التهاب الكبد الوبائي مرض صامت يهدد ملايين العرب
مأرب برس - متابعات
مأرب برس - متابعات
 
هل أنت ممن يعانون مرضاً مزمناً يتعايشون معه كالسكر أو الضغط . هل بدأت بإنكار المرض؟ أم رضيت بالواقع وتقبلت الدواء وإتباع الحميات الغذائية؟ ماذا لو كان هذا المرض ليس مزمنا فقط، بل قاتلا أيضا وليست له أية أعراض ومخبأ في جسدك ثلاثين عاماً، كالتهاب الكبد الوبائي؟. ماذا لو كانت الطامة أدهى وأمر، وهي انك تعيش في بلد عربي ذات دخل محدود ورعاية صحية ضعيفة؟! 

قصص مرضى التهاب الكبد الوبائي في الوطن العربي تكشف جوانب من مآسي حياتهم المليئة بالألم والأمل بحصولهم على علاج يخفف ما حل بهم.

معاناة يومية وعلاج باهظ

يقبع مرضى التهاب الكبد الوبائي في قاعات الانتظار، ينتظرون بصيص أمل ، ويأملون في إيجاد العقار الشافي لهذا الداء الذي يسري في أكبادهم بكل هدوء.

قصصهم تبكي وتحزن. بعضهم عجز فلجأ إلى ركن قصي من داره يعد ساعات الانتظار للحظة الوداع الأخيرة، والبعض الآخر ما زال يكافح بما تبقى له من قوة.

يروي العامل المصري حامد عبد المجيد أنه فرح كثيراً حين وجد له صديقه فرصة عمل مناسبة في إحدى الدول الخليجية حتى يتمكن من الإنفاق على أسرته الصغيرة. "لكن فرحتي لم تكتمل، فأثناء توقيع الكشف الطبي اللازم لوثائق السفر اكتشفت بالصدفة أني مصاب بفيروس الكبد الوبائي C ".

أفاق حامد البالغ من العمر 39 عاما من حلمه على كابوس ينتظره. فكلفة علاج هذا الفيروس باهظة ، حيث يحتاج المريض إلى حقنة "إنترفيرون" أسبوعية ثمنها 700 جنيهاً (نحو 116دولار) وعليه أن ينتظر في طابور طويل لكي يحصل على هذا العلاج، الذي يستغرق بين 6 أشهر و12 شهرا. وهو يعالج على نفقة الدولة، نظرا لظروفه الاقتصادية الصعبة .

حالة حامد تمثل نموذجاً عن آلاف المصريين الذين يكتشفون هذا الفيروس الخطير بالصدفة. فهذا المرض يظل يعمل في صمت داخل جسم الإنسان لفترة قد تفوق 30 عاماً، وفق الدكتور سعيد شلبي أستاذ أمراض الكبد في المركز القومي للبحوث حينما حدثناه عن حالة حامد .

وأضاف شلبي أن كثيراً من المتعايشين مع الفيروس يفضلون عدم العلاج، على اعتبار أنه فيروس كامن ولا يشعرون بخطورته في بادئ الأمر، ولارتفاع كلفة علاجه . ويشار إلى أن الفقراء يمثلون قطاعاً كبيراً من المصابين بهذا الفيروس، نظرا لانتشار الثقافات الخاطئة نتيجة قلة الوعي الصحي في المجتمعات الفقيرة . فالإصابة قد تأتي عن طريق نقل الدم ومشتقاته وأدوات الأسنان غير المعقمة وأدوات الحلاقة الملوثة بأي نسبة من الدم .

وأشار شلبي إلى أن حقن "إنترفيرون" لا تناسب مرضى فيروس C في حالاته المتأخرة وعند حدوث تليف في الكبد، موضحاً أنه "مع تلك الحالات نستخدم بدائل علاجية أخرى كالعلاج بالأوزون والأعشاب الطبية".

وأضاف أنه يحقق جانب من مبدأ العدالة الاجتماعية في مصر كأولى نتائج ثورة 25 يناير عبر توفير علاج "انترفيرون" الأجنبي والمصري للمريض، بحيث يختار هو وطبيبه الأنسب للعلاج مجاناً عبر اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية التابعة لوزارة الصحة.

وأشار شلبي إلى أن أغلب مرضى الفئة C من الفيروس يحتاجون إلى متابعة مستمرة بعد العلاج، وأنها سوف تتم أيضا على نفقة الدولة. كما تدعم وزارة الصحة علاج جميع الأمراض المزمنة التي تسبب بها الفيروس .

ولا يختلف الوضع في اليمن عنه في مصر، حيث يقول موفق عبد الغني الذي أصيب بالفئة B من الفيروس : "اكتشفت المرض أثناء زيارة اعتيادية للطبيب حيث كنت أشكو من الألم و انتفاخ في البطن والحمى، ما استدعى إجراء فحوص شاملة اكتشفت على آثرها إصابتي بفيروس الكبد B  ".

ويواصل شكواه بمرارة قائلاً: "إن إصابتي بهذا المرض اثر في حياتي، فقيمة الأمصال تصل إلى 35000 ريال يمني (نحو 150 دولار أميركي) بعد دعمه من قبل وزارة الصحة بنصف المبلغ". ويتابع: "قمت ببيع ذهب زوجتي لكي أتمكن من توفير قيمة الأمصال العلاجية المطلوبة للقضاء على الفيروس و إجراء الفحوص التي تتطلب متابعة مستمرة".

في لبنان، يروي يوسف (42عاما)، الذي اكتشف مؤخرا إصابته بالتهاب الكبد من فئة " C ، معاناته مع المرض. ويقول: "معاناتي لا توصف، أشعر بتعب ووهن شديدين عدا الأرق والانهيارات العصبيّة الدائمة، وقد اعتاد جسمي على الحقن بمعدل 52 حقنة خلال عام. كما أنني خسرت 15 كيلوغراما من وزني".

والحال نفسها بالنسبة إلى زياد (50 عاما)، الذي اكتشف إصابته بالتهاب الكبد  B عن طريق الصدفة أثناء خضوعه لفحوص عامة. يعرب زياد، الذي عاد من الولايات المتحدة الأميركية عام 1993 بعد 14 عاما من الهجرة، عن انزعاجه من عوارض هذا الفيروس. ويقول: "أشعر بتعب جسدي دائم وبالقلق الشديد عند تناول الكحول أو حتى بعض أنواع الطعام، إضافة إلى ما أعانيه من أوجاع في الرأس والمفاصل والعيون وحساسية وعوارض غريبة عجيبة. إلا أنني أتأمل خيرا في الشفاء وأنظر إلى الحياة بشكل إيجابي".

اليمن ومصر يسجلان أعلى نسب الإصابة عربياً

تشير أرقام "منظمة الصحة العالمية"، التي تحيي سنوياً في الثامن والعشرين من تموز/يوليو يوم التوعية حول مرض التهاب الكبد الوبائي، إلى تعايش شخص واحد من أصل اثني عشر في العالم مع المرض من الفئتين B و C ، وإلى وجود ملياري مصاب بالفئة B حول العالم و 350 مليون شخص يتعايشون معه. أما في منطقة الشرق الأوسط، فنحو 2 إلى 5 في المئة من السكان مصابون بالتهاب الكبد الوبائي (من جميع الفئات). وتلحظ أرقام "التحالف العالمي لالتهاب الكبد" وجود مئة وسبعين مليون شخص مصاب بفيروس التهاب الكبد من فئة C ومهدد بالإصابة بتشمع أو سرطان الكبد، ووفاة أكثر من 350 ألف شخص سنوياً نتيجة هذا الفيروس الصامت والأكثر انتشاراً وفتكاً من مرض نقص المناعة المكتسبة ( إيدز)

ويسجل الفيروس C معدلات عالية في كل من اليمن و مصر، أما فيروس B فيؤدي إلى وفاة نحو 600 ألف شخص سنوياً. وهو مستوطن في الصين وأنحاء أخرى من قارة آسيا. ويعد سرطان الكبد الناتج عن فيروس B من الأسباب الثلاثة الأولى للوفاة بالسرطان عند الرجال وسببا رئيسيا للسرطان عند النساء.

 ويصاب 1.4 مليون شخص بفيروس الكبد A  سنوياً. ويرتفع المعدل في البلدان النامية التي تفتقر إلى الرعاية الصحية، حيث تصل الخطورة إلى أكثر من 90 في المئة.

بينما في البلدان النامية التي تشهد تحولات اقتصادية وتحسنا في الظروف الصحية، وتنخفض نسبة الإصابة به في البلدان المتقدمة.

وحدها الأرقام تكشف حجم الكارثة الصحية التي تحيط بالشعوب العربية، . ففي اليمن ترتفع نسبة الإصابة لتطال 25 في المئة من السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة، وهي الأعلى عربياً. وتشير الإحصاءات إلى أن 75 في المئة من السكان مهددون بالإصابة بأمراض منقولة عن طريق المياه، وأن ثلاثة ملايين مصابون بالتهاب الكبد B نتيجة استهلاك مياه غير نظيفة. وذلك حسب دراسة للدكتور محمد سالم نعمان، أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي في كلية الطب في جامعة صنعاء ورئيس وحدة الكبد في المستشفى الجمهوري التعليمي نشرت عام 2007م.

في مصر، وحسب تصريح لعمرو حلمي، وزير الصحة والسكان السابق أواخر أكتوبر الماضي، يشكل المصابون بفيروس C 10 في المئةمن عدد سكان مصر، ما جعلها من بين أكثر دول العالم إصابة بالمرض . وحسب آخر إحصائيات أصدرتها وزارة الصحة المصرية، فإن هناك 8 ملايين مصري مصابون بفيروس C ، وحوالي 4 ملايين يعانون من التهاب كبدي مزمن يتطور في 20 في المئة من الحالات إلى التليف ويتحول في 5 في المئة من الحالات إلى سرطان. وتزيد العدوى مع التقدم في السن، فمعدل إصابة الصغار تتراوح من 2 إلى 4 في المئة، بينما تصل العدوى مداها عند سن 50 عاماً، كما أن الرجال أكثر عرضة للإصابة من النساء .

وحسب دراسة نشرتها دورية "بروسيدنج أوف ذي ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" في أغسطس 2010 تشهد مصر نحو 537 ألف إصابة سنوياً، بنسبة سبعة من كل ألف مصري .

وفي الأردن، بلغت نسبة الإصابة 10% من السكان، وفقا لما جاء في المؤتمر الدولي عن التهاب الكبد الوبائي العالمي، الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس عام 2010م .

أما لبنان، فكان صاحب النصيب الأقل، حيث ترجّح التقديرات إصابة 1 إلى 2 في المئة من السكان بالفيروس B . وهو معدل منخفض مقارنة ببعض الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. في حين أن نسبة المصابين بالتهاب الكبد C أقل بكثير، حيث تسجل إصابة واحد من كل ألف، حسب رئيس قسم الجهاز الهضمي والكبد في المركز الطبّي التابع للجامعة الأميركية في بيروت البروفسور علاء شرارة.

 وأكد منسق البرنامج الوطني لمكافحة فيروس الكبد الوبائي في وزارة الصحة اللبنانية الدكتور أنطوان أبو راشد أن "2 في المئة من اللبنانيين يعانون التهاب الكبد B ، في حين يعاني أقل من 0.5 في المئة من التهاب الكبد C ، الذي يسجل أعلى معدلاته عند متعاطي المخدرات. وتظهر الدراسات أن بين 10 إلى 30 في المئة منهم مصابون بالفيروس C ، وهذا حال مختلف البلدان".

طرق الانتشار والوقاية

قد تبدو المعاناة والأرقام متقاربة أحياناً في انتشار فيروس التهاب الكبد الوبائي، لكن الأسباب متعددة. في مصر، ترجع جذور انتشار فيروس C إلى حملة واسعة النطاق قامت بها وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية ( WHO ) خلال فترة الخمسينات وأوائل الثمانينات للسيطرة على مرض البلهارسيا. وخلال تلك الفترة جرى علاج ملايين الأشخاص عن طريق الحقن في الوريد بـ"طرطرات البوتاسيوم الأنتومنية" (الدردي المقيء). و رغم نجاح تلك الحملة في علاج البلهارسيا، لكن مساوئها كانت أكبر. فقد تسببت إعادة استخدام الحقن الزجاجية والإهمال في التعقيم في انتشار عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي على نطاق واسع. ومع حلول التسعينات من القرن الماضي حل فيروس الكبد في الصدارة بديلا عن البلهارسيا.

أما انتشار الفيروس في اليمن فقصته غريبة ومختلفة. فأوراق شجرة القات التي يتناولها اليمنيون يومياً ابتداء من منتصف النهار إلى بعد منتصف الليل عن طريق مضغها والاحتفاظ بها في الفم لفترة تتراوح بين ساعتين و 10 ساعات هي احد أسباب انتشار الفيروس.

 

وتكمن المعضلة في كمية المبيدات السامة التي استخدمها المزارع اليمني في زراعة شجر القات. ومع بروز أغصان القات يتم قطفها قبل مرور الوقت المسموح لتناولها، ما يجعلها العدو الأول لأكباد اليمنيين والمتهم الأول في إصابة 25 في المئة منهم بالفيروس B .

 وحذر نعمان في دراسته من خطورة الاستمرار في تعاطي القات، معتبراً أن ما يزيد الموقف تعقيدا هو ما يقال للمرضى أثناء جلسات الأهل والأصدقاء، وأحيانا من قبل أطباء غير متخصصين، من معلومات غير دقيقة وانطباعات وتعليمات خاطئة.

أما في لبنان، فحذر أبو راشد من "خطورة عالية تحيط بمتعاطي المخدرات ومثليي الجنس و الناشطين جنسياً". وهذا ما دفع وزارة الصحة اللبنانية إلى تنظيم حملات توعية وتوزيع المنشورات والواقي الذكري.

وإذ كشف أن "فيروس  B ينتشر بكثرة في محافظتي الجنوب والنبطية نتيجة الهجرة إلى دول أفريقية وانتقال العدوى عبر العلاقات الجنسية غير المحمية "، أوضح أبو راشد أن "نسبة الإصابة تتراوح بين 3 و 4 في المئة، وهي أعلى بقليل من باقي المحافظات اللبنانية. أما فيروس C  فمنتشر في المناطق كافة".

بدوره، أكد شرارة أن "احتمال انتقال فيروس C  ضئيل، وهو أقل من 1 في المئة، حيث أنه لا ينتقل بالممارسة الجنسية العادية إنما بالممارسة غير المحمية، خلافاً للنوع B ".

وشدّد أبو راشد على أن "انتقال إلتهاب الكبد B  أو C  عبر الدم شبه معدوم، لأن جميع المستشفيات تجري فحوص لهذين النوعين قبل إعطاء الدم لأي مريض"، مشيراً إلى أن "النوع الأكثر انتشارا في لبنان هو B . أما طريقة انتقاله فهي إما من الأم إلى الجنين أو نتيجة علاقة جنسية أو تعاطي المخدرات. لكن من حيث المبدأ، لا يجب أن تسجل حالات انتقال من الأم إلى الجنين، لأن الشريكين باتا يخضعان لفحوص الفيروس قبل الزواج".

وكشف أن لبنان يعدّ من أقل البلدان العربية تسجيلاً للإصابات.

ولفت أبو راشد إلى "كثرة انتشار التهاب الكبد A ، خصوصاً بين الأولاد، لكنهم سرعان ما يشفون منه، إذ أن هذا النوع لا يتحول إلى التهاب مزمن". كما أوضح شرارة أن هذا النوع "لا يعتبر مرضا مزمنا، على الرغم من انتشاره في بلدان العالم الثالث، الا أنه طفيف مثل الرشح".

وفي الأردن، تبرز إشكالية التلوث بالمياه ـ. ويروي صاحب مؤسسة لتنظيف خزانات المياه في الأردن العديد من الغرائب والقصص التي تصادفه في عمله، وتتنوع فيها مشاهداته داخل الخزانات ما بين ديدان وفئران ميتة. ويحذر خبير المياه المهندس محمد أبو طه من أن إهمال تنظيف الخزانات يعرض المياه إلى عوامل بيولوجية تلوثها وتؤثر على صحة مستخدميها، خصوصاً لمن يعتمد عليها في الشرب. ووفق أبو طه فإن خزان مياه ملوث يعني احتمال انتشار أنواع من البكتيريا أو الطفيليات أو الفيروسات تنتقل إلى جسم الإنسان مسببة له العديد من الأمراض التي قد تبدأ بالكوليرا ولا تنتهي عند التهاب الكبد الوبائي.

*اعداد:سارة مطر(لبنان) نجاة شناعة (الأردن) محمد السيد (مصر) عمر الحياني (اليمن )


في الأربعاء 02 مايو 2012 06:55:58 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=