لليمن رب يحفظه ويحميه
ابو الحسنين محسن معيض
ابو الحسنين محسن معيض

دخل ابراهيم ذو ال 29 عاما الى مبنى البنك الذي يتعامل معه وأقترب من موظف استقبال العملاء ملقيا السلام عليه وقائلا : أريد تفعيل بطاقة حسابي المصرفي لديكم , فطلب منه الموظف بطاقة البنك والاوراق اللازمة , فمد له بما طلب ! وأخذها الموظف المسئول ثم قال : لقد توقف حسابك منذ عامين فما الذي اخرك هكذا ؟! ومع تنهيدة عميقة قال ظروف بلادنا استوجبت علي التاخر ! وكان ابراهيم خلال العامين المنصرمين لم يعمل كثيرا في غربته بل كان يدخل ويغادر سريعا بتأشيرة خروج متكلفا بذلك ديونا كثيرة ليبقى مع اسرته المكونة من امه وزوجته و3 أطفال أكبرهم يبلغ 7 سنوات فقط ! ـ نعم وكيف اموركم الان يا اهل اليمن ؟ ـ الله كريم .. دعواتكم معنا ! ـ الله يستر عليكم ولكن اموركم محلولة الان أليس كذلك ؟! ـ نعم ـ كيف ليست محلولة وقد تم توقيع خروج رئيسكم ؟ ـ

لا ادري فالوضع مخيف وعوامل الاستقرار تتارجح يمنة ويسرة فاليمن امورها الظاهرة لا تدل مطلقا عما تخفيه فهي دائما حبلى بمواليد مشوهين خلقيا ويعانون من اعاقات ذهنية ! ولو سمحت ممكن تقوم بتحديث بياناتي سريعا ـ اجلس قليلا وحدثني اكثر عن الاوضاع فأمركم يهمنا ! ـ يا اخي انا من محافظة ابين , مواطن بسيط لا أنتمي لأي حزب أو تنظيم .. وهي كغيرها من محافظاتنا مسرح لكثير من الفرق التمثيلية والتي وقعنا ضحية لها فصرنا مغلوبين على أمرنا , نتفاعل وفقا لسياسة الفرقة التي تعتلي المسرح نضحك مرة لأنها فرقة هزلية لا تطابق الواقع ولا تدانيه ومرة نبكي لأنها فرقة احترفت النكد وافساد البلاد والعباد ومرة تنخلع قلوبنا رعبا لأن الفرقة لا تعرف الا سيناريو العنف والدم .. واكثر الاوقات لا يظهر علينا أي تأثر او تفاعل لأننا لا نفقه شيئا مما يجري ولا ندري ما يريد مخرج العمل وفرقته ايصاله لنا .. وفي خضم هذا كله علينا ان نصفق اعجابا أو نفر هلعا أو نموت كمدا وعلى أقل تقدير نصمت تعبدا .. وحينما اشتد الامر وضاق الحال نزحنا الى مدينة عدن تاركين وراءنا كل شيء لنعيش عالة في وطن تمزع وجهه من التسول وانكسر ظهره من الفساد ـ ولماذا تقول انها تمثيلية ـ الدلائل تقول ذلك ! والا فقل لي كيف يسلم لواء معسكره لعدد من المقاتلين باسلحة خفيفة ان لم يكن الأمر مدبرا من قبل ؟ وكيف تسقط اقرب محافظة للعاصمة الثانية للبلاد دون ان يحرك النظام ساكنا إن لم يكن ذلك بغرض صرف الانظار عما يدور في الوطن من حراك وثورة ! وكيف تتنقل القاعدة في ارجاء الوطن دون وجل أو صدام , من عدن الى مارب الى ابين وعزان والى الجوف وسيئون والان هاهي تدخل رداع دون مقاومة تذكر إن لم يؤمن لها سبل المرور وأسباب السلامة ! ولماذا توقفت كل القوى المطالبة بالحقوق كالقاعدة والحراك والاحزاب السياسية عن عملها ونشاطها خلال دورة خليجي 20 , فلا منشورات ولا مظاهرات ولا عصيانا مدنيا إن لم يكن هناك تبادل مصالح مقابل ذلك ! والان ممكن تفعل لي بطاقة حسابي ! ـ ابشر ابشر .. وكيف ترى الوضع الان ! ـ

لا ادري فاكبر محلل سياسي لا بستطيع ان يؤكد معرفته بالخطوة القادمة .. اليمن ذبيحة اضطجعت ويقف جزاروها على راسها .. ومحل نزاعهم لمن الراس ولمن الفؤاد ! ولمن ظهرها ولمن أطرافها وحصة من لحمة الفخذ ولمن شحومها وحواياها ! ودخلت فينا دول تتنافس فيما بينها على الصدارة من خلال حلبة اليمن .. فتثبت احداهن قوتها على غيرها بصفعة على خد صنعاء وترد الاخرى بلكمة على جبين عدن , ولكل دولة رجالها وادواتها في الداخل .. ولعبة السياسة لا تعرف ثبات التحالفات فمن كان بالامس عدوا ويتبادل مع جيرانه وخصومه الرصاص قد يصبحان اليوم أو غدا حلفاء يتبادلان حسن الحوار وربما السلاح والمال ! فربما أتحد السعودي مع الحوثي والقطري مع الحاكم والسني مع الشيعي الامامي والقاعدي مع الامريكي والسلفي مع البريطاني والحراكي مع الشمالي ! يا اخي ارجوك خلص معاملتي وفعل بطاقتي فإن بضاعتي في السياسة مزجاة وخبرتي ضعيفة ! ـ

خلاص قربت أنتهي ! ولكن قل لي كبف ترى الغد عندكم ! ـ الغد عندنا هو نفسه بعد الغد عندكم ! وكان البنك قد يزدحم بالرواد .. ثم قال مستدركا أأأقصد ان الخير سيكون غدا عندنا كما هو دائم عندكم باذن الله ! ولكن بلادنا وضعها يختلف فتخيل جفنة طعام تتناولها عشر أيد جائعة كيف سيكون شكلها بعد الفراغ منها , ممزقة مقطعة مفتتة ! عندنا حوثية مذهبية .. وقاعدة تدميرية .. وحراك جنوبي غاضب من كل المظاهر الشمالية .. وسلفية بدأت تدرك أصول اللعبة .. واحزاب لقاء مشترك تحالفاتها غير مستقرة .. وحاكم لا يريد ان يعترف بجرائمه وهزيمته .. وثورة دارت مع دوامة السياسة حتى أصابها الغثيان والدوخة .. فمن تظنه سيقرر مستقبل اليمن الجديد ؟ ـ لقد انتهت معاملتك تفضل ادخل رقمك السري الجديد ! وبعد يومين كان ابراهيم بقف امام رجل يسأله بصرامة : ماذا قلت لموظف استقبال العملاء في البنك قبل ايام ؟! فرد قائلا : أريد تفعيل بطاقة حسابي المصرفي لديكم !


في الثلاثاء 17 يناير-كانون الثاني 2012 03:19:57 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=