د. عبدالخالق هادي طواف
السياسي التاجر
د. عبدالخالق هادي طواف
نشر منذ : 8 سنوات و شهر و يوم واحد | الثلاثاء 10 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 07:35 م

يستوقفني كثيرا الفهم المغلوط لمعنى السياسة, والتي هي عبارة عن الحقل الذي يقتحمه القائمون بشكل أو بأخر على شؤون الحكم أو المهتمين بأي جانب من جوانبه, ويبدو أن اقتحام هذا المجال قد صار مطلباً للجميع, فالتاجر صار يستخدم قوة المال لاقتحام تحصينات السياسة, وسرعان ما ينجح في اكتساب تأييد الآخرين ليس بالتأثير العاطفي فحسب أو باستخدام الكاريزما الشخصية أو الخطابية, وإنما بتجنيد المال لشراء الإعجاب والشهرة وتحسين الصورة أمام جمهور الناس, وتراه ينجح بصورة سريعة كونه يستخدم المادة التي عزت على الكثيرين وهي المال, ولكنك تجد هذا السياسي التاجر يعتمد في تكوين مواقفه السياسية على حسابات الربح والخسارة, ولذا تراه يرفض تأييد السياسات التي تقلم أظافر أصحاب المال والأعمال وينبري للدفاع عن مبادئ الديمقراطية والاقتصاد الحر, وهو يعلم تمام العلم بأنه يستطيع في هذا المناخ "الديمقراطي الحر" أن يسيطر أكثر ويجني أكثر ويكون بمأمن من المساءلات الراديكالية (من أين لك هذا).

ولكن أليس من حق كل فرد أن يسعى إلى تحقيق الكسب الشخصي ما دام لا يخالف الأنظمة والقوانين, والإجابة نعم إنما الكسب السياسي يجب أن يمارسه السياسي بالأدوات السياسية وهي لا تتعدى ممارسة فن التأثير على الناس وإقامة المهرجانات وتدبيج المقالات والكتابات والاجتماعات مع جمهور الناخبين وعقد الندوات والمؤتمرات وإصدار الكتب والبرامج الحزبية والنشرات والصحف الحزبية, حيث إنها أدوات يمكن أن يمارسها السياسي "الفاضي والمليان", أما أن يقوم السياسي التاجر باحتكار السلطة واحتكار تقديم المشروعات العامة لمؤيديه, مع منعها عمن لا يؤيده, فهذا استخدام فاضح لآلة المال, حيث أن بعض مقتحمي السياسة من التجار يشترون الذمم الانتخابية ويستخدمون الآلة الإعلامية من صحف وقنوات فضائية ومواقع انترنت من أجل تلميع صورهم وضرب خصومهم, ولذا فأكاد أجزم أن التجارة والسياسة لا ينسجمان, ومع تقريري لهذه الحقيقة أدرك تماماً إني أقول ما يجعلني أبدو سابحاً بعكس التيار, حيث إن السياسة والأعمال في عالمنا أصبحا صنوان متلازمان, ولكن عزائي أن هذه الحقيقة نبعت من السياسة في العالم الغربي (العالم المادي), والذي تقوم دوله على ضرائب الشركات والتجارة, فيما الوضع مختلف في عالمنا العربي, حيث إن إيرادات دولنا عبارة عن ثروات طبيعية ليست بيد تاجر أو شركات أعمال, وإن كانت قد بدأت تزيد من نسبة إسهامها في الموازنات العامة.

ويمكن أن نبني على ما تقدم إن التجارة مهنة مثلها مثل أي مهنة حيث تميز صاحبها, ولكن ما نخشاه من أصحاب هذه المهنة أن يستمروا في التعامل مع قضايا الوطن من منطلق الربح والخسارة, فقد انتشرت عادة سيئة في وقتنا الحالي حيث يعمد التجار إلى اقتحام ميدان السياسة واستخدام المناصب التي يتمكنوا من الوصول إليها أو المقاعد التي يشغلونها في المجالس النيابية وذلك لتحقيق مزيد من الأرباح والمكاسب تصب كلها في خانة شركاتهم ومجموعاتهم.

الأمر الذي يثير الفزع أن ينظر الجميع إلى السياسة من وجهة نظر بعض هؤلاء التجار, من حيث السعي الحثيث لتحقيق هذه الأرباح المادية, حيث نلاحظ في ظل محاولة الحكومة لعدم فقدان الشارع الذي تهدد المعارضة باستمالته إليها عن طريق الدعوات إلى الإصلاح والقضاء على "الفساد", نلاحظ إنها تقوم بالاستجابة إلى "الضغوط المؤدبة" والتي تتمثل في معالجة أوضاع صحفيين مقابل أن يسلموا الحكومة شر أقلامهم, واستمالة مفكرين مقابل عدم استخدام تأثيرهم في تشويه صورة الحكومة, واستمالة الشخصيات الاجتماعية التي يمكنها الانتقال بسلاسة من صفوف أنصار الحكومة إلى صفوف المعارضة بدون خجل, ولا شك أن كل هؤلاء يقومون بابتزاز الحكومة عن طريق الأقلام والألسن والمواقف ويبقى الخاسر الوحيد هو الوطن, حيث يمكن للصحفي الذي يسب الحوثيون أن يتحول إلى متباكي على الحوثيين "أبناء هذا الوطن" إذا لم يتم تسليمه منصباً أو تم قضاء بغيته, ويصبح الأستاذ الجامعي مثل حنفي الجامع يمكن لأي شخص أن يفتحه ويمكن أيضاً لأي كان أن يغلقه, وأصبحت الشخصيات الاجتماعية ترتهن لمن يلبي طلباتها من توظيف وتجنيد وترقية وحوالات وتذاكر, وبمجرد أن يوصد باب دونهم تراهم يجأرون بمن يمارسوا الفساد والمجاملة والعصبية القبلية والمناطقية, وترى إبن المناطق الجنوبية من هؤلاء يزأر بالظلم الواقع على رؤوسهم, وترى أبناء المناطق الساحلية يتهمون السلطة بعدم احترامهم مثل غيرهم, وترى أبناء محافظة العز تعز يصيحون بأنهم مهمشون, وترى أبناء القبائل من حاشد وبكيل ومأرب يتهمون الدولة بأنها مقصرة معهم رغم أنهم السباقون إلى الدفاع عن اليمن ووحدته وبلادهم هي بلاد الخير, ...الخ.

واعتقد أن هذه الاتهامات لها ما يبررها إضافة إلى أن الحكومة قد استمرأتها وتعاملت معها دون أن تضع حداً لمن يقوموا بابتزازها من تجار وصحفيين وأساتذة جامعة, ويحضرني كثير من الأمثلة لأناس كانوا يحسبون على المعارضة ويتحدثون ليل نهار عن الفساد الذي تعيشه اليمن, ولكنهم ويا للأسف لما تقلدوا مناصب كبيرة مارسوا الفساد بأبشع صوره, وأصبحوا يسبحوا بحمد الحكومة ليل نهار, بحيث إن البسط والسذج رأوا في تعيينهم دليلاً على أن الحكومة تخضع لمن يبتزها وتحترم من يجاهر بمخالفتها, حتى إن البعض ممن يلتمسون للحكومة المعاذير في سياستها أصبح يفكر في الالتفاف من باب الابتزاز لكي يدخل إلى قاعة التشريفات, وهذا يجعلنا نفكر في البون الواسع الذي أصبح يفصل بين السياسة والوطنية, فما صارت لهذه المصطلحات معاني محددة وواضحة, فالكل أصبح يمارس السياسة, ليس التاجر فحسب, بل الشيخ, والعامل, والموظف, والمدرس في مدرسته, والأستاذ في جامعته, والصحفي في صحيفته, والإمام في جامعه, والمرآة في خدرها, حتى اللاجئ في مخيمات صعده تراه ينتحل شخصية السياسي بحيث تزيد حصته من مآكل ومشرب وفرش للنوم.

 يجب على الحكومة أن تعامل الناس بحسب معيار عز استخدامه في حاضرنا, وهو معيار الوطنية, وهو معيار سهل يمكن بواسطته أن نقدر عالياً من يناصر الوطن وقضاياه, ونحاول أن نفهم وجهة نظره, أما من يضع العربة أمام الحصان, ويجعل هدفه أن ينتقد الحكومة ليس إلا لمجرد الانتقاد ويسب موظفيها ويتهمهم بأقذع الصفات, فيجب أن يُحتقر ولا يلقى له بالاً, حيث إن الابتزاز هو من أحط الصفات وأسوء الأخلاق, ومرتكبي هذا المرض العضال هم من يجب أن يخافهم أبناء اليمن, فما هم سوى تجار شر يريدون أن يبيعوا شرهم مقابل الحصول على مكسب وهو الوظيفة العامة, رغم أن الوظيفة العامة ليست مطمع, ولا يمكن لعاقل أن يجهد نفسه للسعي وراءها إلا إذا كان ممن يسعون وراء الكسب غير المشروع, فمن المعروف أن شاغلي الوظيفة العامة مستورين الحال, وليس لديهم دخل يجعل خالي البال يسعى وراءه, وأنا طبعاً لا أقصد من يكسبون بالطرق غير المشروعة.

إن صفة التاجر السياسي صفة يحملها الكثيرين ولكن لا تظهر بصورة واضحة إلا حينما يتم إقصاءه أو استبعاده من وظيفة أو مشروع أو منصب يشغله, حيث تراه يتحدث عن الفساد المستشري وعن الجهود التي كان يزمع بذلها للقضاء على الفساد لولا أنه تم معاجلته بالعزل, وتراه في المقيل يتحول بصورة فجة وغريبة من الدفاع عن الحكومة إلى التهجم عليها, وكمثال على السياسي التاجر يحضرني احدهم كان يتهم رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى على إيقاف الحرب في صعده قبل القضاء على الحوثي والمفارقة أنه انبرى بداية الحرب السادسة للمطالبة بإيقاف الحرب ضد الحوثي كون الحوثي هو من أبناء اليمن, وكأن الحوثي لم يكن يمنياً عندما اتهم قبل الحرب رئيس الجمهورية بالخيانة العظمي.

ما أتمنى أن يحسن تدبره من كل طامح وطامع أن الأخلاق والمثل والمواقف المبنية على أساس مصالح اليمن وعدم التفريط فيها, والوطنية النزيهة الصادقة القائمة على أساس حب الوطن, هي أحسن سياسة, يجب أن يتم إتباعها, لان المواقف المتناقضة لا تقود سوى إلى فقدان احترام وتقدير أبناء هذا الوطن الذين هم من التمييز والفهم والتبصر بحيث يميزوا بين الغث والسمين, ورغم بساطة الشعب اليمني فإني اجزم بأنه أذكى شعب, حيث يتظاهر بتصديقه لأصحاب المشاريع السياسية - التجارية إما أدباً وإما لقضاء مصلحة وقتية, ولكنه عندما يختلي بنفسه وفي يده ورقة اقتراع فإنه ينتقم من كل هؤلاء الذين لا يحترمون ذكاءه وفطنته.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 7
    • 1) » نداء إلى ابناء الجنوب
      أحمد باحبيب يا أبناء الجنوب الحبيب

      لا تنجروا وراء خزعبلات المهرجين في الخراب الجنوبي ومن والاهم
      لا تصدقوا أن من باع وطنه سيفرش لكم الأرض ورودا فقد خبرتموه وعرفتموه ولا تحتاجون للتذكير
      اليمن يمر بظرف عصيب يتطلب منكم ومنا جميعا الاصطفاف الوطني تجاه كل المؤامرات

      يا أبناء الجنوب جميعا أيها الغيارى لنقف صفا واحدا مع أخواننا في كل أرجاء اليمن الحبيب ضد الطائفية والمناطقية والتمزق والانفصال
      لا ننكر أن شلة الفساد موجودة في مفاصل كثيرة ولكن معركتنا معهم يجب ألا تكون على حساب الوحدة والخيانة للوطن

      اليمن أغلى ولنرفض التمزق والتمرد والانفصال والفساد

      أحمد باحبيب
      مساعد رئيس جمعية في مقهاية زكو حاليا
      ahmed_bahabib@yahoo.com
      8 سنوات و شهر و يوم واحد    
    • 2) » سبحان الله ما اشد غبائك
      احمد باحبيب صاحب مقهاية زكو (باحبيب المزيف) لم يتعلم حتى الان درسا بسيطا وهو ان انتحاله لشخصيتي اصبح مكشوفا وان جميع الاخوة والاخوات زوار مارب برس يعرفون انه مزيف.

      بعد انكشافه كان من المفروظ ان ينسحب من الساحة ولكن لانه حمار لم تخطر بباله هذه الفكرة رغم بداهتها. لله في عباده شؤون فمنهم عاقل ومنهم مجنون
      احمد باحبيب
      رئيس جمعيةالصداقةالامريكية اليمنية سابقا
      ahmad_bahabib@yahoo.com
      8 سنوات و شهر و يوم واحد    
    • 3) » ليس فهما مغلوطا
      احمد باحبيب رغم اني افهم ما يقصده الكاتب عندما ابتدأ مقاله بالقول ( يستوقفني كثيرا الفهم المغلوط لمعنى السياسة) الا انني استميحه العذر ان اختلف معه.

      ان المسالة ليست مسالة فهم مغلوط للسياسة او الاقتصاد او الفلسفة او حتى للرقص البلدي وهز يا وز.

      ماذا تتوقع في بلد رئيس اكبر احزابه شاويش؟ المسألة او المشكلة اننا نعاني من جماعة بتاع كله.

      التخصص لا يهم. عبده اليوم باطاواله او حارس وبكره شيخ الحاره وبعد بكره رئيس منظمة الحزب في المديرية او المحافظة وفوقه كاتب مقالات وتاجر خردة ومهرب مخدرات.

      عيونهم مفتوحة على كل شئ. اذا رأوا شخصا ناجحا في تخصصه يعرضوا ويفرضوا عليه ان يكونوا شركائه ولو كان يبيع جبيز في ركن الحافة.

      يتوالدون كالصراصير ولا ينفع ضدهم اي مبيد للحشرات. انتشروا في كل مكان. زمان كانوا يقولوا تحت كل حجر كبسي اما اليوم فتحت كل حجر صرصور او بالاصح طرطور. انهم خريجوا دولة الفساد الصالح نهبوا البلاد والعباد ولن نتخلص منهم الا بجهاد.

      شكرا للكاتب لتسليطه الضوء على هذه الآفة التي سماها السياسي التاجر واضيف,بعد اذنه, والمثقف الفاجر
      احمد باحبيب
      رئيس جمعيةالصداقةالامريكية اليمنية سابقا
      ahmad_bahabib@yahoo.com
      8 سنوات و شهر    
    • 4) » ببساطة
      احمد محمد الكاتب يقصد الشيخ حميد الاحمر ، التاجر السياسي ، وهو عندما تكلم كان مؤدبا لانه يخشى العواقب ، ولم يشر بذلك الا بتلميح بعيد المدى ، ونذكر ان الكاتب يدغدغ الدوله لكي يتم تعيين في احد المناصب كما تم تعيي اخوه سفير في سوريا وعمرة لا يتجاوز ال28 عاما ولاول مرة في تاريخ الدبلوماسية في العالم سفير في ال 28 سنه
      المهم بيع وشراء ومزايدات وقال لك وطنيه ...تحياتي
      8 سنوات و شهر    
    • 5) » كلام يابس
      ابو رعد انت يا دكتور اشرت الى اصحاب(التجاسة)التجار السياسيون الذين لاينظرون الاالى مصالحهم الخاصة والسعي ورى كسب قلوب الناس بالكلام الفاضي.
      8 سنوات و شهر    
    • 6) » التعليقات بعيدة عن الموضوع
      فادي العيسي الموضوع مهم ولكن المعلقين يتنابزون بالالقاب وباحبيب يطعن في شخصية با حبيب والتعليق الاخير يدل على حقد دفين على كاتب المقال واكيد انه يعرفه بدليل انه تكلم بحقد ترفعوا يا معلقين وانتقدوا المقال وليس صاحب المقال!!!!!!!!!!!!!!!!!!
      8 سنوات و 4 أسابيع    
    • 7) » تحياتي لكل وحدوي
      تحياتي للوحدوي باحبيب التعليقات اظهرت لنا شخصيتين بنفس الاسم وهو باحبيب وانتهزها فرصة لتحية النسخة الوحدوية الرائعة من باحبيب ودعوة النسخة الاخرى لمشاهدة فيلم سبايدر مان حيث يشبه النسخة السوداء من شخصية سبايدر مان فيما سبايدر مان البطل لا يمكن ان يمثله الا سبايدرمان البطل
      8 سنوات و 4 أسابيع    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية