تغلب المخزون الحضاري للشعوب على أنظمته الحاكمة
د شوقي الميموني
د شوقي الميموني

مرت على الشعوب العربية والإسلامية حقبة من الزمن عاشوا فيها زمانا غير زمانهم وقيما وسلوكا ومبادئ غير التي يمتلكونها ابتداء من الحرب الصليبية الأخيرة على البلدان العربية والإسلامية وبالتحديد بعد القضاء على الخلافة العثمانية التي كانت دولة مترامية الأطراف وممتدة على ثلاث قارات أسيا وأفريقيا وأوروبا يرأسها خليفة واحد جيشها وقرارها واحد مع تباين اللغة والجنس واللون إلا ان العقيدة الإسلامية هي من كانت جامعة وموحدة لهذا الخليط من الجنس البشري.

فالعقيدة الإسلامية وقوة التمسك بها كانت ولا تزال هي المعيار الأساسي لقوة الأمة الإسلامية وتوحدها. والبعد عنها وضعف التمسك بها ينعكس مباشرة على قوة ووحدة الأمة.

بعد ضعف دولة الخلافة الإسلامية في تركيا وابتعاد الناس عن عقيدتهم وانشغالهم بأشياء أخرى بداء الاختلاف والتنازع فشجع ذلك الوضع الدول الكبرى في ذلك الزمان على الهجوم عليها وتحالفت الدول ضدها ونهشتها من كل مكان حتى أسقطتها أرضا فسهل عليهم بعد ذلك السيطرة والاستيلاء عليها وتقاسمها بين الدول التي شاركت في الإجهاز عليها .

البلدان العربية كانت جزاء لا يتجزأ من هذه الخلافة أي أنها كانت الجزاء الأكبر من الغنيمة قسمت أراضيها وترابها وأصبحت دويلات صغيرة متفرقة ضعيفة مستعمرة مهانه فقدت عزتها وكرامتها وقرارها.

أما الدول الإسلامية غير العربية فقد حاول المحتل احتواءها ودمجها في محيطها بحيث تصبح جزاء لا يتجزأ من فكره وثقافته بل كانوا يرمون إلى اكثر من ذلك تبديل دينها وقد نجحو كثيرا في تغيير فكر وثقافة تلك الشعوب بدرجة كبيرة إلا انهم لم يستطيعوا استئصال عقيدتهم بالكامل .

استمر وضع الدول العربية بهذا الشكل لفترة غير قليلة من الزمن وهي ترزح تحت الاحتلال والذلة والمهانة لكن الشعوب تنبهت وصحت من سباتها وادركت حجم الخطر الذي يجثم عليها فثارت وانتفضت على محتليها وبداءة رحلة التحرر من الاستعمار في المنطقة العربية .

ادركت الدول المحتلة لبلداننا العربية أن بقائهم عسكريا سوف يكلفهم الكثير فاجتمعوا فيما بينهم وخرجوا باتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الأمة الإسلامية إلى دويلات صغيرا بحدود وهمية توزعوها فيما بينهم .

نعم تحررت الدول العربية من الاستعمار الأجنبي لكنهم لم يدركوا مقدار الحالة التي وصلوا إليها من الفرقة والضعف والانقسام والخصام والاختلاف فيما بينهم على قطعة ارض أو جزيرة أو حقل نفط أو غيره من الأمور الصغيرة.

الحقيقة ان الاستعمار العسكري غادر بلداننا لكنه بقي محتلا لها بطريقة أخرى استطاع المحتل السيطرة على مجموعة من الأشخاص هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا رباهم بطريقته وأزال منهم قيمهم وأخلاقهم وسلوكهم الإسلامية والعربية وحل محلها القيم والأخلاق والسلوك الغربية والشرقية التي لا تمت إلينا بصلة ثم غرسهم في بلداننا ومدتهم بكل أسباب القوة والغلبة واستطاعوا بذلك السيطرة على مقاليد الحكم في بلداننا العربية فأصبحوا أداة لإعداء امتنا الإسلامية ينفذون من خلالهم كل ما يريدونه فمن خلالهم نهبت ثرواتنا وزور تاريخنا وبدلت ثقافتنا وتغير سلوكنا ،حاولوا طمس هويتنا بتربية جيل خال من أي عقيدة أو ولاء حتى أوصلونا حكامنا إلى ادنى مستوى للأمم تخلفا ، صور حكامنا للعالم أننا شعوب همجية وقنابل موقوته وخطر على العالم فاصبحنا في نظر العالم من مثل الجرب يفر منه الناس أينما سمعوا به .

عطلت طاقات المجتمع العلمية والإبداعية والثقافية والفكرية وحل محلها الفساد والرشوة والمحسوبية واللهو والمجون والاشتغال بالأشياء التافهة.

ضيق على المجتمعات في أرزاقهم وحرياتهم حتى وصل بهم الحال إلى أن فرضو على المجتمع ما يقرؤون وما يسمعون بما يتناسب مع هوى الحاكم وفكره وثقافته متشبهين في ذلك بأستاذهم الأول فرعون حيث قال الله تعالى عنه في تعامله مع شعبه (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

لكن الحكام في الشعوب العربية والإسلامية لم يفقهوا واقع شعوبهم وما يحملون من مخزون حضاري لا يمكن لأي قوة في الأرض القضاء عليه نعم يمكن تخدير الشعوب الإسلامية وتغييبها عن واقعها لفترة فقط لكن لا يمكن ان تموت أبدا.

فالدول الإسلامية غير العربية في أسيا التي تعرف بالجمهوريات الإسلامية والتي احتلتها روسيا والدول الإسلامية في أوروبا مثل البوسنة والهرسك وألبانيا التي احتلتها الصرب والشيك وغيرها في أفريقيا حاولوا طمس هوياتهم حتى انسوهم تاريخهم وشعائر دينهم ولم يعد لهم من الإسلام إلا اسمه لكنهم ضلوا مسلمين ولو لم يعجب أعداءهم بقاءهم مسلمين ولو بالاسم فشنوا عليهم حرب إبادة مروعة كما حصل في البوسنة والهرسك فبرز المخزون الحضاري لهذه الأمم ورجعوا إلى دينهم وثقافتهم وتاريخهم وضحو بالغالي والنفيس من أجله.

أما تركيا حاضرة الخلافة العثمانية لم يستعمروها عسكريا لكنهم استعمروها من الداخل كانت الهجمة شرسة علهم حتى أفقدتها هويتها وحاربوا كل ما يمت للإسلام بصلة كاللغة العربية والأذان والصلاة والقران والتاريخ وغيره واحلو محله كل ما من شانهم تقريبهم من ثقافة وسلوك وأخلاق أعداءهم.

لكننا نرى اليوم واقعهم جليا للعيان فبمجرد إزاحة الغبار عما يحملون من مخزون حضاري برزت هويتهم السابقة جلية ناصعة كان لم يمسسها سواء.

في بلداننا العربية الأمر كان اشد والتضييق اشد ومحاصرة الأفكار كانت اشد لكن بعد انتشار الوسائل العلمية كالفضائيات والأنترنت وتقارب العالم فاصبح كالقرية الواحدة فقد الحكام السيطرة وخلق الواقع الجديد جيلا جديدا يحمل فكرا وثقافة وسلوكا غير الذي يريدها الحكام برز إلى الواقع المخزون الحضاري للشعوب العربية الذي توارثوه جيلا بعد جيل منذ صدر الإسلام

اتضح للجميع الفرق بين ما تحمله الشعوب من فكر وثقافة وتصور للحياة وبين ما حمله الحكام فخلال اشهر الثورة في اليمن على سبيل المثال ابرز الشعب اليمني بضاعته المتمثلة في أخلاق وسلوكيات عظيمة تجلت في واقعها وإعلانها المنهج السلمي لا سقاط النظام الفاسد المستبد وتصورها الفريد لتغيير واقعها المتخلف إلى واقع جديد تتجلى فيه الدولة المدنية بابها صورها دولة يمنية حديثة قائمة على الحرية العدلة الاجتماعية هيمنة الدستور وسيادة القانون ومبدئ الفصل بين السلطات والتوزيع العادل للثروة وغيرها من الأسس الحياتية التي حث عليها ديننا الحنيف.

في المقابل ابرز الحاكم بضاعته العفنة أولها رفضة المطلق وتجاهله لمطالب الشعب اليمني بل وصل به الحال إلى القتل والتشريد ونهب وتخريب مقدرات الشعب والكذب وتزوير الحقائق عبر وسائل الأعلام الرسمية كل هذا واكثر وهم متمرسين خلف آلة الحرب التي بنوها واعدوها لمثل هذا اليوم لانهم كانوا يعتقدون في قرارة انفسهم ان منهجهم وطريقيهم في الحياة باطلة .

ادركت أخي القارئ الكريم الفرق الشاسع بين المخزون الحضاري للشعوب العربية والإسلامية وبين حكامهم الذين صنعوا خارج بلدانهم.


في الثلاثاء 19 يوليو-تموز 2011 09:45:59 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=11070