د. محمد جميح
إنهم يصلون ويقتلون
د. محمد جميح
نشر منذ : 5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً | الثلاثاء 03 يوليو-تموز 2012 04:09 م

إبان اشتداد حركة الاحتجاج في اليمن خلال العام الماضي ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، اتصلت من لندن بمسؤول أمني لأخذ وجهة نظره حول قمع المتظاهرين، وحالات القتل في أوساطهم. كان الوقت في صنعاء عصرا، قال مساعد له: «إنه يصلي العصر، وبالإمكان الاتصال به بعد ربع ساعة، مع السلامة». قلت في نفسي هذه بلاد عجيبة، تجتمع فيها الصلاة والقتل!

بعدها بفترة تواصلت من لندن كذلك مع أحد قيادات جماعة «أنصار الشريعة» التي دخلت مدينة رداع، وذلك لتغطية خبر دخولهم المدينة، ورد مساعد له: «يمكن أن تكلمه بعد صلاة المغرب»، وبعد المغرب اتصلت ولم يرد أحد، ثم كررت الاتصال فقال المساعد: «كنا نصلي العشاء، و(الأمير) مشغول، وأنا مخول بالحديث، وإن أردت الاتصال بعد ساعة فسيكون قد فرغ». أخذت بعض الردود على أسئلتي من مساعد «الأمير»، ولم أتمكن من الحديث إلى «الأمير»، ولن أتمكن إلى الأبد لأنه قتل ومساعده بعده بفترة قصيرة.

تذكرت قصة قديمة تروى عن رجلين كانا يحملان قرب الفجر لغما أرضيا ذهبا لزراعته في طريق يمر به بعض الجنود على حدود الشطرين أيام حروب الشمال والجنوب في اليمن قبل الوحدة، وعندما تهيآ لدفن اللغم قال أحدهما للآخر: «دعنا نصلِّ الفجر أولا». فرد الآخر في استغراب: «بل ننجز المهمة لأن الذين يقدمون على هذا العمل لا تنفعهم الصلاة»، وأضاف: «المصلون لا يدفنون الألغام التي لا تقتل غالبا إلا الأبرياء»، وانتهت القصة بعدولهما عن دفن اللغم، وعودتهما من دون إنجاز المهمة (في أثر جيد في ما يبدو للصلاة عليهما).

وعشرات القصص تروى عن مصلين دعاهم داعي الثأر القبلي، فخرجوا للتو من المساجد على متاريس عبس وذبيان، وسقطوا قتلى في حروب البسوس.

أين الخلل إذن؟ لماذا يصلون ويقتلون؟ ما الذي يجعل رجل الأمن بعد أن يفرغ من قتل المتظاهرين يعود إلى سجادة الصلاة بضمير غير مؤنب؟ لماذا يفرغ مسلح «القاعدة» من صلاته، ويتمنطق أقرب حزام ناسف ثم يتجه إلى مصلين مثله لتمتزج أعضاؤه بأعضائهم في لحن جنائزي رهيب قبل أن يسافر بهم في رحلة إجبارية إلى السماء؟

ما الذي يجعل رجال القبائل يخرجون من المساجد لقتل مسلمين مثلهم من قبائل أخرى بداعي ثارات بكر وتغلب قبل الإسلام؟ ما هذا المزج المقزز بين شعائر الإسلام، وتقاليد ما قبل الإسلام؟ أهي حالة الفصام المرضية التي تمر بها شعوب ما بين الماءين؟ أم هو ضرب من النفاق الديني والخلقي والاجتماعي الذي أصبح بدوره مرضا ملازما؟

هل الصلاة تأمر بالقتل أم تنهى عن الفحشاء والمنكر بالفهم الديني؟ لماذا كلما زادت جرعة التدين الظاهري زاد النزوع للعنف عند الذين يعانون من التخمة الدينية المبالغ فيها؟ لماذا توجه كل هذه الطاقات الروحية في الطريق الخطأ؟

الواقع أن التساؤلات المطروحة ما هي إلا تكثيف لحالة التشظي والتشوش الذهني والمعرفي السائدة على المستوى الديني في اليمن وخارجه. لا يمكن الاكتفاء بالقول إن عناصر «القاعدة» - الذين يقدمون على قتل أنفسهم وقتل غيرهم - «إرهابيون» وكفى، هذا تسطيح للمسألة المعقدة بأبعادها الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية كذلك. المنابر التي تولاها دعاة غير فقهاء مسؤولة، انصراف معظم الإسلاميين إلى العمل السياسي وترك الجانب التوعوي الديني للهواة، أصحاب الحناجر الغليظة والأصوات العالية الذين لديهم قدرة يحسدون عليها على الشحن العاطفي من دون نظر إلى مآلات الخطاب المتخم، هذا الاهتمام بالسياسة على حساب التوجيه الديني الصحيح مسؤول عن حالة التطرف التي وصلنا إليها.

المزج غير السديد بين ما هو ثقافي وما هو ديني أدى إلى غياب الحدود الفاصلة بين الدين في جوهره الروحي القائم على الإيمان من جهة والموروث الثقافي القائم على العادات والتقاليد من جهة ثانية. المزج بين «الإسلام والقبيلة» إذن هو الذي أدى إلى هذه الخلطة المعقدة من الالتواءات والتشوهات التي أخذ بها كثير من الشباب ومضوا يقاتلون في سبيلها في وقت يظنون فيه أنهم يقاتلون في سبيل الله. هذا في جانب القتل على أساس ديني، والشيء ذاته يمكن أن يقال عن قتل رجل الأمن للمتظاهرين (على أساس وطني)، حين يقتل رجل الأمن من دون أن يشعر بحرج ديني أو خلقي، وذلك لأنه يتدرب وفقا لعقيدة أمنية وعسكرية تقوم على مبدأ طاعة ضباطه وتنفيذ أوامرهم.

أذكر أنني مرة سألت أحد رجال الأمن عن شعوره وهو يواجه المتظاهرين العزل، فقال «نحن ننفذ الأوامر، ونؤدي الواجب، وإذا كان هناك ذنب فهو على القادة الذين يصدرون الأوامر». وهذه حالة مشابهة لحالة رجل «القاعدة» الذي ينفذ أوامر «الأمير» عندما يأمره بالقتل من دون الإحساس بذنب، لأنه إنما ينفذ أمر «أميره» الذي يعد ولي أمره الذي تحرم معصيته، والذي تعد طاعته من طاعة الله. ورجل الأمن الذي ينفذ من دون نقاش كرجل «القاعدة» الذي ينفذ من دون مراجعة، وهما نسخة كربونية من رجل القبيلة الذي ينطلق وراء داعي الثأر لمجرد أن شيخ قبيلته أمره بذلك من دون حرج من ضمير أو وازع من روح.

ما الفارق إذن بين رجل الأمن الذي يقتل المتظاهرين، ورجل «القاعدة» الذي يقتل المخالفين، ورجل القبيلة الذي يقتل خصومه القبليين.. ما الفرق بين هذه الأصناف الثلاثة التي تتوجه إلى الصلاة حال فراغها من القتل أو قبيل البدء بهذه المهمة (المقدسة)؟! على المستوى الشخصي أحس في الصلاة عالما من الأحاسيس الجميلة التي تجعل المرء يشعر بانتمائه لقوة أكبر يطمئن إليها في بحر هادر من أمواج الأحداث والاختلالات والاختلافات، لكني لم أشعر في لحظة واحدة بأن الصلاة يمكن أن تكون وسيلة شحن للقتل والتدمير. وإذا كانت هذه هي وظيفة الصلاة، فإن الذين يصلون ويقتلون يؤدون عملين متناقضين في وقت واحد، وهذا دليل وجود خلل ما في طريقة التفكير، وفي زاوية النظر إلى الصلاة ومنظومة العبادات والشعائر الإسلامية الأخرى بشكل عام.

* الشرق الأوسط

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 8
    • 1) » موروث عدواني
      سيل العرم للاسف يا دكتور محمدان ذلك اصبح ثقافه وموروث عدواني بغيض وللاسف ان هؤلا هم من شوه الاسلا م والقبيله والنظام واصبح القتل في بلادنا شيئ تعودنا عليه كما ان الملاحظ تطور طرق ونوعية الجريمه بشكل ينذر بكارثه ..مثلا حدوث جرائم قتل بطرق بشعه لم نكن نعرف عنها الا في الصحف والافلام المصريه وهي جرائم حدثت حقيقيه في المجتمع المصري عندماوصلت نسبة سكان مصراكثر من70مليون نسمه والمخيف ان تحدث نسبة تلك الجرائم عندنا وعددسكان اليمن لم يتعدى 21مليون اما المجرمين المصلين الذين يؤدون الخمسه الفروض في اوقاتها فحسبهم الله تعالى الذي يمهل ولايهمل
      5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً    
    • 2) » أفصحت وأوفيت وأوضحت وأظهرت بعض الخفايا وما خفي اعظم
      صادق الجبلي كثير من المتابعين للشأن اليمني يعتقدون ان هناك علاقة وثيقة وحميمة بين جهاز الامن الذي بيد المخلوع علي طايح وبين اعضاء القاعدة وهاانت يامحمد جميح تثبت تلك الحقيقة بأنك كنت على علاقة بهما واتصالات متواصلة وانك منسق بينهماعجيب
      5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً    
    • 3) » عجيب امرك يامحمد
      ناصح النت اذا كانت علاقتك متميزة وتتواصل دوما مع اجهزة امن الطاغية عفاش ،وعناصر القاعدة فقد ادنت نفسك بقلمك وسياتي عليك دور الحساب قريباً بحول الله تعالى
      5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً    
    • 4) » خسيء الخوثة
      خسيء الحوثة يا حوثة يا معلقين رقم 2 و 3 الدكتور كاتب معروف ويتواصل لتغطية أخبار مع كل الأطراف وهذا عمله، محاولاتكم لي عنق الحقائق مكشوفة. علموكم الإيرانيين أهل الكذب والتقية
      5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً    
    • 5) » لقوم يعلمون
      منصف يا ليت قومي يعلمون
      شكراً دكتور جميح
      5 سنوات و 5 أشهر و 14 يوماً    
    • 6) » اعجاب بقلمك
      مهاجر حريب سلمت يا دكتورابا حسين دائما انت صاحب الكلمه وانت من ياتي بها على الجرح
      لك مني اطيب التحايا دكتورنا الكريم
      5 سنوات و 5 أشهر و 13 يوماً    
    • 7)
      ضبضب ماالفرق بين من يقطع الطريق ويخرب مؤسسات الدوله ويعتدي على مدراء المرافق ثم يفرش السجاده للصلاه
      نشتهي اجابه يادكتورجميح
      5 سنوات و 5 أشهر و 12 يوماً    
    • 8) » مادح نفسه
      متابع بعد كل مفال لجميح تأتي تعليقات تمدح جميحا وتدافع عنه ضد الروافض الحوثيين وهو الجميح نفسه يمدح نفسه ويزايد على الآخرين بتعليقاته
      5 سنوات و 5 أشهر و 11 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية