بين يدي شيخ كبير
د. هشام المعلم
د. هشام المعلم

عندمــا يسعفك الحظ بالجلوس إلى أحد كبار السن “ الذين ابتعدنا عنهم كثيراً في الآونه الأخيرة” ستسمع منه آراء و وجهــات نظر تجعلك تنظر للحيــاة بطريقـة مختلفة أكثر حكمة و أكثر تفاؤلاً و إقناعــاً من تكاملك بعقلك, فهم يضعونك بعيــداً عن فورة الغضب و بعيداً عن الغليــان الذي يعتمل بداخلــك فيعمي بصيرتك عن رؤية الحياة الصورة بشكل أوضح.. في جلسة عابرة لي مع أحدهم “ و الذي فهمت من حديثه أنه يساري قديم من أيام الجبهة القومية” على أحد المقاهي , كانت السياسة هي جوهر حديثنا كما هو حالنا جميعاً هذة الأيام و دار بيننا هذا الحوار

قلت له مستفزاً : الثورة سرقت .

قال الكهل: كيف تسرق الثورة إنها ليست شوالة قمح هي مستمرة و تحقق أهدافها و إن ركب موجتها البعض و حاول الإستئثار بالمشهد من ورائها , فالثورة كينونة مستمرة و ليست فورة لحظية مؤقته و لازال أمامها الكثير من التحديات و العقبات حتى ترسو بمشروعها على بر الآمان , و أهم التحديات في الوقت الراهن هو إعادة هيكلة الجيش و إزاحة القيادت الأمنية التابعة لصالح.

قلت له : و لكنَ الرئيس هادي و هو المخول بإنجاز هذه المهام , مشلول و قيوده أثقل من أن تمكنه من النهوض ليقود المركب بحرية , فلم نعد نحلم بعالم سعيد و أصبنا بالإحباط.

قال: تحركات الرئيس هادي تحمل الكثير من المؤشرات على توجهه نحو الاستقلالية و تبني برنامجه الخاص في تدوير عجلة القيادة في الاتجاه الصحيح ,وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره , و لكن يتوجب عليه أن يتخلص تماماً من عباءة صالح و أن يستغل الدعم الشعبي و الدولي اللذين حظي بهما .

قلت له : فإن قلت لكَ أن صالح ذهب متسربلاً بعار نظامه إلى غير رجعة.

قال: صالح لازال ينزو على المشهد نزو القردة و لازال يحاول إيهام الجميع بأنه هو الحاكم الفعلي من خلف الكواليس و الحجاب الذي يتحرك من ورائه ليس سوى غشاوة خفيفة جداً و لا تكاد تستر عُريه.

قلت له : فكيف يمكن أن يبدأ الحوار الوطني و لازال الوطن مرهوناً بيد مراكز القوى التي تفتعل فيه كل الإشكاليات و العقبات المتوالية و لازالت القيادات الأمنية مسيطرة و تشعل فتيل الجبهة هنا و لا تحتويها هناك, يجب أن تتم عملية إعادة هيكلة الجيش قبل إجراء أي حوار وطني للمصالحة و غيرها .

قالوا: من أجل كل هذا يجب أن يبدأ الحوار الوطني في أسرع وقت فهو الحل الأسلم و الأوحد في هذه المرحلة على ألا يتم فيه إقصاء لأي قوى متواجده على الساحة و أن تطرح فيه كل المواضيع بمصداقية و شفافية و مصارحة مطلقة و بحث أنجع للحلول الممكنة و المُرضية لكل الأطراف بقدر المستطاع و تغليب المشروع الوطني الأكبر على كل المشاريع الصغيرة و الضيقة و أن يمتلك الجميع الشجاعة و الإرادة الفعلية و الرغبة الحقيقية بالعبور بالوطن إلى بر الأمان و أن يضعوا جميع خلافاتهم السابقة و الشكوك الاستباقية جانبا لينجح هذا المشروع

فالوقت لا ينتظر, و الحلول الإرتجالية الأحادية الجانب تعيدنا الى الخلف إن لم يكن إلى نقطة الصفر .

قلت له : ألا ترى أن القوى الراديكالية هي بؤرة الصراع في قادم الأيام؟

قال: و اليوم “ و الويل لأمة كثرت فيها طوائفها و قل فيها الدين” كما قال جبران خليل جبران

قلت له : القوى اليسارية و اللبراليون سيمثلون المعامل الذي سيصحح المعادلة .

قال: القوى اليسارية والليبرالية عجزت عن كسب ود الشارع فانقسمت على نفسها بين ملحقات سياسية تقليدية للقوى الأصولية سواء المتمثلة في حزب الإصلاح أو جماعة الحوثيين و من تبقى منهم غرق في حربٍ كلامية عقيمة و خطابات إعلامية مفلسة بدلاً من التوجه إلى بناء قواعد شعبية و شبابية متوهجة تضمن له روح البقاء و المزاحمة في طريق بناء الدولة المدنية الحديثة في المستقبل القريب و الذي يظهر بقراءة بسيطة للواقع أنه سيكون مستبعداً منها في حالة بقائه على حالة الضعف الشديد التي تعتريه إن لم يحدث تغيرات حقيقيه تقنع الشارع بضرورة بقائهم.

قلت له: فما رأيك بما يقال من أن القاعدة عبارة عن مسرحية هزلية يقودها صالح و بقايا نظامه من وراء الكواليس للإلهــاء و أصطناع الفوضى , كما يفعل ذلك في شمال الشمال مع متطرفي الحوثيين.

قال : القاعدة خطر حقيقي و حقيقي جداً و يجب ألا يتم التساهل في التعامل معه أبداً , سواء كانت مدفوعة الأجر من قبل صالح أو غيره أو عقائدية المنطلق و يجب أن تتكاتف الجهود للقضاء على هذا الوباء و الفكر الخطر وعندها ستنكشف كل الأوراق وعليهم أن يُجبروا على التعلم حماية لهم و للوطن , فجهلهم مع شعورهم بمشروعية افعالهم مصيبة المصائب

أما الحوثيون ففصيل لا يمكن تجاهله و وجوده حقيقة لا يمكن النظر إليها بعين العداء بل كجزء مهم في المعادلة السياسية و الواقع الاجتماعي.

قال الشاب: و القضية الجنوبية ألا يتم تهييجها من قبل صالح بأيدي عملائه من الحراكيين,و المشاريع الصغيرة القديمة كـ »عدن للعدنيين و حضرموت للحضارم» أيضا يغذي شريان فتنتها و يشب نارها أيضــاً.

قال: ذلك صحيح فهو لن يتوانى عن اللعب بكل الأوراق الممكنة ليثبت أنه كان و لازال ضرورة لا يمكن الإستغناء عنها , و لكن تظل القضية الجنوبية حقاً مشروعاً و قضية محورية لا يمكن لأي حوار وطني و لا لأي مشروع مصالحة أن يُكتب له النجاح ما لم تكن لهذة القضية الألولوية في جدول أعماله.

أما “عدن للعدنين” فالكل يعلم جيداً أن سكان عدن تعددت أصولهم و منابعهم على مدى التاريخ القريب و لازالوا قريبي العهد بمواطنهم الأصلية و ليس منها من تحمل ذلك المدلول بصفة متفردة عن غيرهم , فأغلبهم يمنيون من مختلف المناطق حيث الأغلبية تعود إلى المناطق الجنوبية و الشرقية والوسطى و خاصة تعز إلى جانب الأصول الهندية و التركية و الأفريقية و الكردية و غيرها , و الكل استقر على أرض واحدة و تظلهم سماء واحدة و الدين لله و الوطن للجميع كان و لازال شعارهم , و حتى ما يُذكر من أن قبيلة العقاربة هم الأقدم تميزاً بحصولهم على مُسمى “ عدني” فمع هذه الحقيقة كانوا يتبعون السلطنة اللحجية إدارياً في ذلك الوقت الذي أجرى فيه الإحتلال البريطاني دراسته السكانية حول أصول سكان عدن

مما يعني أن الشعار مغالطة تاريخية و اليمن هي المحتوى للجميع دون تممييز.

قلت له : المشكلة؟

فقاطعني قائلا “كمن أضجرته كثرة أسئلتي” : بعيداً عن كل بلاوي السياسية , ما يعني الناس الآن بالدرجة الأساسية هو تحسين أوضاعهم المعيشية و الأمنية و تلبية احتياجاتهم الضرورية كالأمن الغذائي و الصحي و التعليمي و بعض المساواة و تكافؤ الفرص فهذه كانت من ضمن إن لم تكن هي الأسباب الجوهرية لثورتهم , الناس لا تعنيهم صراعات الأحزاب و لا جدليات المثقفين و لا خلافات المذاهب.

خــاتمة:

جحا في أمثولةٍ قديمة و هو يستمع إلى اثنين من جيرانه في خلاف بينهما يقول للأول أنت على حق ثم يقول نفس الجملة للآخر و حين سألته زوجته بعد ذلك كيف يكون الإثنان على حق؟ ,, أجابها: أنتِ أيضاً على حق
في الخميس 15 مارس - آذار 2012 04:51:26 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=