د. محمد جميح
سوريا: النظام يَسقُط ويُسقِط البلاد
د. محمد جميح
نشر منذ : 4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام | الثلاثاء 11 ديسمبر-كانون الأول 2012 10:10 ص

لم يعد في مقدور أي مراقب للأحداث في سوريا تفادي حقيقة أن النظام السوري آيل للسقوط، ففي جبهات حلب وحمص ودمشق وإدلب ودير الزور وغيرها ترد أنباء الاستيلاء على قواعد عسكرية وأمنية والاستيلاء على مطارات مدنية وعسكرية ومحاصرة أخرى استراتيجية، وقد تسنى للثوار في البلاد خلال الأيام الماضية عزل حلب بصورة شبه تامة، وذلك بسيطرتهم على سد تشرين المسؤول عن تغذية حلب بالطاقة الكهربائية، والذي يضم مواقع عسكرية وأمنية. الاستيلاء على السد خطوة مهمة جدا، لأنها تعني عمليا قطع كل الطرق التي تصل الرقة بحلب أمام الجيش النظامي، ومن ثم قطع خطوط الإمداد الرئيسية لقوات النظام في حلب، دون أن ننسى سيطرة الثوار على معرة النعمان التي تسهم بشكل كبير في قطع هذه الخطوط التي تغذيها دمشق. هذه الخطوة مكنت الثوار من السيطرة على المنطقة الممتدة على مسافة 70 كيلومترا بين محافظتي حلب والرقة المتاخمتين للحدود التركية. كما سيطر الثوار على مطار الحمدان بدير الزور ومرج السلطان بالغوطة الشرقية بالقرب من دمشق، وسيطروا على قاعدة ضخمة للدفاع الجوي قريبة من حي الحجر الأسود واستولوا على معدات عسكرية وأسلحة متطورة قبل الانسحاب تجنبا لطيران جيش النظام، عدا الأعداد المتزايدة من الحواجز الأمنية والوحدات العسكرية التي يتم السيطرة عليها بشكل شبه يومي.

ويلحظ خلال الفترة الأخيرة تركيز الثوار على مهاجمة القواعد الجوية والمطارات العسكرية في تكتيك يتوخى تعويض العجز الدولي عن إمداد الثوار بمضادات الطائرات، وهو المطلب الذي يطالب به الائتلاف الوطني السوري لدعم الثوار في مواجهة قصف طائرات النظام. ويسجل المراقب هنا اختراقا حدث لحل هذه المعضلة خلال الأيام الأخيرة دل عليه سقوط عدد من الطائرات الحربية للنظام خلال الفترة الماضية، وهذا الاختراق قد يكون ناتجا عن وصول أسلحة دفاع جوي متطورة للثوار من الخارج، أو أن الثوار ربما حصلوا عليها من معسكرات الجيش النظامي التي يتم مهاجمتها والسيطرة على مخزونها من الأسلحة، ولعل الجيش الحر قد حصل على الكثير من هذه المضادات بعد سيطرته على كتيبة «الرحبة» قرب مطار مرج السلطان بريف دمشق، وهي ثاني أكبر كتيبة في البلاد لمضادات الطيران.

النظام آيل للسقوط، هذه حقيقة سواء شكلت أمنية متمنٍّ أو حسرة متحسر، غير أن ما هو جدير بالملاحظة اشتداد وطأة القصف والتدمير الذي يمارسه النظام قبيل سقوطه، التدمير الممنهج لمدن وأحياء وقرى بأكملها، حيث يتحدث ناشطون عن مدن وقرى في ريف دمشق وغيرها أصبحت أثرا بعد عين، يتحدثون عن أحياء بأكملها في حمص وحلب على وجه الخصوص سويت بالأرض.

والحقيقة أن التفسير الأقرب لهذه الظاهرة التي تشهدها خطوط سير معارك وحروب كثيرة هو أن النظام يريد أن يفسد على المنتصرين فرحة النصر، يريد أن يجعل المنتصرين يبكون على أطلال الوطن بدلا من الاحتفال بتحرره وانعتاقه، كما يتوخى النظام توسيع الشق داخل النسيج الاجتماعي السوري، متصورا أنه يمكن أن يحتمي بهذا «الشق» حال فقدانه دمشق ومدن الداخل ولجوئه إلى ما يتصور أنه معقله على الساحل السوري. وهذا هو سلوك المهزوم الذي بانت له علامات الهزيمة، غير أنه يريد أن يجعل الكل ينهزم برفع فاتورة النصر المكلفة التي يتحتم على الثوار دفعها، أو الدخول في ما بعد هزيمته إلى حرب استنزاف تقودها عصاباته وشبيحته ضد الثوار ترغمهم في ما بعد على التفاوض معه أو مع بقاياه. ربما كان ما ذكر هو العامل المهم وراء ضراوة القصف الذي يشنه النظام على المدن والأحياء والقرى، غير أن وجود أعداد كبيرة من الخبراء الروس والإيرانيين ضمن الجسم العسكري والأمني والميليشياوي للنظام يجعل المتابع يربط بين سياسات «الأرض المحروقة» التي اتبعها الروس في حرب غروزني في الشيشان، وبين سياسة «النار الكثيفة» التي انتهجها الإيرانيون في حربهم على العراق، وبين سياسة إزالة الأحياء والقرى والمدن من فوق الخريطة التي يقوم بها النظام السوري. هذه السياسة التي تمكن من ضرب كل ما يمكن أن يقوم دون وصول النار إلى جسد الخصم وتمزيقه من مبانٍ أو مرافق أو ستائر ترابية أو حتى أشجار.

غير أن كثافة النيران في العرف العسكري تعني اقتراب المعارك من نهايتها، وهذا يعني أن النظام الذي يكثف من هجماته آيل للسقوط، غير أنه للأسف مع سقوطه يحاول جاهدا إسقاط سوريا معه بشكل يصعب في ما بعد معه إعادة بنائها أو إعادة التلاحم إلى نسيجها الاجتماعي.

وتظهر تلك السياسة في صياغة لغة الخطاب الرسمي هذه الأيام، فقد ذكرت صحيفة «الوطن» القريبة من النظام أن «الجيش العربي السوري فتح أبواب جهنم على مصراعيها أمام كل من سولت له نفسه الاقتراب من دمشق أو التخطيط للهجوم عليها»، وفي تاريخ سير المعارك يبدأ الخط البياني بالانحناء للأسفل عندما تبدأ اللغة النارية في الظهور في خطاب المتحاربين أو بعضهم، وكأن «الألفاظ النارية» تسعى للتغطية على حقيقة أن «نار الحرب» توشك أن تنطفئ، مع تغيير جلي في الاستراتيجية العسكرية للثوار الذين بدأوا يركزون على العاصمة لإسقاطها في مسعى لتخفيف كلفة إسقاط المدن الأخرى.

إنه للأسف خيار شمشون حينما قرر في لحظة جنون أن يهدم الهيكل عليه وعلى أعدائه عندما أحس بالنهاية الحتمية، حتى إنه قتل وهو يموت أكثر من الذين قتلهم وهو حي. لا شك أن أغلب الذين تعرضوا للهزائم لا يفكرون في اللحظات الأخيرة قبل الهزيمة عندما يكونون في اللحظات الأخيرة قبل بدء المعركة، وهذا ما يجعل سير المعارك يأتي على غير ما يتوقعون، ونهايتها كذلك. ينسب إلى هتلر أنه قال: «إذا حققت النصر فليس مطلوبا منك أن تبرر ذلك، ولكنك إن هزمت فمن الأفضل أن لا تكون موجودا لتبرر ذلك»، وهتلر الذي انهزم لم يكن موجودا بالفعل بعد هزيمته، إذ تجرع كأس السم بعد تجرعه كأس الهزيمة. تُرى أين سيكون موقع الرئيس السوري من فصول هذه المأساة السورية التي تتجه بوتيرة ثابتة نحو نهاية من حجم توراتي مفعمة بالأسى، يختلط فيها النصر بالدموع ببقايا الأحلام والأوطان؟

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 5
    • 1) » ليحفض التاريخ عن الطغا ة اما تقبل قهرهم او تحرق البلد
      ابو عبد العليم كا نة هنا ك علا ما ة فارقة ومزعجة في القضية السو رية فلم يكن شعب ونضا م ولم يكن حزب وشعب ولا جيش وشعب وانما نضا م طا ئفي تسنده قوى المنطقة الطا ئفية وتنفيس احقاد ترعرعة علا مدار تاريخ كبير وعبثة الجها ة الطا ئفية والعنصرية لا كثر من خمسين عا ما بمقدرا ة الشعب وخيرا ته ومبا دئه وقيمه وبا عته وموا قفة لشر خلق الله اخلا قا وقيما فلم ترحمه جوقة النفا ق ولم يعذ ره الحقد الطبقي والمذ هبي وتكا لبة عليه قوا الغدر وسلمة رقبة هذ الشعب لجلا ديه دون رحمة من احد وا عطة للقا تل فر صة ان يقتل حتى يبيد ان استطا ع ذلك دون حسيب ولا رقيب الا متفر جين متى يرفع النا س ايديهم مستسلمين ولا ن الشعوب لا تهزم ربما خسر السو ري الكثير ليطهرها من هذ الد نس ان هذ الشعب مضطر اليوم ان يطارد
      الفيروس في كل زا وية من جسمه الوطني ومن ذا كرته الوطنية
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 2)
      سالم كلام جميل كما عودتنا على ذلك ........في الصميم
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 3) » تسلم دكتور
      متابع تسلم دكتور محمد على هذا التحليل المميز
      بارك الله فيك
      4 سنوات و 10 أشهر و 6 أيام    
    • 4) » العميل عميل
      يمني هذا الكاتب عميل الصهيونية
      4 سنوات و 10 أشهر و 5 أيام    
    • 5) » وضاعت سوريا
      ابو اسامة كلام في الصميم لكن الاترى معي اخي الكريم ان ثمن خروج الاسد سيكون خروج سوريا من خارطة الحضارة الحديثة بسبب الدمار الذي ترتب وسيترتب على ذلك
      هل القضاء على نظام يستوجب القضاء على بلد
      4 سنوات و 10 أشهر و 4 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية