نصر طه مصطفى
:في يوبيله الفضي.. قراءة في «سيرة» حزب عربي حاكم!
نصر طه مصطفى
نشر منذ : 10 سنوات و 3 أشهر و 21 يوماً | الثلاثاء 21 أغسطس-آب 2007 05:29 م

لا غرابة إذا ظلت الأحزاب العربية الحاكمة متهمة بأنها مدللة وأنها تتحلل بمجرد غياب النظام أو القائد الذي أنشأها رغم أن هذه ليست قاعدة ثابتة بالتأكيد فلها استثناءاتها مثلها مثل غيرها من القواعد العامة، لكنها في الغالب لا تبذل في نشاطها السياسي الجهد نفسه الذي تبذله الأحزاب المعارضة التي لم تنشأ غالبا في كنف الحكومات، كما أنها لا تعاني من المصاعب المختلفة نفسها التي يمكن أن تعاني منها أحزاب المعارضة وهذا ما يسهم في تسهيل فوزها عادة في أي عملية انتخابية – أي الأحزاب الحاكمة طبعا – ويطيل أمد بقائها في السلطة.. وأظن أن كل ذلك أمر طبيعي وليس مستغربا في ظل ديمقراطياتنا العربية الناشئة!

وبعد أيام سيحتفل الحزب الحاكم في اليمن (المؤتمر الشعبي العام) باليوبيل الفضي لنشأته، وهو بلاشك أحد الأحزاب العربية الحاكمة التي أثارت ومازالت تثير الكثير من الجدل حول دورها وأدائها السياسي... فهو – أي المؤتمر – نشأ في ظل ظروف سياسية قد تختلف عن أمثاله من الأحزاب العربية، إذ إنه تأسس في أغسطس من عام 1982م في شمال اليمن في ظل دستور يحرم صراحة بلا مواربة قيام الأحزاب السياسية، ولأن إنشاءه كان ضرورة لعدة أسباب فقد جرى التوافق بين القوى السياسية التي كانت تعمل تحت السطح وانضوت في إطاره على أن يتم اعتباره تنظيما أو تجمعا أو مظلة سياسية كنوع من التحايل على النص الصريح في الدستور... ذلك أن قيامه كان ضرورة لتخفيف أسباب التوتر بين القوى السياسية في شمال اليمن والتقريب بينها من خلال حوارها وتمثيلها في التكوينات التنظيمية للمؤتمر كالإسلاميين بمختلف تياراتهم واليساريين بمختلف أحزابهم (اشتراكيين وبعثيين وناصريين) والليبراليين المستقلين، كما أن قيامه كان ضرورة ليكون معادلا سياسيا للحزب الاشتراكي الحاكم في جنوب اليمن حينها وتنفيذا لاتفاق الوحدة بين شطري اليمن الموقع في العاصمة الليبية طرابلس عام 1972م الذي نص على قيام تنظيم سياسي موحد عند قيام الوحدة وهو ما يعني وجود تنظيمين ليتمكنا من الحوار في هذا الاتجاه.

ومنذ عام 1982م حتى عام 1990م ظل المؤتمر الشعبي العام صاحب تجربة متميزة في إدارة الحوار والخلاف بين الأطراف المكونة له حيث حقق بينها قدرا كبيرا من التقارب وكسر بينها الكثير من الحواجز النفسية وأسهم من خلال كل ذلك في تحضير المواطنين في شمال اليمن لاستحقاق الوحدة مع الجنوب والتئام شمل الوطن الواحد الذي أصبح أقرب من أي وقت مضى نتيجة انهيار المعسكر الشيوعي ورفع الغطاء عن النظام الماركسي في عدن... لكن المؤتمر نفسه ككيان تنظيمي لم يكن مستعدا بعد لاستحقاقات ما بعد الوحدة خاصة أن القرار الذي توصل إليه مع الحزب الاشتراكي عشية الوحدة لم يكن إنشاء تنظيم سياسي موحد يحكم اليمن الموحد بل كان السماح بتعدد الأحزاب وحرية إنشائها وهذا يعني حدوث تحول جذري بعد أن كان كل شطر يحكمه تنظيم سياسي واحد يمنع قيام أي أحزاب سياسية أخرى!

وهكذا وجد المؤتمر الشعبي العام نفسه في أجواء مختلفة كليا عقب قيام اليمن الموحد في مايو1990م، ذلك أنه ظل طوال السنوات الثماني الماضية مجرد غطاء سياسي وليس حزبا حاكما بالمعنى المتعارف عليه فيما وجد نفسه بعد الوحدة يتقاسم الحكم مع الحزب الاشتراكي صاحب الخبرة الكبيرة في العمل الحزبي وفي ظل وجود عشرات من الأحزاب السياسية المعارضة التي توالدت خلال بضعة شهور، ناهيك عن أن الكثير من المكونات الحزبية التي كان يتشكل منها المؤتمر خرجت منه لتعلن عن وجودها المستقل عنه كالإخوان المسلمين والبعثيين والناصريين فوجد نفسه فجأة مفرغا من معظم الكوادر ذات الخبرة في العمل الحزبي، ولولا دهاء وكفاءة مؤسسه الرئيس علي عبدالله صالح الذي تمكن خلال أربع سنوات من إنجاز عملية تهيئة مؤقتة له لما استطاع أن يواصل دوره السياسي خلال تلك السنوات الصعبة التي انتهت بحرب صيف 1994م التي رسخت الوحدة وأنهت مشروع الانفصال.

يمكن القول إن المؤتمر الشعبي العام وضع حدا لسنوات الضبابية والهلامية بانعقاد مؤتمره العام الخامس في سنة 1995م الذي شكل نقلة تنظيمية حقيقية بالنسبة له بعد أن انتقل اليمن إلى مرحلة الاستقرار السياسي التي مكنته من التفكير في مستقبله كحزب سياسي في ظل نظام تعددي... ونتيجة لهذه النقلة فقد أعلن أمينه العام عبدالكريم الإرياني في العام التالي أن المؤتمر سيخوض نيابيات 1997م بغرض الحصول على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده بدلا عن الائتلاف القائم مع تجمع الإصلاح، وبالفعل فقد خاض الحزبان تنافسا حادا أفضى إلى حصول المؤتمر على أغلبية تجاوزت %70 من مقاعد البرلمان لينفرد بالحكم لأول مرة في ظل الوحدة... لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل أصبح المؤتمر حزبا حاكما بالفعل؟!

أعلم أنه سؤال غريب والإجابة عنه ستكون أغرب، إذ يمكن اعتبار المؤتمر حزب الأغلبية بمعنى أن مؤسسه الرئيس علي عبد الله صالح أرسى مبدأ يعتبره كثير من السياسيين حكيما وراجحا، وهو الفصل بين التنظيم والدولة خشية أن يتغول المؤتمر على أجهزة الدولة ومؤسساتها ويصبح حزبا قائدا على الطريقة الاستبدادية... وبموجب رؤية الرئيس صالح فإن المؤتمر كحزب لا يشكل الحكومة على سبيل المثال بل يترك الأمر لرئيس الحكومة في اختيار الكادر الأفضل من أعضائه وحتى من خارجه إن لزم الأمر، مع احتفاظ المؤتمر في الوقت نفسه بحق إعطاء ملاحظات على أداء الحكومة ومحاسبتها لكن ليس له أن يديرها أو يقرر نزع الثقة عنها، وكل ذلك من أجل أن يجري بناء الدولة بشكل مؤسسي وليس حزبي، ناهيك عن رغبة واضحة لدى الرئيس في أن يعتمد المؤتمر على كوادره وإمكانياته الذاتية وليس الاعتماد على الدولة في بناء كيانه التنظيمي وقاعدته الشعبية... واليوم يحتفل المؤتمر بيوبيله الفضي وهو يستعد للانتقال إلى مرحلة (الاحتراف) على حد تعبير أمينه العام الجديد عبد القادر باجمال دون أن يحظى بالنفوذ الاستبدادي ذاته أو يعاني من التشدد التنظيمي اللذين تتصف بهما أحزاب عربية مماثلة الأمر الذي يعطيه القابلية الشعبية والمرونة السياسية في الوقت ذاته .

 

nasr-tm@yahoo.com

المصدر المجلة

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 9
    • 1)
      هذا ليس حزب ونستطيع ان نسميه أي شيء آخر ، جمعية قبائل ، غرزة فاسدين ، لأنه وبسهولة حزب الفوضى .
      10 سنوات و 3 أشهر و 21 يوماً    
    • 2) » هو حزب بس الخطأفي تسميته
      الضالعي انا اقول هو حزب سياسي صحيح انه بغالبيته قبلي ومعظم اعضائه هم من وجدوا مصالح لنهب الشعب تحت مظلته حيث انك تجدمن سلبت وظيفته او لم يحقق ماكان يهدف اليه وهو عضو في المؤتمرخرج مباشره وانظم الى حزب آخر
      لايوجد لديهم ولاءلحزبهم لايجمعهم فيه الا نهب ثروات الشعب والمصالح الشخصيه الاخرى
      فأفضل تسميه له
      :حزب نهب ثروات ابناء اليمن العامه
      10 سنوات و 3 أشهر و 21 يوماً    
    • 3)
      الاستاذ نصر الله يهديك ارجع لحولك واترك الفاسدين وشأنهم وكان الاحرى مناقشة الاخفاقات والنجاح (الذي لم يتحقق بعد كون الوحده صانعها شركاء سياسيين من كل الاطياف وعلى رأس هؤلاء الاسلاميين والاشتراكيين وانت تعرف هذا)وكلمة الحق اصبحت أكثر الحاحا من السابق وانت كنت من صنا عها تذكروا يا ناس انكم لن تخلدوا وانكم سوف تسئلو امام الله عن كل شىء لاتنسوا هذا الشعب ومعاناته أن الاوان لقول الحق ليس من باب المعارضه لكن الجميع يئن من وطئة الغلاء حسبنا الله ونعم الوكيل
      10 سنوات و 3 أشهر و 20 يوماً    
    • 4) » لماذا لايكون المؤتمر حزبا ؟
      أحلام اليمن ماهو الحزب السياسي ؟ هومجموعةمن الناس الناشطين سياسيا والذين تجمعهم رؤية سياسية مشتركة تجاه القضايا الرئيسية التي يتوقف عليها بقاء وأمن واستقرار وتطور مجتمع من المجتمعات .. ووفقا لهذا التعريف فان كثرة أو قلة عدد الناس المنخرطين في حزب ما لايعني بالضرورة أن هذا الحزب أكثر أوأقل وطنية من حيث تمثيله للمصالح الأجتماعية في مرحلة سياسية معينه .. وبهذا المعنى لايوجد مايمنع أن يتحول المؤتمر الشعبي العام الى تنظيم حزبي بالمعنى الدقيق لمصطلح الحزب السياسي ، ومع الأعتراف بأن المؤتمرالشعبي العام قد ظل ، منذتأسيسه، وحتى الآن مجرد إطار سياسي يحكمه التوافق في المصالح فإن ذلك لايقدح في أنه قد أدى دورا كان ضروريا ولازما للحد الأدني من الأستقرار السياسي والاجتماعي في مجتمع شديد التعقيدفي بنيته القبلية ومحدود التطور في بنيته المؤسساتية السياسية. وفي بلد له ظروف اليمن ، سيكون صعبا جدا بناء حزب بالمعنى الدقيق للكلمة نتيجة تداخل ماهو شخصي بما هو عام وماهو قبلي بما هو وطني ، وماهو عقائدي بما هوسياسي أو اقتصادي .. بكلمة واحدة ، وبقصد أو دون قصد ، حدث تشويه للوعي السياسي اليمني ، فنشأت أجيال جديدة مرتبكة في رؤاها لسياسية ومختلفة في تحديد أولوياتها الوطنية.. وعلى العموم ، لايوجد مايحول دون تحول المؤتمر الشعبي الى حزب بالمعنى المتعارف عليه سياسيا .. وعلى فخامة الأخ الرئيس ، ومن خلفه أهله وقبيلته ، أن لايتخوفوا من ذلك ، فمن الممكن أن يمارسوا دورهم وتأثيرهم ونفوذهم ، من خلال الحزب ، بل من الممكن أن يقودوا الحزب بعد أن يربطوا مصالحهم بمصالح المجتمع والوطن ككل ، وهذا مافعلته أسرة غاندي في الهند ، ومافعلته أسرة كنيدي في أمريكا .. وفي كل مكان هناك عائلات تقود العمل السياسي جيلا بعد جيل.
      10 سنوات و 3 أشهر و 20 يوماً    
    • 5) » اخر زمن
      ياعيباه مااحلى السلطة والمال يانصر طه،تغيرت النفوس واقترب الوعد المحتوم
      10 سنوات و 3 أشهر و 20 يوماً    
    • 6) » المؤتمر هو اليمن ،واليمن هوالمؤتمر
      مؤتمري قديم وفي بلادالله سيظل المؤتمر هو التنظيم الوحيد ذو النكهة اليمنية على الرغم من كل سلبياته ومايقال فيه،فولادته يمنية تمت جهارا نهارا تحت ضوء الشمس الساطعة ، بخلاف الأحزاب الأخرى فولادتها تمت في سراديب الظلام (ناصرية،بعثية‘شيوعية‘إخوانية،الخ...) فمثل هذه الأحزاب لاسمح لها تاريخهاأن تكون مجتمعة ندا للمؤتمر الشعبي العام ذي النسب اليمني الأصيل ،ومن هنا يحق لنا أن نقول :( المؤتمر هو اليمن اليمن هو المؤتمر .) ومن كان نسبه غير يمني لايستحق من اليمنيين غير ......
      10 سنوات و 3 أشهر و 19 يوماً    
    • 7) » كلمة ونص
      ابن اليمن التنظيم الوحيد الذي تلون بلون التراب الوطني اليمني والإنسان اليمني هو المؤتمر الشعبي العام فقط....
      10 سنوات و 3 أشهر و 19 يوماً    
    • 8) » المؤتمر من قصص الكفاح السياسي الحقيقي الذي انتهي دوره بت
      محمد سعيد وهو بلاشك أحد الأحزاب العربية الحاكمة التي أثارت قصص الكفاح السياسي الحقيقي الذي انتهي دوره بتحقيق الوحده الوطنيه ومحاولة اغتيال الدكتور احمد الاصبحي الذي اقصي عن الامانه العامه وهجر الي المنفي حيث يعد هذا لرجل من اقدر الشخصيات الوطنيه القياديه التي تملك تاريخ طويل من الكفاح السياسي الفاعل فالمؤتمر بدون هذا الرجل هباء بقيعه ,....ومزيد من التقهقر فهو الرجل الوحيد القادر علي تنفيذ برنامج الحوار الوطني (الانقاذ الوطني )اما الاخ نصر طه فبارك الله فيه لاهله اما الاخرون ومنهم الوطن ونحن قد سأمنا ..ولكنا صابرون ندعي له بالهدايه والتوفيق..السلام عليكم
      10 سنوات و 3 أشهر و 19 يوماً    
    • 9) » الفساد في المؤتمر يلد ام يبيض
      كاره الرئيس اشكر من وضع هذا الموضوع الحساس للنقاش و اريد ان اعلق بعد كل من سبقني ان حزب المؤتمر كما يزعمون انه حزب قد فشل كل الفشل في اداره الجمهوريه اليمنيه ولم ينجح الا في شئ واحد لا غير هو توزيع المال العام ايام الانتخابات لكل من يتاجر بصوته واشير انه لولا هذا الاسلوب ما كان له ان يحتفل بيوبيله الفضي لانه ما كان سيستمر على اكثر تقدير سنه في الحكم وشكرا
      10 سنوات و 3 أشهر و 11 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية