين الماضيين... والسبب الثالث أن هذه الجولة تأتي في ذروة المرحلة الانتقالية وفي ذروة التحضير لمؤتمر الحوار الوطني وفي ذروة الإجراءات الجادة لإعادة هيكلة الجيش ونقل ولاءه لليمن الجديد ولأهداف ثورة التغيير وفي ذروة الدعم الاقتصادي لانتشال اليمن من احتمالات الفشل والانهيار... لذلك سيكون على الرئيس هادي التفكير الأمثل في كيفية استثمار جولته العالمية عبر التأكيد لقادة الدول التي سيزورها أن خيارهم في دعم التغيير كان صائبا تماما، وأن اليمن سيدخل في ظل حكمه في مرحلة مغايرة كليا يمكنه أن يلتزم خلالها بالتوجه الجاد صوب بناء دولة القانون ومحاربة الإرهاب ومكافحة الفساد والحفاظ على وحدة اليمن وتحقيق الأمن والاستقرار وتحجيم مراكز النفوذ والمصالح.


في الثلاثاء 11 سبتمبر-أيلول 2012 12:17:10 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=