د. محمد جميح
اليمن والسياسة الخارجية الأميركية
د. محمد جميح
نشر منذ : 7 سنوات و شهرين و 24 يوماً | الأربعاء 25 أغسطس-آب 2010 10:45 م

في عدد مايو (أيار) - يونيو (حزيران) 2010 من مجلة «السياسة الخارجية» الأميركية كتب روبرت غيتس وزير دفاع الولايات المتحدة الأميركية قائلا: «خلال العقود المقبلة من المرجح أن تصدر أكثر التهديدات ضراوة لأمن الولايات المتحدة وسلامتها من الدول التي تفتقد القدرة الكافية للحكم والتي تعجز عن حماية أمن أراضيها. وسيشكل التعامل سواء مع الدول المحطمة ( Fractured States ) أو مع الدول الفاشلة ( Failed States ) التحدي الأكبر لمنظومة الأمن في عصرنا هذا».

وحسب مؤشر الخطورة الذي أعدته هذه المجلة ذائعة الصيت فإن الولايات المتحدة قلقة من الأوضاع في نحو ستين دولة في العالم تشهد اضطرابات أمنية، ولا تحكم السيطرة على أجزاء من ترابها الوطني وتمر بظروف بالغة التعقيد. ومع الأسف فإن أربع دول أعضاء في الجامعة العربية تحتل المراتب الأربع الأولى على شاشة الرادار حسب رؤية المجلة، هذه الدول هي: الصومال والسودان والعراق واليمن.

وهذا ما دفع بالولايات المتحدة - حسب تقارير غربية - إلى القيام بعدد من العمليات السرية في عدد من الدول التي تصنف على أنها تعاني من مشكلات أمنية قد تنعكس سلبا على أمن للولايات المتحدة.

وقد ورد في تقرير أعده جرمي شارب الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط لدائرة الأبحاث في الكونغرس الأميركي أن بعض الخبراء يرون «أن الولايات المتحدة ينبغي أن تعطي اليمن مزيدا من الاهتمام لأن فشل الدولة في اليمن سيكون ذا تأثير مباشر على الأمن القومي الأميركي، في حين يرى آخرون أن عدم الاستقرار في اليمن سيؤثر ليس على مصالح الولايات المتحدة فقط ولكن على أمن إمدادات الطاقة العالمية بسبب الموقع الاستراتيجي لليمن على باب المندب».

اليمن إذن يشكل هاجسا أمنيا للولايات المتحدة ويمتد الاهتمام بالملف الأمني في اليمن إلى تاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000 وهو تاريخ الهجوم الدامي على المدمرة الأميركية USS Cole في ميناء عدن الذي قتل فيه 17 وجرح 39 بحارا أميركيا في هجوم يعد الأكثر دموية على الأميركيين منذ عام 1887.

وقد حظي اليمن مؤخرا بتغطية إعلامية كثيفة حتى إن هذا البلد قفز من الخانة التي تسبق موريتانيا إلى الخانة التي تلي العراق مباشرة في ترتيب الدول العربية حسب نصيبها من التغطية في وسائل الإعلام الغربية. بل إن معدل ذكر اليمن في وسائل الإعلام المذكورة قد تضاعف أربع مرات خلال الأشهر التي تلت «غزوة ديترويت» يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 2009 عندما حاول الشاب النيجيري عمر الفاروق تفجير طائرة شركة «خطوط الشمال» فوق سماء ديترويت التي يقال إن منفذها تلقى تدريبات في اليمن.

وفي مؤشر على حساسية شاشة الرادار الأميركي في التقاط صورة الأوضاع الأمنية في اليمن، كتب عضو الكونغرس الأميركي فرانك ولف في 28 من ديسمبر الماضي رسالة إلى الرئيس أوباما يطالبه فيها بعدم ترحيل معتقلي غوانتانامو اليمنيين إلى اليمن وذلك لعدم استقرار الأوضاع في البلد، وقد تردد أوباما في ذلك بادئ الأمر غير أنه - أخيرا - وافق على عدم ترحيلهم.

وعلى الرغم من خطورة الأوضاع الأمنية في اليمن - من وجهة نظر الأميركيين - فإن الاتجاه السائد لدى إدارة الرئيس أوباما هو ما مثلته تصريحات رئيس أركان الجيوش الأميركية المشتركة الأدميرال مايكل مولن من أن الدعم العسكري الأميركي لليمن سيظل محصورا في المراقبة والتدريب دون الإشارة إلى تدخل عسكري مباشر في الملف الأمني اليمني الذي يبدو أن الأميركيين لا يزالون يفضلون التعامل معه عن طريق التنسيق مع الحكومة اليمنية. وذلك لأن «أكبر خطأ يمكن للبيت الأبيض أن يرتكبه هو القيام بإرسال قوات أميركية إلى اليمن، مما سيشكل خطرا على جهود الحرب في أفغانستان، وسيعطي للجهاديين فرصة أخرى للمواجهة. فمن تجارب العراق وأفغانستان يتضح أنه ليس من الصعب تحقيق نصر عسكري، ولكن النصر العسكري شيء وتحويله إلى وسيلة فعالة في مواجهة الإرهاب شيء آخر مختلف تماما». حسبما جاء في تقرير مترجم إلى الإنجليزية لصحيفة «البيس» الإسبانية الشهيرة.

والمشكلة التي تعتري الآلية الأميركية لمقاربة الحالة اليمنية هي أن الولايات المتحدة - بشكل عام - لا ترى أو لا يهمها من الأزمة في اليمن إلا شقها الأمني الذي ترى أنه يمس الأمن في شوارع واشنطن وسماء ديترويت، مع أن البعد الأمني للأزمة في اليمن ليس إلا تجليا للأوضاع الاقتصادية المتردية في هذا البلد الذي احتل الخانة 153 من بين 177 دولة ضمن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بين عامي 2007 و2008 مما يجعله مماثلا لحالة الدول الأفريقية الأكثر فقرا جنوب الصحراء. وإذا كان ذلك هو الوضع في عامي 2007 و2008 فلا بد أن المشكل الاقتصادي قد ازداد تعقيدا في العامين التاليين: 2009 و2010.

المعضلة الأخرى في المقاربة الأميركية للمشكل الأمني في اليمن هي أن الولايات المتحدة في حربها على «تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» الذي يتخذ بعض قيادييه من اليمن مأوى لهم (يقدر بعض الدارسين عدد أعضاء «القاعدة» في اليمن بما بين 300 إلى 500 مقاتل)، ترتكب أخطاء قاتلة فيما يخص جانب التنسيق مع الحكومة اليمنية والتخطيط للضربات الجوية التي غالبا ما تستهدف الأبرياء، والتي وإن أصابت بعض أهدافها فإن عدد الضحايا من المدنيين يفوق بكثير عدد المستهدفين من أعضاء «القاعدة»، كما حدث في عدد من الضربات الجوية الأخيرة التي راح ضحية إحداها مسؤول حكومي بارز هو جابر الشبواني رئيس المجلس المحلي بمحافظة مأرب في خطأ فادح نشأ عن ضربة جوية ذهبت بعض التقارير الغربية إلى أنها أميركية. هذه الأخطاء المشار إليها تكون نتائجها مزيدا من الالتفاف حول هذا التنظيم من قبل بعض القطاعات القبلية المتضررة من الطلعات الجوية العشوائية، كما تكون نتائجها إظهار الحكومة في صنعاء على أنها تعمل مع الأميركيين «أعداء العرب والمسلمين» مما يسهل تصنيف «القاعدة» للحكومة على أنها عميلة لـ«التحالف اليهودي الصليبي» المعادي للإسلام والمسلمين، ناهيك عن الحرج الشديد الذي تجد الحكومة اليمنية نفسها فيه جراء أحاديث انتهاك السيادة الوطنية.

ومن ضمن الأخطاء التي يقع فيها الأميركيون في تعاملهم مع المشكل الأمني في اليمن، أنهم لا يرون فيه إلا الشق المتعلق بـ«القاعدة» مع أن الأخيرة لم تكن لتحظى بما حظيت به من ملاذات آمنة في بعض المناطق في الجنوب أو الشمال إلا لانشغال الجيش والقوى الأمنية في مواجهة المتمردين الحوثيين الذين يخوضون حربهم ضد الدولة تحت الشعار الإيراني «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل»، ناهيك عن الفراغ الأمني الناشئ بفعل أعمال العنف التي يشنها الانفصاليون في بعض المناطق في الجنوب والتي وفرت أيضا ملاذات آمنة لبعض العناصر من «القاعدة» في بعض الجبال والمغارات.

أخيرا يقول توماس فريدمان كاتب «نيويورك تايمز» في «بطاقة بريدية» بعث بها من صنعاء إلى نيويورك بعد زيارة لليمن أعقبت «غزوة ديترويت»: «لحسن الحظ أن صنعاء ليست كابل، واليمن ليست أفغانستان، ليس بعد»، غير أن عبارة «ليس بعد» تبعث على القلق فيما يخص التطورات المستقبلية، كما أن فريدمان المقرب من دوائر صنع القرار الأميركي يعود فيقول «ولكن اليمن ليست الدنمارك كذلك».

وبين المسافة التي تفصل اليمن عن أفغانستان والأخرى التي تفصله عن الدنمارك يبدو أن راسمي القرار في الخارجية الأميركية يلزمهم مزيد من الجهد للتوصل إلى الطريقة المثلى للتعامل مع البلد الذي يطل على الممر المائي الذي يمر خلاله السائل الأسود الذي يعد عصب الحياة الاقتصادية الأميركية.

* كاتب يمني مقيم - في بريطانيا

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 6
    • 1) » اكرامية الجميح الله يزيدها
      ابن البلد المستور الجميح من ابناء اليمن الذين يسكنون في برمنجهام بالمملكه المتحده وكل يوم من بار لبار ومن ملهى ليلي الى اخر وهي يستلم راتب شهري قدره الفان جنيه استرليني من السفاره اليمنيه في لندن من اجل الكتابه والضهور على الفضائيات مدافعا عن النظام اليمني وعلى فكره نحن نخرج معاه بشكل منتظم ونستفيد من كرمه في الصرف على الخمر الذي ابتلانا الله به كل ليله ونحن ننتهز هذه الفرصه لصرف المال الحرام على الحرام وعلى فكره هو والله حمار ما يفهم حاجه زي صورته قفل يعني قفل بس المصالح وربنا يهدينا اجمعين
      7 سنوات و شهرين و 24 يوماً    
    • 2) » قليلا من الحياء يا المستور
      رزامي الى المعلق رقم واحد اقول ان من افواهكم نستقي الحكمة حسب رؤية لقمان الحكيم

      قليلا من الحياء يا المستور فرمضان له جلاله وقدسيته

      اين الرقيب في الموقع لماذا لم تراقبوا رد هذا البليد الذي لم يراقب الله تعالى
      ويحترم هذا الشهر الفضيل

      والله انك تزيد من ثقة الناس في الكاتب بما تتلفظ به فمثلك كمثل من احضروا الفرنسيات وزجاجات الخمر ليتهموا الشهيد الحمدي بما ليس فيه فذهب اولئك وبقي الذكر الطيب للحمدي الله يرحمه

      لكن صحيح فقد قيل في الاثر اذا لم تستح فاصنع ماشئت
      7 سنوات و شهرين و 23 يوماً    
    • 3) » حفظك الله يا الجميح
      مهاجر يعشق اليمن الدكتور الجميح حماك الله ولله درك من كاتب مبدع ومحلل ماهر ومحاور لايجارى....
      ايها الغالي مزيد من التألق في سماء المبدعين، ولا تعر اهتمام لاصحاب (السعار) فاالكذب وتزييف الوعي ابرع وسائلهم..
      7 سنوات و شهرين و 23 يوماً    
    • 4) » لا للحوثيين
      مواطن شريف الجميح لا يعيش في برمنجهام و انما في ليفربول و اذا اردت ان تجده فهو يصلي الفروض في مسجد الرحمة الواقع في 29-31 Hatherley Street, Liverpool,
      اما ما قاله رقم واحد فانما هو دليل على اخلاق الحوثيين الفاضلة المستمدة من شيخهم عبدالله بن حمزة قاتل مائة الف يمني لانهم رفضوا القبول بالحق الالهي بالحكم
      7 سنوات و شهرين و 23 يوماً    
    • 5) » بوركت
      عبدالله أقول بوركت يادكتور وتحليلك واقعي وذودرجة عاليه من الفهم زادنا الله واياكم من علمه ونفع بكم الامة
      وللمعلق رقم (1)الكذب دينكم وغيبة الناس كما يقول سيدكم المجوسي الخائني بجواز الغيبه والفرية على مخالفيكم وتفتخر بالمجون وشرب الخمر قبحك الله وعافانا وجميع المسلمين من الحثالة أمثالك
      7 سنوات و شهرين و 9 أيام    
    • 6) » وماهي ألاخطاء في فهم القيادة اليمنية للسياسة الامريكية
      أبو أحمد أصبت ياأستادفي تصوراتك حول بعض الاخفاقات في السياسة الامريكية في اليمن مع ملاحظة أن قضية "الحوثيين" لا ينظر اليها فيأمريكا بنفس الطريقة التي ترأها انت ا الحكومة اليمنية. والمشكلةالكبرى هنا هي في عدم وجود اي استراتيجية يمنية او حتى فكرة لكيفية التعامل مع السياسة الامريكية بشقيها الايجابي والسلبي في اليمن.
      فمازال وبعد عشارات الزيارات "الفاشلة" التي قام بها الرئيس علي عبدالله صالح للولايات المتحدة الامريكة مازال يستجدي ويلح على زيارة أمريكالتسوية الامور "مع الرئيس" كما يعتقد وهد كماتعرف ويعرف الجميع تصور قصربل وخاطى عن السياسة الامريكية والالية التي تعمل بها. والاسباب كثيرة ومتعددة لهدا الفهم الخاطى عند الرئيس تبداءبه شخصياًوطريقة واسلوب حكمه وتنتهي بموظفين في وزارة الخارجية أولهم طبيب وأخرهم سفير"مدى الحية" لا يحاسب ولا يعاقب هو صهير الرئيس.وماخوفي أعظم.
      6 سنوات و 10 أشهر و 9 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية