د. محمد جميح
مجاعة في اليمن
د. محمد جميح
نشر منذ : 5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام | الثلاثاء 12 يونيو-حزيران 2012 04:39 م

الصورة اليمنية هذه الأيام بدأت تأخذ ملامح أفريقية خالصة، أيام أن كانت المجاعة تعصف بالكثير من المناطق في أفريقيا. أم تضم ابنها ذا الثلاث سنوات إلى صدرها وقد ظهرت على جلده تجعدات رجل في الثمانين. هي المجاعة إذن، المجاعة.. الكلمة التي لم نكن نسمع عنها إلا في وسائل الإعلام، والتي ظن البعض أنها لازمة أفريقية، لا يمكن أن تعبر الضفة الشرقية للبحر الأحمر، مع أن الساسة في اليمن كانوا يعملون بكل جد طوال السنوات الأخيرة بخبرة يحسدون عليها لإنتاج هذه الصورة الجديدة. صورة أخرى لطفلة صغيرة تستلقي على سرير المرض، وقد برزت بشكل لافت عظام وجهها، وتجعد جلدها بالطريقة ذاتها التي يتجعد بها جلد طفل أفريقي أكلت المجاعة نصف أمعائه.

بالطبع الذين لا يزالون يديرون المعارك في أبين لا يمرون بهذه الصورة، والمقاتلون الذين يقاتلون الأميركيين والإسرائيليين في صعدة لا تستوقف أنظارهم هذه الصور، وساسة صنعاء مشغولون بالكعكة التي يتحاصصون على اقتسامها. كنت في صنعاء خلال فترة الانتخابات الرئاسية، وعندما عدت إلى لندن، وبدأ سيل الصور اليمنية الجديدة يغزو صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، عادت إلى مخيلتي صور القصور التي دخلتها لمسؤولين أجريت معهم بعض اللقاءات، وصور قصور أخرى منتشرة في أنحاء صنعاء المختلفة، وفي حي «حدة» على وجه التحديد، وعاد إلى ذاكرتي قول الإمام علي (كرم الله وجهه): «ما افتقر فقير إلا بما متع به غني».

أستطيع أن أقول إن بعض القصور تكفي قيمتها لإطعام مدينة يمنية كاملة لوقت غير قصير، وأنا هنا لا أتوقع أن يبيع هؤلاء المسؤولون بيوتهم لإطعام أطفال تهامة أو أبين، لعلمي أنه ليس من بين مسؤولينا علي بن أبي طالب، ولا نيلسون مانديلا، ولا غاندي، ولكن عليهم أن يعوا أنهم هم الذين أوصلوا البلاد إلى المجاعة - وهذا شرفهم الوحيد - وعليهم وحدهم تقع مسؤولية إخراجها من الجوع. الفساد الذي نخر البلاد طول فترة الحكم السابقة، والتجاذب السياسي الحاصل اليوم مسؤولان عما وصلنا إليه.

حتى نحن الذين نكتب مع الأسف، عندما ذهبنا إلى الصور الأخرى نعلق عليها، وتركنا صور الأطفال الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة تحت وطأة الجوع، نحن مسؤولون عن تأخر وصول الصورة إلى العالم. استهوتنا أخبار السياسة، ومماحكات الساسة، وتطرف المتطرفين، وذهبنا من دون وعي نركز على قصة اللواء الثالث حرس جمهوري وجمال بن عمر، ونتابع مقتل فهد القصع، وخطاب القابع في سرداب صعدة، عبد الملك الحوثي. نسينا الصورة الإنسانية المقبلة من الريف اليمني، نسينا عشرات الآلاف من اللاجئين اليمنيين (تصوروا أننا أصبحنا نقول «لاجئين يمنيين») في أبين وصعدة وحجة، وفي الريف الذي يتضور جوعا دون أن يشكو إلى أحد لبقية من كبرياء تمنعه من الاستجداء.

الشهر الماضي، حذرت سبع منظمات إنسانية من أن اليمن بات على شفير «أزمة غذاء كارثية» بحيث لا يجد عشرة ملايين نسمة يشكلون 44 في المائة من السكان، ما يكفي من الطعام في بلد هو الأفقر بين دول شبه الجزيرة العربية.

وأفاد تقرير لهذه المنظمات أن «معدلات سوء التغذية التي سجلتها الأمم المتحدة في بعض مناطق البلاد بلغت مستويات مروعة، حيث يعاني طفل من بين كل ثلاثة أطفال من سوء التغذية الحاد». ويؤكد التقرير أن النداء الإنساني الذي أطلقته الأمم المتحدة «لم يحصل سوى على 43 في المائة من التمويل المطلوب، أي مع عجز بلغ 262 مليون دولار».

كانت أول صورة رأيتها من هذا النوع في فيلم وثائقي شاهدته مع أعضاء في منظمة «أوكسفام» أثناء حملة إغاثية وإعلامية قامت بها المنظمة في بريطانيا لدعم مشاريعها في اليمن. لم أصدق ما رأت عيناي، أطفال صغار من حجة والحديدة، وفي مخيمات لاجئي حرب صعدة يتلوون من الألم والجوع، تغيرت ملامحهم بشكل واضح. (قدر الأطفال دائما أن يكونوا ضحايا الحروب). والأمراض الظاهرة على هؤلاء الأطفال في هذه الصور على فظاعتها لا تساوي شيئا مع الأمراض الاجتماعية التي ستظهر قريبا، إن لم تكن قد ظهرت بفعل الفقر الذي بدأ سوسه ينخر في هياكل المجتمع اليمني.

«القاعدة» هي منتج اقتصادي بامتياز، وما العوامل الأخرى في وجودها إلا عوامل مساعدة فقط، إذا ما قورنت بالعامل الرئيسي، وهو الفقر الذي يعصف بالبلاد، أمراض اجتماعية خطيرة سنشهدها، تصدعات في هياكل المجتمع والدولة في اليمن، التدخل الأجنبي بفعل الفقر والحاجة سيكون لازمة الفترة المقبلة ما لم تعالج هذه القضية، التطرف المذهبي والانغلاق الديني مقبل، لأن الفقراء يفتحون آذانهم لكل طارق إذا اشتد الفقر، زيادة المشكلات الأسرية، حين يسقط رب الأسرة فريسة للفقر ولا يستطيع إعالة أسرته، زيادة ظاهرة التسول في المدن الرئيسية، مع زحف الفقراء على المدن هربا من مجاعة الأرياف، وغير ذلك من مشكلات سوغت قتل الفقر لو كان رجلا.

في مؤتمر أصدقاء اليمن الذي انعقد في الرياض الشهر الماضي تبرعت السعودية بـ3 مليارات و250 مليون دولار لصالح اليمن، ووصل المبلغ إلى 4 مليارات مع دعم دول أخرى، وهذه المساعدات على أهميتها لا تكفي، ومن المفترض أن يتواصل هذا الدعم، ويذهب (في جانب منه) إلى مشاريع اقتصادية تنموية، دون أن يذهب كل المبلغ إلى استهلاك لا يدوم.

الأهم في الموضوع السرعة في تلبية الاحتياجات الضرورية للناس، وعدم صرف هذه المساعدات لغير مستحقيها من الذين يعيشون على الكوارث والنكبات. على ساسة العهد الجديد وهم يسعون لحلول سياسية، ولعقد مؤتمر الحوار أن يعوا أن كل تلك الجهود ليست مقدمة على الحاجات الماسة للناس، تلك الحاجات التي أخرجت الناس إلى الشوارع في غضب ظل مكتوما فترة طويلة. عليهم أن يعلموا أنهم إن صموا آذانهم عن هذه المشكلات، فإن الثورة المقبلة ستكون أشد وطأة عليهم من الحالية، وأكثر ميلا إلى العنف الذي سيكون الخلاف حول المبادرة الخليجية بالنسبة له ترفا لا حاجة إليه.

صحيح أن الكبت السياسي كان له دور في ثورة الشباب، وأن الكثيرين يأبون توصيف هذه الثورة بأنها «ثورة الجياع»، لكن الصحيح أيضا أن العوامل الاقتصادية هي الحاسمة فيما يخص حركة المجتمعات والشعوب.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 6
    • 1) » هذا ما فعله اسيادك
      ابو عمار نعم انها المجاعه التي حذر منها الشرق والغرب والجن والانس يا دكتور طوال 33 عام
      وانت مشارك لهذه الجريمه التي يعاني منها اهلك واهلنا
      لم تقول يوما ما مقال لوجه الله ؟ وانما انت وامثالك تعزفون للظلم والجهل والقهر والضياع
      وها هى النتيجه الحتميه على ابوابنا
      فما هو الحل؟
      هل ندعوا الى الوحده وتصحيح انفسنا قبل ان يقع الفاس بالراس؟
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام 1    
    • 2) » انت عظيم جدا
      ابن صعدة للدكتور محمد الجميع انت عظيم بعظمة مأرب وانت من يحب اليمن ومثلك الكاتب حسن الأشموري ومثلكم عبد الفتاح البتول والشيخ حارث الشوكاني وغيرهم وصعدة تشكرك يادكتور على غيرتك على اليمن ولاتهتم لمن يشتمك فهذه طبيعة من لم يربيهم اليمن الجمهوري
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام    
    • 3) » ماسبب المجاعة في اليمن
      عبد الحافظ الاحمدي كان نظام الرئيس الحمدي قد اخرج اليمن من مجاعته ونشر العدل والامن والاستقرار واصلح الفساد،ولكن المملكة سارعت الى قتله وقتل الشعب معه عندمانصبوا علي صالح ولي امر السلفيين بدلا عن الحمدي وخرب البلاد واهلك العباد وأدخل الفكر السلفي المتخلف الجاهي المتعصب الى اليمن واخرج البترول والغاز والذهب لعصابته وللشركات الامريكية،وأفقر الشعب والمملكة تدعم المشائخ وكبار الضباط والقادة العسكريين ولم تساهم بدعم الشعب اليمني بشيئ،إن الملوك اذادخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزة اهلها اذلة)وخصوصا ان المملكة صنيعة بريطانيا الاستعمارية
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام    
    • 4) » واصل ايها الكاتب المبدع
      بيضاني وحاليا معمول بهذا النظام في اغلب دول العالم الناجحه سياسيا واقتصاديا وامنيا ويجب التركيز على الامن لانه ركيزة التنميه وعلى القضاء العادل لانه اساس الحكم وانهاء الحروب المذهبيه والقبليه والثارات القبليه والقضاء على ظاهرتي الثأر وعلى ظاهرة القات ومحاسبة الفاسدين والمرتشين والمقصرين وتقديمهم للمحاكمه وتشهيرهم اعلاميا ليكونو عبره لغيرهم واقسم بالله انننا بعدها سنكون بخير
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام    
    • 5) » واصل ايها الكاتب المبدع
      بيضاني اخي العزيز الدكتور محمد جميح حفظك الله ورعاك ان ما يحصل في اليمن من فساد ورشى وسلب ونهب للمال العام لم يحصل في اي دوله في العالم ولك ان تتخيل مدى الفساد والفقر فاليمن الذي وصل الى مرحله خطيره جدا جدا فساد وفقر وجهل وتخلف عم الاخضر واليابس والبر والبحر والسماء والارض وانت ادرى بذلك ولا حل لنا الا باتحاد كونفدرالي (اتحاد بين شعوب كل اقليم يحكم نفسه بنفسه )كما كان سابقا ايام اتحاد معين وسبا وحمير وايام السلطنات والدول كل اقليم يدير نفسه بنفسه من الالف الى الياء بعيدا عن المركزيه التي تتسبب في الفقر والفساد والظلم كل اقليم يحكم نفسه بنفسه هذا هو الحل الوحيد
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام    
    • 6) » اسال نفسك من السبب
      ابومحاجن الم تسال نفسك قبل ان تطرح هذا المقال الهزيل والمهتري والمملوا بالحقد علي انصار الله
      من اوصلنا الي هذة الحالة اليس النظام السابق والحالي الذي دافعت عنه طويلا
      اليس وانت من امثالك الكتاب الساكتين عن الظلم والفساد في النظام
      الم تكن من المطبلين والمدافعين
      الم تسال نفسك يوما ما لماذا اتجاهاتك وافكارك دائما باءت بالفشل وجرت علي الامور والاحداث علي غير ماكنت تريد
      الم تراجع نفسك وتتفكر وتتامل انك كنت علي خطاء وانحراف فكري وثقافي
      الم تتامل ماجري ويجري حولك في اليمن وصعدة خصوصا
      ام علي قلوب اقفالها
      ام في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا
      5 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية