ثورة أم تصفية حسابات؟
منال القدسي
منال القدسي

على مرّ التاريخ اليمني, الصراعات القبلية يكون الهدف منها إثبات القدرة على استخدام القوة للدفاع عن موقف رمزي أكثر من كونه إيقاع هزيمة بالخصم, فالصراع يشتد حتى يصل إلى حافة الهاوية، لتعود بعده الأطراف المتصارعة الى التسوية لحفظ ماء الوجه.

فالمعروف ان ثقافة القبيلي مبنية على البهررة وحمررة العين (والقبائل يغبطون حُمر العيون)، وما ان يرى بان الامور اخذت منحى اخر اكثر جدية حتى يبدأ بالتراجع والقبول بالحلول والتسويات.. وقد درجنا على سماع بأن قبيلة فلان اقتتلت مع قبيلة علان وبلغ الاقتتال ذروته لعدة ايام او اسابيع وربما شهور واُستخدمت في تلك المواجهات الأسلحة الخفيفة وربما المتوسطة، إلا اننا لم نسمع بان هذه القبيلة او تلك خسرت قتلى أو ضحايا، وأن حدث ذلك فأنه لن يكون اكثر من جريحين او ثلاثة بالخطأ؛ لأن ما يحدث ليس الا استعراض للقوة (مبارزة) لتبيان الطرف الاقوى والاقدر.. وبنفس الوقت يكون الوسطاء قد تتدخلوا وبدأت عمليات مساومات محمومة للتوصل لحلول مرضية، يكون فيها الطرف الأقوى هو الأقدر على تحقيق أكبر قدر من المكسب امام تنازلات من الطرف الآخر، ويكون الطرف الأضعف عرف حجمه.. وطبعا السلاح والذخائر ملك القبيلي والذخيرة والأكل والمصروف والقات من الشيخ والذي يعوضها من القبيلي مرة اخرى بشكل او بآخر، وجزء كبير من المال تقدمه الدولة لتهدئة الأمور وبحسب علاقتها بكل طرف يكون كرم الدولة لتزمل بعد ذلك القبائل بزامل "دولة عظيمة ومن يعصي الدولة".. اما لماذا تقدم الدولة تعويضات ودعم للطرفين المقتتلين فلها مآرب أخرى ان لم تكن شريكا في تقوية طرف على الآخر ..هذه اصول القبيلة في القتال وتلك سياسة الدولة العظيمة في تسيير شؤون البلاد.

ولعلنا نتفاجأ بعد مرور ما يقارب السبعة اشهر من عمر الثورة اليمنية انها لم تكن سوى تصفية حسابات (مبارزة) بين رفيقي الدرب علي صالح وعلي محسن "وعلي يا علي على عيني يا علي" ومن منا لا يتذكر هذه الأغنية التي غنتها فنانة مصرية لـ علي محسن لاعب الكرة اليمني الشهير في نادي الزمالك.

علي محسن الاحمر اللواء المنشق عن عصا الطاعة "بحسب صالح" لعب دوراً كبيراً في ارتقاء علي صالح للسلطة عام 1978م, فالفضل يعود إليه في دعم أركان نظام صالح وبقاءه، إلا أن الأخير انقلب على رفيقه وعلى طريقة القبيلة وإنما هذه المرة المبارزة بجيش مسلح ودبابات ومدرعات وصواريخ وطائرات ولا أحد يعلم كيف ستكون نهاية هذه المبارزة أو متى؟ والباب مفتوح أمام كل التوقعات.. إلا أنه يرجح أن تنتهي بالصلح كما عودتنا القبائل، وإن حدثت مواجهة فستكون محدودة والوسطاء جاهزون للتهدئة وهم بانتظار على أحر من الجمر للقيام بدور الوساطة، ولعل الكل قرأ عن الوساطة المحمومة التي يسعى اليها مشائخ للتوسط بين طرفي النزاع، والتي فحواها قذف علي محسن ومجموعته ونجل صالح وأقاربه الى السعودية منها يؤدون العمرة ومنها يطيبوا خواطر بعضهم وربما لتهيئة فرصة للعتاب ولكن هذه المرة لم يطب للوسطاء ان يكون "البراغله" خارج عملية القذف كونهم ليسوا طرفاً في النزاع وقد استدرك الوسطاء ذلك وبكل بجاحة ليضموا كافة احزاب اللقاء المشترك وهكذا تخرج كل الاطراف خارج البلاد وبعد ذلك تهدأ الأمور ويعود الجميع ما عدا البراغله، فهكذا تعودنا من القبيلي "تخرجهُ من الباب يعود لك من الطاقة" وأحداث أغسطس عام 68م ما زالت عالقة بالذهن حينما نُفيت أطراف النزاع الى الجزائر ولم يمر وقت طويل حيث سمح لبعض الاطراف ان تعود دون غيرهم.

إن علي محسن هو من أوصل علي صالح إلى سدة الحكم حين تمكن من السيطرة على مبنى القيادة المركزية بعد اغتيال احمد الغشمي ولعب دوراً كبيراً في اقناع نخبة من قبيلة سنحان ببيع اصولها وجمع الزلط لشراء دعم القادة العسكريين لصالح كي يصل الى كرسي الحكم، واتفق شيوخ سنحان على ما يسمى بـ "العهد" الذي تقف بموجبه القبيلة الى جانب صالح على ان يكون علي محسن هو التالي في خلافة صالح في الرئاسة ولم يتوقع أصحاب العهد بأن تستمر قيادتهم طوال هذه السنوات العجاف، فعندما تولى صالح الرئاسة راهن أحد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في صنعاء بأن صالح لن يستمر في الحكم اكثر من ستة شهور (حسب ما ذكرته صحيفة الفورين بوليسي الامريكية)، إلا ان مسالة الخلافة ظلت جامدة حتى العام 99م عندها بدأ صالح بسلسلة من التعديلات الدستورية لتمديد فترة ولايته الرئاسية من خمس الى سبع سنوات ليصفر العداد ويبدأ فتراته الرئاسية من جديد، فصالح لم ينتخب رئيساً رسمياً للبلاد الا في العام 99م واستمر في التعديلات الدستورية التي اراد منها ان يظل في منصبه حتى العام 2013م حينها يصبح عمر نجله احمد 40 عاماً وهو السن الدستوري لتولي الرئاسة.

ان مواقف صالح أغضبت النخبة من قبيلة صالح (سنحان) ومنهم علي محسن الاحمر الذي حاول الرئيس مراراً اغتياله والجميع قد سمع او قرأ قصة الاحداثيات الخاطئة التي قامت السلطات اليمنية بتزويد الطيران الحربي السعودي بها في احدى حروب صعده والتي كانت بغرض تصفية اللواء علي محسن.

أشياء كثيرة تدفع علي محسن لتصفية حساباته مع صالح، فـ علي محسن لطالما دعم صالح ابتداءً من ايصاله الى الرئاسة والوقوف بجانبه في كافة الحروب التي خاضها ضد خصومه ومعارضيه خاصة حرب صيف 94م والتي كان لـ علي محسن دوراً بارزاً فيها او في حروب صعده الستة، الا ان صالح قابل الحسنة بالسيئة فنقض وثيقة العهد وقتل محمد اسماعيل القاضي لانه قالها بصراحة في وجه صالح ووجه الجميع "صالح نقض العهد" ليقتل بعدها اسماعيل القاضي في حادث تحطم طائرة عسكرية، والقاضي هو احد المقربين وصديق حميم للواء علي محسن الاحمر (ومن الديمه).

شباب الثورة في اليمن فاجئوا الجميع في الداخل والخارج بخروجهم في الـ11من شهر فبراير منذ ما يقارب الـ 8 أشهر مطالبين باسقاط نظام صالح الجاثم على صدور اليمنيين 3 عقود ونيف من الزمن. هؤلاء الشباب ولدوا في عهد علي صالح، وشبوا في عهده، وتعرضوا للإهانات والذل في عهد صالح، فكان جل حلمهم اكمال دراستهم التعليمية او الحصول على وظيفة تضمن لهم حياة كريمة، فهم لا يحلمون بالعيش الرغيد وانما بحياة بسيطة يشعرون فيها بكرامتهم وبعدم المساس بآدميتهم وحقوقهم.

ومثلما هناك شباب من ابناء الشعب يحلمون بتغيير النظام, فهناك شباب من ابناء السلطة يحلمون باعتلاء كرسي الحكم لمزيدٍ من الجاه والمال، وهذا ما اشارت له بعض التسريبات من ان ما حدث في جامع النهدين وراءه اطراف من شباب الحاشية وان مخطط حادث الاغتيال كان مُعد قبل قيام الثورة، فهناك ثورة في القصر وثورة في الشارع ولكلٍ قِبلته.

في البداية كسبت الثورة تأييداً عارماً وباتت ثورة الشعب اليمني بكل فئاته وطبقاته وبمختلف انتماءاته السياسية وشكلت الطبقات الكادحة السواد الأعظم من هذه الثورة وهم وقود الثورة.

ولكن بعد مجزرة جمعة الكرامة في صنعاء والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 50 قتيلًا بدأت الثورة تأخذ منحىً ومنعطفًا آخر وتحول مسارها من ثورة إلى تصفية حسابات, وما زالت الحسابات عالقة حتى اللحظة.. اللواء علي محسن الذي انضم الى ثورة الشباب السلمية في الـ 21 من شهر مارس (بعد يومين من مجزرة الكرامة) ومسك بلجام الثورة ليقودها، لم يشكل انضمامه أية إضافة إلى ثورة الشباب بل على العكس لعب دوراً كبيراً في الامساك بلجام الثورة وتحول مسارها الثوري الغاضب الى ثورة في الساحات وفي الميكروفونات، ويبدو ان انضمامه للثورة كان نكاية برفيق دربه علي صالح وليس حباً بالثورة.

علي صالح وعلي محسن يستعرضان قوتهما قبل ان يصلا الى حل وتسوية تحفظ ماء الوجه, إلا أنه وفي كل الأحوال فإن الثورة قد أحدثت تغييراً لا يستطيع أحد إنكاره.. نعم قد تكون تصفية حسابات وهناك الكثير من الأقاويل الا انه من الممكن ان يتحكم طرف في البداية ولكنه قد يفقد السيطرة لتسير الامور نحو نهاية قد تحمل الكثير من المفاجآت.


في الجمعة 16 سبتمبر-أيلول 2011 07:19:03 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.net/articles.php?id=