د. محمد جميح
رؤوس ثعابين ورمال متحركة
د. محمد جميح
نشر منذ : 5 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام | الإثنين 03 سبتمبر-أيلول 2012 06:11 م

قلت للسفير الأميركي في صنعاء جوناثان فايرستاين في حوار معه: يقال إنك الرئيس الفعلي لليمن، رد ضاحكا: «لا أعتقد أنني سأحب وظيفة كهذه». تذكرت حينها الرئيس هادي الذي لا بد أنه يدرك صعوبة أن تحكم بلدا بحجم ومشكلات «العربية السعيدة». معظم اليمنيين يخوضون في السياسة، وكل يمني تقريبا دولة مستقلة ذات سيادة، والمواطن العادي صورة من الحاكم، يحاول أن يقلد حركاته وسكناته وأفعاله. تذكرت بيتا من الشعر يقول:

وأتعس الناس في الدنيا وأنكدهم

من يمتطي الليث أو من يحكم اليمنا

يبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح كان يحفظ البيت السابق، وهو يردد أن حكم اليمن أشبه بـ«الرقص على رؤوس الثعابين»، وهي العبارة التي أخذتها فيكتوريا كلارك وعنونت بها كتابها المخيف عن اليمن والصعوبات التي يواجهها بلد يجف من الماء والنفط كما تجف أحاسيس القائمين عليه من الحس والشعور.

كلارك تقول إن البلد منهك، عاصمته تعاني من الجفاف وحوضها معرض للتصحر خلال سنوات، ونفطه معرض للنفاد خلال مدة مشابهة. يغوص يوما بعد يوم في الاختلالات الأمنية، وأعمال الخطف وتفجير أنابيب النفط ناهيك عن أنصار «القاعدة» والحوثيين. وكلارك تورد حقائق مدعومة بتقارير دولية عن الكارثة التي لا يشعر اليمنيون بدنوها في خضم معاركهم السياسية التي تفضي إلى مزيد من الكوارث. وكلارك كتبت كتابها قبل أحداث «الربيع اليمني» بعامين، فكيف لو أن كتابها تأخر مدة سنتين!

واليونيسيف تقول إن ربع مليون من أطفال اليمن يعانون من مجاعة حادة، ونصف السكان تحت خط الفقر، وتقارير أمنية تتحدث عما يزيد على ستين مليون قطعة سلاح في بلد يعج بالخلافات القبلية والسياسية والمذهبية، وأسواق السلاح بالطبع تعج بأنواع الأسلحة ما عدا الطائرات والدبابات. ولا يعادل مرتادي أسواق السلاح إلا من يرتاد أسواق القات، وفي ساعات القيلولة يروق لليمنيين أن يمضغوا وريقات الشجرة الخضراء ويتغنوا بـ«الإيمان يمان والحكمة يمانية». في الماضي حكم الأئمة الزيديون، وكانت فترة حكمهم حروبا متواصلة على السلطة تحت مسميات دينية زائفة، قتل فيها الأخ أخاه والعم ابن أخيه وتآمر الأبناء ضد آبائهم، وكل منهم يدعي أنه ظل الله على أرضه، وأن الإمامة والحكم حق محصور فيه وفي ذريته، وبعد ألف عام تقريبا خرج اليمنيون إلى حكم جمهوري غير مستقر، وكما تقاتل الأئمة تحت غطاء ديني، تقاتل الجمهوريون باسم الشرعية السبتمبرية في الشمال والأكتوبرية في الجنوب. وتفجرت حروب بين الشماليين والشماليين، وبين الجنوبيين والجنوبيين، وبين الشمال والجنوب، وكانت حروب الشطرين لا تكاد تهدأ حتى تتفجر حروب «الرفاق» في عدن أو «الإخوة» في صنعاء. في الشمال تقاتلت القبائل الجمهورية والقبائل الملكية، وفي الجنوب تقاتلت القبائل اللينينية والقبائل الماوية بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حتى تكاد لا تمر عشر سنوات غالبا من دون حرب.

وجاءت ثورة الشباب، واستبشر الناس بها خيرا، وتطورت الأحداث إلى أن انفجر الوضع عسكريا، وصرنا نبحث عن مخرج جاء في المبادرة الخليجية، قبلها الرئيس السابق ومعارضوه، ورفضها الحراك لأنها لم تأت على ذكر قضيته، والحوثيون لأنها لم توافق هوى طهران التي تريد أن تفشل الرياض في صنعاء، وبعض فصائل الشباب لأنها لم تبعد النظام السابق عن الحكم بكليته، وهكذا خرجنا من المبادرة بنصف كوب مليء والآخر فارغ، ولكل يمني الحق في أن ينتمي إلى نصف الكوب الذي يلائمه.

كل الذين زاروا اليمن من عرب وغيرهم، خرجوا بذكريات جميلة عن البلاد التي خرج منها العرب والشعر وقوافل البخور. عرب وعجم استقروا في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، وآخرون ألفوا كتبا تنم عن انبهار بالبلد الذي جاءوا إليه، وعندما حلق أندريه مالرو، الأديب والسياسي الفرنسي الشهير، فوق سماء مأرب عام 1934، بحثا عن «مملكة سبأ المفقودة»، لم يتمالك نفسه بعد أن رأى بقايا المملكة العظيمة، ونسي أن طائرته تهوي إلى الأرض بعد أن نفد الوقود، لم يكترث لموته المحقق، وكاد ينسى نفسه في غمرة فرحته وهو يكتب بعد ذلك: «اكتشفنا مدينة سبأ الأسطورية. عشرون برجا وهيكلا لا تزال قائمة. على الحافة الشمالية للربع الخالي». ومع كل ذلك نرى البلد يهون على ساسته الذين لا يستحون من تاريخه المدهش، ورصيده الحضاري، وإمكاناته الطبيعية.

ترى ما هو السر في أننا ما زلنا هنا؟ في البقعة ذاتها التي خيل إلينا أننا غادرناها قبل خمسين عاما؟ لماذا فشل اليمنيون في إقامة دولة حديثة على الرغم من طول المدة التي مرت على تخلصهم من حكم إمام يروى أنه كان يدخل بعض معاونيه دار السينما ليزعم لهم فيما بعد أن ما رأوه هم جنود الإمام من الجن والإنس ومما لا يعلمون؟ لماذا لم ننتقل من «ثقافة الإمامة» إلى الثقافة المدنية أو من طور القبيلة إلى طور الدولة؟ هل كان علي عبد الله صالح هو السبب؟ أليس في حصر المشكلة بشخص مهما كان دوره تبسيطا لها؟ هل هو نظام الأئمة الثيوقراطي الذي تطاول ليله على اليمن، وجعله مشدودا لقرون من التخلف؟ هل هي القبيلة التي لا تريد أن تتحول إلى دولة، أم الدولة التي لا تريد أن تستوعب القبيلة؟ هل هو المجتمع الذي لا يزال محكوما بالقبيلة بمعانيها السالبة؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين مجتمع يقدس الشعارات وساسة يجيدون تسويقها؟ أم أنها السياسات الفاشلة القائمة على شخصنة المواقف، والتي لا تخلو من مكايدات وأحقاد؟

لم أعد أتذكر من الذي قال: المكائد السياسية من صفات الساسة الفاشلين، والساسة الذين تعصف ببلادهم خلافاتهم السياسية لا يمكن إلا أن يكونوا فاشلين، يفتقرون إلى الكاريزما التي توجد في قيادات عظيمة تخرج البلدان على يدها من ركام التخلف والفساد في فترات انتقالية قصيرة.

من المفارقات العجيبة أن الفرقاء السياسيين في اليمن لا يجتمعون إلا على الأشياء التي ينبغي أن يستحوا منها. الفرقاء في صنعاء يختلفون على كل شيء إلا على طرق الأبواب لطلب المساعدات من «الأشقاء والأصدقاء». تصوروا أن تكون مفخرة المفاخر لسياسيينا اليوم هو أن يصرح أحدهم بأنه قد نجح في إقناع جهة مانحة بتقديم دعم مالي للبلاد، في الوقت الذي يتحدثون فيه عن الكرامة الوطنية، والموارد الطبيعية، وغيرها من المصطلحات. بالطبع لا يمكننا أن نأخذ على أحد طلبه للمساعدات في هذه الظروف الصعبة، لكن أن تكون المَلَكة التي يجيدها ساسة البلاد اليوم تتلخص في طلب المعونات، دون اجتراح وسائل للاعتماد على الموارد المهدرة، فهذا أمر معيب. ومما يشترك فيه الساسة اليمنيون أنهم يتمادون في خلافاتهم، حتى إذا ما تعب الشقيق والصديق من خلافاتهم، وأرادا نفض اليد عن ملفاتهم، بدأ الساسة ذاتهم يتحدثون عن الشقيق الذي أدار ظهره لنا، والصديق الذي لا ينفع وقت الضيق.

محسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق يتحدث عن تجربته السياسية بعنوان مشابه لمسألة رؤوس الثعابين، ويعنون كتابه بـ«خمسون عاما في الرمال المتحركة»، ويتحدث عن حروب لا تهدأ حتى تثور، ورمال تتحرك باستمرار في اتجاهات مختلفة.

لكي يخرج اليمنيون من ظرفهم الراهن فلا بد من خطوات جريئة لا تغير قواعد الرقص على رؤوس الثعابين وحسب، بل تتخلص من اللعبة برمتها، خطوات تسعى لتثبيت الرمال المتحركة التي التهمت الرجال والإمكانات لفترة طويلة في ركن من جزيرة العرب كان يدعى يوما «سعيدا». وأهله دعوا قديما: ربنا باعد بين أسفارنا.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 13
    • 1) » عليك المخارجة يا رب
      عليك المخارجة يا رب مقال قوي وموجع والخراج على الباري وشكرا يا بو حسين
      5 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام    
    • 2) » صحيح أن حكم اليمن صعب جدا جدا في ظل الوصاية
      د/احمد الصبري طالما والوصاية الأمريكية والسعودية جاثمة على الوطن والشعب فمن الصعب ان يحكمه أي حاكم شريف إلا اذا كان عميلا لهاتين الدولتين مثل علي صالح،وعلي محسن واتباعم من ذوي اللون الاحمر الدموي،ومن يقول غير هذه الحقيقة فهو كاذب أشر يغطي عين الشمس بالغربال،ولكن الثورة هي الحل الوحيد للخلاص النهائي
      5 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام    
    • 3) » هنيئاً لك وصولك سدرة المنتهى
      سامح البراقي أعجب مايلاحظه التابع لمقالات هذا الدمية انه يفتخر أيما إفتخار لأنه تكلم مع السفير المريكي وكانه وصل الى سدرة المنتهى وخاطب جبرائيل وبعد شوية سيكلم الرب في البيت البيضأإنا لله وإنا اليه راجعون اين وصلت خسة العرب في هذا العصر
      5 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام    
    • 4) » يا براقي قمي
      يمني المعللق رقم
      5 سنوات و 3 أشهر و 8 أيام    
    • 5) » لقد اسمعت ان ناديت حياً ولاكن لاحياة لمن تنادي
      ابوقطيم تكلمت ووضعت النقاط على الحروف ولاكن هل من يسمع او يبصر، انظر لتعليقات بعض المهرجه ان وصائة امريكا والسعوديه هي من اخر نمؤ اليمن
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 6) » جميح صحفي ومذيع مرموق
      سعد البرعي يامعلق رقم
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 7) » السر وراء تخلف اليمن وعدم قيام الدولة المدنية.
      ذو يزن السر وراء التخلف الحاصل في اليمن اليوم وعدم قيام الدولة المدنية هي تلك العقلية القبلية المتخلفة التي لم تنخرط بعد في مجتمع مدني بل لاتزال متصلبة وجامدة على عقليتها وعاداتها وتقاليدها التي ورثتها عبر اجيال واجيال وهي عقلية بايعي البخور والتوابل والملح الذي يتفاخر جميح بانتمائه الى هذه العقلية وان كان يحمل شهادة دكتوراة فالعقلية عقلية جمال تعود على بيع السود والملح مرددا مقولة" يا الله ان السود غالي والمقاطب من ثمن" او مرددا:" عامر بايكيل الملح واحنا بانبدل له". هذه هي العقلية التي تحكم اليمن اليوم وهي السر ورا ء عدم قيام الدولة المدنية .هذا هو السر الحقيقي الذي لم يرد ان يو ضحه "جميح" صديق السفير الامريكي .
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 8) » ولكن من يفهم
      محتار وضع مأساوي واحنا جانبين بين هادي وصالح
      جزاك الله خير يا دكتور
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 9) » أذناب ايران ما قصدهم الا مهاجمة الكاتب
      عربي قومي أذناب ايران ما قصدهم الا مهاجمة الكاتب
      حين ذكر فضيحة احمد يا جناه هههه
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 10) » الى الملقب ذي يزن وهو واح من أحفاد الذين أرسلهم كسرى مع الملك سيف
      سيف بن ذي يزن الى الملقب ذي يزن وهو واح من أحفاد الذين أرسلهم كسرى مع الملك سيف
      يا صاحبي هجومك على القبائل يدل على انك من بواقي الأئمة اللي كانوا يقارنوا اليمنيين
      وانت جئت مع سيف بن ذي يزن من المساجين الذين أرسلهم كسرى مع الملك اليمني سيف بن ذي يزن وبالتالي فلا تكذب انك ذي يزن ولو ان التقية دينك
      شرف للدكتور ان هواكم في كل المحافل يا حملة مباخر طهران وقم
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 11) » سؤال الى المتلقي ذي يزن
      سيف بن ذي يزن ممكن تقول لي أش اللي خلا اليمن متخلف عن غيره
      مش هو حكم الكهنوت الأمامي الذي كان يقطن الناس ويزعم انه يتحكم بالجن والإنس
      الكل يعرف هذه الحقيقة
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 12) » انت تهرف تعرف بما لا تعرف
      متابع انت رويبضة
      لا تجيد الكتابة
      ولكنك تدي فلوس أناس يكتبوا لك
      على شان تشوه صورة سادتنا واحيانا من ال البيت في صعدة وغيرها
      ومهما تكتب لن تضرهم لأن الله طهرهم تطهيرا
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
    • 13) » لله درك ايها الجميح
      رزامي مقال رائع والاروع ايضا ان مقبلي اقدام السيد عبدالملك مقبل اقدام خامنئي في قم يتطاولون على قامة سامقة مثل الجميح ..... قاتلهم الله ما اغباهم يساقون لقتال اخوانهم لكي يسود من يقبلون اقدامهم صحيح ان من يهن يسهل الهوان عليه

      والله اني اتابع هذا الكاتب ولا افوت له مقال الا ان عجزت عن ذلك بفعل النت لانه يكتب بموضوعيه وعلم ودرايه واعجب من اولئك الذين يتجهون للكاتب دون قراءة المقال

      اعلم ايها الكاتب المبجل ان كل ما يكتبه اولئك عبدة السيد العابد للقائم في قم انه وسام وشرف كبير ويكفيك قول ابو العلاء المعري
      واذا اتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي باني كامل
      5 سنوات و 3 أشهر و 7 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية