ياسر عبد الباقي
سعيدة.....
ياسر عبد الباقي
نشر منذ : 7 سنوات و 8 أشهر و 8 أيام | السبت 03 إبريل-نيسان 2010 10:25 م

"للصديقين علي المقري وعمرو الإرياني"

اسمي سعيدة, غالبا ما يستعمل هذا في مجموعتنا.. لكن سريعا ما كرهت هذا الاسم, رغم جمال معناه.

أصبحت واعية في سن مبكر.. لم أبلغ الخامسة, حتى أدركت كثيراً: لمَ الناس المختلفون يكرهوننا.

بدأ اسم علي المقري يتردد أكثر من مرة في أحاديث عيال حارتي. كنت أحسبه لاعباً, فالكرة بعد القات تستهوي الشباب, كنت أظن في بداية الأمر أن المقري منا.

حتى استوقفت مرة حسن وهو يمر بجانب بيتنا.. سألته: لأي نادي يلعب المقري؟

نظر إليّ بدهشة.. ثم انفجر ضاحكاً: لاعب!! هذا كاتب.. هذا كاتبنا.

ومشى مبتعداً عني وفي عينيه سخرية, وفي وجهي دهشة: أي كاتب يستهوي عيال حارتي؟! وهم لا يستهويهم قراءة الجرائد أو الكتب.

(صرنمبح) الصياد توقف أمامي دون أن أشعر به: سعيدة تتزوجيني؟

توقفت جارتنا أم جمال في ركن الحافة. قالت بصوت مرتفع: (صرنمبح).. سعيدة لابني جمال وكل عيال الحافة يعرفوا هذا.

دخلت بيتي.. حين بدا صوت (صرنمبح) وأم جمال في الارتفاع.

عادت أمي وأخي من السوق حاملين الكثير من الخضار.. هتف أخي الصغير: سعيدة شوفي.

كان قد جعل يده الصغيرة مثل القبضة.. ثم كشف عن نقود معدنية تملأ كفه:

- سعيدة حصلت اليوم على ثمانين ريالاً.

غالباً، أمي لا تشتري الخضار.. فهي تحصل عليها مجاناً مقابل عملها مع بائع الخضار إذ تقوم بتنظيف الخضار من الأوساخ أو الأتربة.. حين كنت طفلة كنت أذهب مع أمي. لكني منذ خمس سنوات امتنعت عن الذهاب معها.

كان ابن صاحب بائع الخضار قد حاول التحرش بي. كان أصغر مني سناً. لكن ما إن أظهر لي رمز فحولته, أدركت أنه كبر وسيحاول كثيراً التقرب مني. حتى أنه مرةً أمسك يدي وقال: سعيدة أنا أتمني أجرب معاك.

اعتاد (صرنمبح) أن يشتري لي من حين إلى آخر المجلات أو الجرائد القديمة, كان يعرف أني أحب قراءة الصحف أو المجلات الفنية. وعندما أفرغ منها, يأخذها مني ليبيعها مرة أخرى بثمن أقل.

ورأيت صورة لرجل أبيض يلبس نظارة عريضة وبدا شاربه كثيفا, وكتب تحت الصورة الروائي على المقري.. كان يدور الحديث عن رواية كتبها المقري عن حياة الأخدام.. بدت بعض المقتطفات من الرواية مثيرة وغريبة. احتفظت بنسخة الجريدة. وطلبت من (صرنمبح) أن يبحث لي عن الرواية.

تركت الدراسة في أول ثانوي.. أخبرتني أمي بأنها لا تقدر أن تصرف عليَّ.. كنت اكتفيت من الدراسة. وفضلت البقاء في البيت. وأخي ناصر يعمل في بلدية المدينة براتب يومي.. مصروفه للقات أو التمبل. كثيرا من الأوقات لا نشاهده في المنزل. أخبرني مرة أنه تزوج ويقيم في صندقة من الزنك في أعلى الجبل أمام حارتنا.

- ذاك هو البيت هل تشاهدينه.

أشار بيده نحو عشة صغيرة من الزنك. كانت الشمس الحارقة تعطي العشة لمعة واضحة للعيان.

- هل أعرفها؟!

لم يشأ أن يخبرني من هي زوجته.. تركني دون أن يقول شيئاً..

توقفت سيارة أمامي.. وقال سائقها:

- يا حلو أقدر أوصلك؟

تابعت المشي بخطوات سريعة.. وتابع هو السير نحوي:

- أوصلك .. ونتعرف .. سأعجبك؟!

التفتُّ نحوه غاضبة, ثم حدقت بالسائق الشاب في دهشة وصرخت:

- عادل! مش معقول؟!

ارتبك عادل.. ثم قال:

- هل تعرفينني؟

- طبعا! مش أختك سالي؟

- آه

فتحت باب السيارة وركبت بجانبه.

شعرت بخجل شديد عندما رأيته يرتدي سروالاً قصيراً جداً, يُظهر فخذهُ الأبيض المغطى بالشعر.

قلت:

- سعيدة, صديقة أختك سالي.. هذا كان زماااااان.

انفجر عادل فرحاً:

- أيوه تذكرتك.. مش معقول!! من يصدق أني سأراك مرة أخرى؟ كيف حالك؟ أيش أخبارك؟

سألته عن سالي, أخبرني أنها تزوجت وسافرت إلى ألمانيا.

كنت في السادسة من العمر عندما تعرفت على سالي. كان لسالي وجه ملائكي جميل. اعتادت سالي كلما وجدت فرصة تأتي لتزورني في منزلي دون علم والدتها. ثم اصطحبت معها أخاها عادل الذي يكبرها بثلاث سنوات. كانت حياتنا مختلفة كثيراً عن حياتهم, لم يكن هناك نظام معين في حياتنا نعيش من أجله. تأثر عادل بنا كثيراً وانخرط أكثر في حارتنا, وبدأت تصرفاته وكلامه تتغير, كان أكثر تمرداً من أخته, حتى أن والده تبعه مرة بعد أن دهش من تصرفات ابنه الغريبة.. حتى رآه يدخل حارتنا, ثم بيتنا.

دفع والده باب بيتنا برجله وكان يصطحب عسكرياً, أمسك أبنه من شعره, ثم وجه كلامه إليَّ.. وقد كنت وحدي في البيت:

- ابتعدي عن ابني.. وإلا كسرت عظامك.

وجر عادل خلفه. كان عادل صامتاً, لم يشأ أن يبكي أمامي. تبعتهم خلسة. بمجرد أن خرجوا من حارتنا, انفجر عادل بالبكاء.

لكن عادل الآن مختلف. كبر وأصبح شاباً ووسيماً جداً, رأيته مرة قبل سنة ومعه فتاة من حارتنا.. وأيقنت أن عادل لن يتغير تجاهنا, ما زالت رائحتنا وحياتنا تعجبه.

قلت له: يجب أن تأتي يوما إلى بيتنا.. ستفرح أمي بك.

- ما زالت أمك تلك العجوز.

- طبعا.. أمي هي هي.. لم تتغير. وأخي تزوج وطلع الجبل ليسكن فيه.

- وأنت

- أعتقد أني سوف أتزوج قريباً.

- جميل.. أنا في الوقت الحالي لا أفكر بالزواج.

- عادل سأطلب منك شيئا هل تساعدني.

لا أدري لمَ سقطت عيناي سهواً على فخذه, بادلني بابتسامة بريئة. أخبرته أني أبحث عن رواية كتبها كاتب اسمه علي المقري. أخبرني أنه لم يسمع عنه. لكن لديه صديق وهو شاعر مجنون اسمه عمرو الإرياني لعله يساعد في البحث عن الكتاب. أعطاني رقم تلفونه. ودعت عادل وتمنيت منه أن يزورنا في بيتنا. أخبرته أن بيتنا قد تجدد. لم يعد من الصفيح. أصبح من الحجر, وأن التلفزيون والريسيفر قد دخلا إلى البيت, وكان لدينا تلفون لكنه مفصول منذ سنوات. أخبرته أيضاً أن حارتنا أصبحت أكثر تنظيماً من السابق.

- هناك أشياء كثيرة قد تغيرت يا عادل.. إن زيارتك لحارتنا ستكون مختلفة عن السابق.. أنت قد كبرت ولن يأتي أحد ليراقبك.

هز لي رأسه مبتسماً.

- لكن لا تأت بهذا السروال. إنه يكشف...!

لم يسمعني.. كان قد ابتعد, وهو يلوح لي بيده.. راقبته حتى ابتعد.. وفتاة أخرى تركب معه السيارة.

كان صوت عمرو سريعا في التلفون.. تذكرت عادل عندما أخبرني عنه بأنه شاعر مجنون.. لكنه لم يخبرني بأنه سريع الكلام.. كانت الساعة السادسة مساء عندما اتصلت به, لعله كان في هذا الوقت يمضغ القات.

- نعم.. نعم.. رواية علي المقري موجودة مع صديق لي.. أقدر أجيبها لكِ.

- بكره؟

صادفت في طريقي أمينة. أمينة امرأة في منتصف الأربعينيات. تزوجت أكثر من مرة. تهوى الرجال الصغار. أخبرتني مرة صديقة لي, أن أمينة مولعة على طول.

احتضنتني أمينة بشدة, لدرجة شعرت برجرجة صدرها. كنت في دهشة منها. بدت بشوشة وفرحة.

- هل تزوجت يا أمينة؟!!

ضحكت.. ضحكتها ذات رنين طويل وجذاب.. قالت وهي تدس كيس القات في صدرها:

- تزوجت يا حبيبتي.. نحن السابقون وانتم اللاحقوووووون.

طلب مني عمرو أن أحضر إلى مكتبه في الضرائب. كنت أفضل أن ألتقي به في المكتبة العامة. أخذتني الفراشة إلى عمرو. بدا لي مرهقاً, عندما أخبرته الفراشة بأني أبحث عنه. تفاجأ بي, لعله لم يتوقع لون بشرتي. بدا مترددا, التفت نحو زميله, وكان جالساً بجانبه صامتاً, يحدق بي, وإن كنت لمحت في عينيه سخرية خفيفة.

- تفضلي.. تفضلي.

جلست, وأنا أرى تردد عمرو. إن الحديث في التلفون لا يكشف لك حقيقة المتكلم, شكله ولونه, هكذا أحببت أن أخبره أن (لا يهتم بشكلي أو لوني). لكني فضلت الصمت قليلا, وإن لمحت زميله يغمز له, ثم يرحل, وهو يكاد يضحك.

- هل أحضرت الرواية؟!!

- نعم.. نعم

فتح حقيبته وأخرج الرواية.. وقال:

- ليست ملكي.

- سوف أصورها وأرجعها لك بعد أقل من ساعة.

 بدا فرحاً بفكرتي. كأني أنقذته من تردده.. يوم أمس كان متلهفاً لكي يعطيني النسخة.. والآن بدا مجبراً.

طلب من الفراشة أن تذهب معي وتعود بالراوية.

تفحصت الرواية سريعاً وأنا أهبط درجات مبنى الضرائب إلى الأسفل, الصفحة الأولى كتب عليها إهداء: "الصديق ياسر عبد الباقي. انحراف باتجاههم.. علي المقري" ماذا يقصد الكاتب بقوله: "انحراف باتجاههم".. هل هو انحراف سيئ؟! كنت متلهفة لقراءة الرواية.

عدت. وجدت أمي مصابة, أخبرني أخي بأنها أمي سقطت من على سلم السوق, وحدث لها كسر في إحدى أصابع القدم.

كانت تتألم بشده, ورحت أربط إصبعها المصابة, وطلبت منها أن تحاول النوم.

بدأت في قراءة الرواية.. بدأت تفاصيل الرواية عن حياتنا غريبة, جريئة.. تمنيت في هذه اللحظة أن أرى أب مريم.. كبير حارتنا. كان يحفظ كثيراً من الأغاني القديمة والأمثلة والحكم, كثيراً ما يروي لنا قصص أجدادنا. لكن قصصه تختلف عن رواية علي.. أيهما يكذب؟

مات أبو مريم واقفا. هكذا أخبروني. كان يغني وهو مستند على عصاه الشهيرة. توقف قلبه فجأة.. ومات.

غلبني النعاس. كانت الرواية ممتعة في فصولها.. لكن النوم أقوى.

اشتد الوجع على أمي.. وطلبت من أخي الصغير أن يذهب للجبل وينادي أخانا ناصراً. لكنه رفض.

فذهبت أنا غاضبة. كنت أشتم طوال الطريق, وألعن أخي الكبير وزوجته وصندقته.

أطلت من الصندقة أمينة بثوب خفيف يكشف صدرها المترهل:

- سعيدة.. ادخلي.. أخوك نائم.

كنت في دهشة كبيرة. أمينة أذاً كانت زوجة أخي.. أمينة "المولعة التي تحب الرجال الصغار".

كان أخي نائماً, نصف عار, قبلته أمينة في مؤخرته عمداً وقالت متدللة:

- زوجي حبيبي.. أختك.. هنا.

وقف فجأة مرتبكاً, وكادت تفلت منه الفوطة. نظر إليَّ بدهشة وارتباك ثم غضب:

- ايش جابك؟

فخذ أخي لا يشبه فخذ عادل.

لأخي جسد شديد السواد.. قال أيضا وهو يدفعني للخارج:

- لا تخبري أمي أنك شاهدتني مع...

- أمي مريضة.. تعال خذها إلى عيادة المصعبين.

مرة أخرى التقيت بعادل.. قلت له:

- خذني بعيداً.

سألني بدهشة:

- أين؟!

- حيث كنت تأخذ فاطمة وفوزية ومسعدة و...

حينما كان عادل يصطحبني معه بسيارته تذكرت ابن صاحب الخضار, عندما كان يستغل غياب والده ليسارع في التحرش بي. يستغلني وأستغله. يستغلني: أترك يده في الخفاء تتحسس صدري. أستغله: يعطيني الكثير من الفاكهة التي أحبها.

وحدنا في الشاطئ.. أنا وعادل.. كان الوقت ظهراً شديد الحرارة.

- إذاً إلى هنا كنت تأتي بحريمك؟!

- نعم.

بدا صوت عادل مختلفاً هذه المرة, كان ينظر إلى صدري وما تحت..

سألته:

- ما الذي يستهويك في الأخدام.. نحن ناس يمقتنا الكثيرون.

ابتسم عادل, وقال: من يشرب من مائكم ويأكل من طعامكم.. يموت معكم.

أعجبتني جملة عادل, وتمنيت أن يكون عادل مثل عبد الرحمن.. بطل رواية علي المقري..

لعادل رائحة تختلف عن (صرنمبح).. كل شيء مختلف عنه.. لا أحد يقطع سكينتنا.. سوى صوت الموج وتهتك صوتي.

*نقلا عن مجلة "صيف" اليمنية.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 1
    • 1) » ناقص حنان .. بس حلوووووه
      اللعبة ههههههههههههه .. خير يا ياسر، شكلك مليان وناقص حنان ههههههههههههههههه المشكلة مش منك من ماجد الداعري الذي شكلة عدائك هذه القصص الذي يكتبها أخر الليل
      7 سنوات و 8 أشهر و 6 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية