وداعا أيها الريس بابانا
د. محمد أمين الكمالي
د. محمد أمين الكمالي

في روايته " أصابع لوليتا " يقدم لنا الروائي والأديب الجزائري العالمي واسيني الأعرج مقطوعة فنية ولوحة فلسفية تدفعك للعيش داخلها لإسقاط هذه الأحداث التاريخية والتجربة الإنسانية على حياتنا اليومية كما يتخفى الكاتب وراء الشخصية الرئيسية في روايته ليلبس قناع كاتب أخر يستطيع أن يشكله كما يشاء فيعرض جزء من تجربته وفي نفس الوقت يصنع تجربة خاصة للشخصية داخل الرواية فيمرر بعض ما يريد من آرائه أو حتى الآراء التي يختلف معها عن طريق كاتبه المتخيل يوسف مارينا أو سلطان حميد السويرتي .

فالكاتب الذي داخل الرواية بداء حياته تحت اسم مستعار التصق به لباقي حياته باختلاق تاريخ عاطفي ومتخيل لبطله القابع تحت اسر القيود والعزلة والتغييب المتعمد والذي كان يناديه بالريس بابانا .

هنا ربما يريد واسيني القول على لسان كاتبه المختلق إن حرفية التاريخ ووقائعه ربما تنسى الكثير من تفاصيلها بسرعة أو تضاف لها تفاصيل مختلقة بما يتلائم مع أمزجة الناس وهمومهم ومشاكلهم فيكون التاريخ عبارة عن انعكاس آخر للأحداث التي يعشيها الناس في حياتهم اليومية وقت رواية الأحداث التاريخية .

وبعيدا عن الجانب الإبداعي الأدبي لهذه الرواية التي تعكس في جانب مهم منها روئية لتجربة حياة كاتب مخضرم يمتلك قدرة صناعة الجملة الإبداعية دون الوقوع في السرد المجرد وهروبا في أعماقها نجد الحدث التاريخي يرتبط بالمسار الشخصي لشخصية ربما تكون هامشية لم يسمع عنها احد أو عامة تحرص على نقل تلك التجربة حسب منظورها لتصل للآخرين .

وهنا تبرز احد المحاور الرئيسية المتمثلة بالعلاقة الوجدانية والعاطفية بين الشخصية الخيالية الكاتب يوسف مارينا التي هي رمز لأي كان وبين الشخصية التاريخية وهي الرئيس بابانا وفي هذه العلاقة نوع من المحاكمة الأدبية أو لنقل الاقتراب والمرور الإنساني للتجربة التاريخية للجزائر بعيدا عن إطلاق الإحكام التي تتغير بحسب الرواة وخلفياتهم السياسية وذلك على يد كاتب كبير كواسيني الأعرج الذي استطاع أن يشبع الجانب الإنساني للتجربة ويقوم بدور المؤرخ الأدبي دون أن يخل بالبنية الفنية للرواية .

الريس بابانا الذي هو شخصية رئيسية ومحورية في الرواية هو المناضل والثائر الذي تحول إلى زعيم وقائد للشعب في واحدة من أروع ملاحم الثورة ضد الاستعمار لتتوج على يديه تضحيات الملايين من الشهداء في بلد الشهداء الجزائر ليصبح أول رئيس للجزائر المستقل الرئيس احمد بن بلة ولم يدم بقائه سوى مدة قصيرة اقل من ثلاث سنوات في هذا المنصب ليعاني بعدها من مرارة الانقلاب هذا المتغير الدائم التكرار في التاريخ العربي الحديث والذي يأتي دائما باسم الثورة أيضا ولكن هذه المرة على الثوار , ويرمى بعدها بن بلة في السجن لخمسة عشر عام ثم ينفى بعدها ليكون نصيبه من اضطهاد الرفاق أكثر مما لاقاه من المستعمر الفرنسي .

اليوم وقد انتقل احمد بن بلة إلى الرفيق الأعلى وفي سن متقدمة ناهزت السادسة والتسعين لتتسنى له الفرصة ليرى وربما بضبابية ومن بعيد ثورات الربيع العربي التي ربما لامست فيه شجون الثورات الأولى ضد المستعمر الخارجي وهي تقارع المستعمر السري الداخلي .

تجربة الرئيس بن بلا الذي كان حلا وخيار رابح لقائد قوات الحدود والرئيس لاحقا العقيد هواري بومدين كشخص يمتلك رصيد نضالي يسمح له بتنصيبه على كرسي الرئاسة لينقلب بعد ذلك العقيد على الرئيس الذي حمل لقب شعبيا هو بابانا لأنه أبو الاستقلال وأبو الدولة الوليدة إلا أن العقيد هاجمه بالذات من هذه النقطة وهي العلاقة الأبوية التي تحولت إلي ديكتاتورية و إقصائية ومحاولة فرض هيمنة على أجهزة الدولة , وهذا لا يعني أن العقيد لم يكرر نفس الأخطاء بعد تصحيحه الثوري وربما بالدوافع نفسها والتي قد يكون أهمها حب الوطن والخوف علية.

رغم نمطية النموذج وتكرره يستغرب البعض لماذا لم تفلح الوساطة بالإفراج عن بن بلة والتي ربما يكون أبرزها وساطة الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يحظى بشعبية كبيرة رسمية وجماهيرية في الجزائر وقتها إلا أن الرئيس هواري بومدين كان قد تعلم درس أخر مهم من عبد الناصر عندما ألقى هو الأخر بالرئيس محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية والسجن في منزله كجزء من خطوات الإحكام على السلطة وهو ما تكرر أيضا بشكل أو أخر في ثورة اليمن عندما تم تصفية عبد الله عبد المغني والزبيري والانقلاب على الرئيس السلال .

ويبدوا أن أهم عيوب الثوريين وأخطائهم القاتلة هي تحولهم إلي الدكتاتورية وعدم القبول بالأخر والاعتقاد بأنهم الوحيدين الذين يحق لهم اتخاذ القرار بعيدا عن جماهير الشعب القاصرة وحجتهم أنهم يحبون الوطن بعلاقة تتحول من البنوة والتضحية في سبيل أمنا الأرض إلي الأبوة والسيطرة والوصاية عندما يصلون إلي مراكز الحكم ومفاصل اتخاذ القرار .

فهؤلاء القادة الثوريين عندما يصلون إلى السلطة يظلون مسكونين بالهواجس الأمنية التي تنغص مشاريعهم العظيمة لنهضة الوطن فيبدئون بمحاولة ترسيخ الحكم وتامين الجبهة الداخلية وصناعة رجال الثقة بعيدا عن أي صوت معارض يعتبرونه تهديدا للاستقرار وهم لا يدركون أن هؤلاء أول سينقلب عليهم وعلى تراثهم وهذه الثنائية متكررة من ( عبد الناصر – السادات ) (بن بلة –بومدين) ( الحمدي –الغشمي وصالح ) ( بورقيبة – وزين العابدين ) .

في الأخير لا نقول إلا رحمة الله على هذا المناضل والثائر الكبير ويجب علينا أن نأخذ الدروس جيدا من التاريخ فالثورة لا معنى لها إن لم تكن من الشعب ولأجل الشعب وبيد الشعب ولا يوجد احد يحق له الوصاية أو اتخاذ القرار نيابة عن هذا الشعب ولا يستطع احد أن يدعي أبوته أو تمثيله المطلق للوطن دون أن يرجع لأبناء هذا الوطن ويكون لهم الرقابة عليه ضمن ضوابط محددة ديمقراطية وقانونية تمنع الظلم والتسلط وترسي قواعد الحرية والعدل التي تفتح بدورها طريق النمو والرقي والتقدم .


في الجمعة 13 إبريل-نيسان 2012 07:37:41 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=