نصر طه مصطفى
السعودية ويمن ما بعد صالح
نصر طه مصطفى
نشر منذ : 5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام | الثلاثاء 13 مارس - آذار 2012 04:55 م

لم يكن موقف دول الخليج العربي موحدا من قضية داخلية يمنية، كما كان موحدا خلال الثورة الشعبية السلمية التي انطلقت العام الماضي، من خلال الإجماع على ضرورة تنحي الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة منذ الشهر الثالث للثورة، وكأنها كانت تبحث عن هذه الفرصة من قبل لكنها لم تكن تجدها، ولم تكن تجد ـ في الوقت ذاته ـ مبررا للتدخل في الشؤون الداخلية اليمنية وتطلب من الرجل الرحيل عن السلطة، حتى كانت الثورة الشعبية وكانت الفرصة التي لا تعوض.

وكما كنا أشرنا في مقال الأسبوع الماضي، فإن قضية الطالب النيجيري عمر الفاروق في نهاية عام 2009، دفعت المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي للمضي بلا عودة، على طريق التدخل الفوري والإشراف المباشر لإصلاح النظام في اليمن.

ولو لم يتجاوب النظام وفي مقدمته الرئيس صالح، فإن خياراتهم كانت ستكون مفتوحة، بما فيها العمل على إنهاء حكمه بوسائل الضغط المختلفة، طالما ظل متسببا في إعاقة عملية الإصلاح السياسي والأمني والاقتصادي، حتى ولو كان البديل نجله إذا لم تكن هناك خيارات أخرى، إلا أن ثورات الربيع العربي فتحت الطريق لهذا التغيير في اليمن، بعد أن خرج الشباب بالملايين في مختلف ساحات الجمهورية، وبالذات بعد أن تورط النظام في إراقة الدماء، حيث وصل ذروته في جمعة الكرامة 18 مارس 2011 وما جرى بعدها من تداعيات نتج عنها تفكك النظام، وكان لا بد من التدخل الإقليمي والدولي السريع، للحيلولة دون انهيار اليمن ودخوله في حرب أهلية.

المملكة العربية السعودية، الجار الأكبر والأهم لليمن والبلد صاحب التأثير دائما في السياسات اليمنية، سواء بالتدخل المباشر كما كان يحدث أحيانا أو بالتأثير عن بعد كما كان يحدث أحيانا أخرى، كانت هي الأخرى مع التغيير في اليمن، وكانت عاملا أساسيا في سرعة إنجازه سلميا..

وقد كان اليمن هما دائما بالنسبة للحكم السعودي، الذي لا يريده أقوى من اللازم تماما كما لا يريده أضعف من اللازم، وما بين الحالين يرى الحكم السعودي أنه لا بد أن تكون في اليمن دولة متماسكة آمنة مستقرة، تفرض هيبة النظام وسطوة القانون على كل الأرض اليمنية، دون أن تشكل خطرا من أي نوع على النظام في المملكة. وهذا الخطر لن يحدث إلا في حالة أصبح الحكم في اليمن أقوى من اللازم وله طموحات توسعية، كما حدث مع العراق قبل أزمة احتلال الكويت.

إذن، نحن أمام معادلة معقدة جدا تحكم العلاقات اليمنية السعودية، ومن ورائها العلاقات اليمنية الخليجية، لكنها معادلة يمكن فهمها والتعامل معها بشكل موضوعي، في حال توفرت الإرادات التي تنظر للخصوصيات والمصالح المشتركة ووقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا. فالبلدان الجاران لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا توجد أية مصلحة للسعودية مطلقا في وجود نظام ضعيف على حدودها الجنوبية، فضعفه سيرتد عليها وبالا، وهذا ما يجعلنا نفهم قرار المملكة ـ وهي الدولة الأكبر والأكثر تأثيرا في منظومة مجلس التعاون الخليجي ـ بضرورة دعم التغيير في اليمن.

وتغيير النظام الذي فشل طوال السنوات العشر الأخيرة في فرض هيبة القانون، خاصة في مواجهته مع القاعدة التي حولها إلى وسيلة لاستجلاب تعاطف واهتمام الغرب، وفشل في معركته مع الحركة الحوثية المعروفة بعدائها العقائدي التقليدي مع المملكة، بل ومع الخليج بأكمله، وحاول ـ أي النظام السابق ـ أن يجعل من هذه المعركة وسيلة لابتزاز المملكة وبقية دول الخليج، لجلب الدعم المالي والأسلحة على امتداد ست سنوات، وصل الأمر خلالها إلى حد دفع الرياض للمشاركة المباشرة في الحرب الأخيرة مع الحوثيين، التي استمرت منذ النصف الثاني من عام 2009 حتى شهر فبراير 2010، على غير عادة الحكم في المملكة الذي يحرص دوما على تجنب مثل هذه التدخلات العسكرية المباشرة، في أي ظرف وفي أي مكان.

في ظني أن القلق السعودي بلغ ذروته من احتمالات انهيار النظام في اليمن ووصوله مرحلة الفشل الكامل، لذلك سارعت الحكومة السعودية لدعم انعقاد مؤتمر "أصدقاء اليمن" في يناير 2010 في العاصمة البريطانية لندن، على مستوى وزراء خارجية دول مجلس التعاون والدول الخمس دائمة العضوية وأهم الدول المانحة لليمن.

وكان حديث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في ذلك المؤتمر ـ الذي أتيحت لي فرصة حضوره وسماع أحاديث وزراء الخارجية بشكل مباشر ـ في غاية من الحماس لإعطاء نظام صالح فرصة جديدة، من خلال تقديم دعم مالي سخي ومشروط بإحداث العديد من الإصلاحات الجادة التي لم تكن تروق لصالح، سواء ما يتعلق منها بالإصلاحات السياسية أو بآليات جادة لمحاربة الفساد أو بالجدية في حسم المعركة مع القاعدة وإغلاق ملف الحرب مع الحوثيين، إضافة للعديد من الإصلاحات الاقتصادية.

وكان هناك بعض الإصلاحات العاجلة المطلوبة في فترة زمنية محددة، لم يقم بها النظام اليمني بحسب الجدول الزمني الخاص بها، وكان ذلك يستدعي تأجيل الجولة الثانية من مؤتمر أصدقاء اليمن مرة بعد أخرى بسبب عدم الوفاء بالالتزامات، وهي الجولة التي كان سيتم خلالها إنشاء صندوق دعم التنمية.. وهكذا ظل نظام صالح يماطل في تنفيذ بعضها ويؤجل بعضها، وينفذ بعضا آخر بشكل لا يفي بالمطلوب، وهذا كله كان يسحب من رصيد الثقة المتبقي تجاهه ويضع اليمن على شفا الانهيار.

حسمت السعودية أمرها تجاه نظام صالح، بعدما أدركت أن ما يجري في اليمن ثورة شعبية كبيرة تمتد من أقصاه إلى أقصاه، وقررت رفع الغطاء عنه والانحياز إلى خيار الشعب اليمني في التغيير.. فالمصلحة السعودية ـ في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ـ تقتضي طي صفحة هذا النظام، ودعم خيارات الشعب اليمني في التغيير، والانفتاح على قواه السياسية الجديدة والمؤثرة والتعامل معها كأمر واقع، والإسهام من خلال ذلك كله في إنجاز تغيير مدروس، يحفظ ما تبقى من كيان الدولة ولا يقود اليمن إلى الفوضى، ويجنبه الصراع المسلح، وهذه هي تقريبا نفس الرؤية الأمريكية التي سنتناولها في وقت لاحق.

وهكذا التقطت الرياض وواشنطن مشروع الاتفاق، الذي عقده صالح مع خصمه اللواء علي محسن في مارس من العام الماضي، لتتبلور على أساسه المبادرة الخليجية التي طوت صفحة ذلك النظام إلى الأبد.

*عن البيان الإماراتية.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 6
    • 1) » هي السعودية رأس البلاء ياصاحبي
      د/حامد الناشري من خلال قرائة المقال يتضح فيه الكثير من التناقضات واهمها:_1-انه لم يحدث اي تغيير في اليمن الا الى الاسوء 2-لماذا تجعل السعودية وصية على اليمن وشعب اليمن يانصر والثورة تنادي بالتحرر والاستقلال عن الطغيان الخارجي والداخلي 3-المبادرة الى حد الان تبقي على نظام الطاغية صالح وتحصنه من كل التبعات بل تجيز له العوده الى منصب الرئاسة عبر لعبة انتخابية قذرة بعد سنتين 4-اذا قلت ان هذف السعودية والامريكان القضاء على خطر القاعدة ولكن الذي حصل هو العكس تنامت القاعدة واصبحت اقوى من ذي قبل بمساعدة جميع الاطراف السياسية والحقيقة ان هذا المقال مخادعة وذر الرماد في العيون والضحية هو الشعب والوطن ومن تعود على خدمة الطغاة فلا يجيد الا فن التعود/ولكن الله بكل شيئ عليم
      5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام    
    • 2)
      رصين الرصين وما دمت تقر بمسؤوليته عن الدماء التي كان سفكها سببا في استقالتك، فلماذا وجهت إلى السفاح خطاب شكر بمناسبة حفل تنصيب ملكة جمال العالم؟
      5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام    
    • 3) » السعودية تحفر قبرها بيديها
      السعودية ومن خلال حقدها الدفين على الشعب اليمني تحفر قبرها بيديها
      5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام    
    • 4) » السعودية تحفر قبرها بيديها
      السعودية تعادي الشعب اليمني من منطلقات عده وتتعامل باستعلاء واستكبار شديد مع الشعب اليمني والحكومات اليمنية النتعاقبة..
      ماذا ستخسر السعودية لو ساهمت في تنمية اليمن واعطت اليمن الفرصة للتنقيب عن ثرواته واستغلاله لموارده .. اما الان فهي تعيق كل بوادر التنمية في اليمن

      والسعودية لم تكن ولو للحظة مع ازاحة علي صالح عن الحكم ولو شائت لفعلت ذلك من زمن بعيد
      ولكن الله لن يتركهم في حالهم السعوديين رعاة الغنم ...
      5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام    
    • 5) » توحيد الجيش او استقاله الثوره والدوله
      عميس تحليل تأريخ صحيح لكاتب متمكن / انما ليس هذا همنا اليوم - انتهت قضيه عفاش بعدسنه ولنا مشكله الجيش بسبعه رؤوس كل رأس يحتاج قلعه لمد ه سنه هذه الالويه المسلحه ستخرب اليمن بالتعاون مع المواقع الملتهبه في ابين وصعده نحن امام ثالوث ضد الحكمالانتقالي وافشاله وقريبا سينفجر
      5 سنوات و 8 أشهر و 10 أيام    
    • 6) » على رأي المثال القائل قرب أصدقائك وكن لئعدائك أقرب
      سام 6 مقال تحليلي متوسط ولكن تغافل عن ابجديات علاقة اليمن الجمهوري و السعودية الملكي صحيح ان السعودية لا تريد يمن ضعيف ينتج حوثي او قاعدة يؤذيه ولكن يمن يكفيه مؤنة شعب صاحب تاريخ حضاري لدية القدرة على تصدير رؤاه و افكاره التي لن تروق لمخالفيه السعودين تريد يمن متوسط القوة يميل الى الضعف يسهل عليها تحييده عن توجهاته وخلق حالة من عدم وجود دولة مركزية قادرة على الدفع نحو التطور و لذلك تعمل السعودية على العمل مع الموالين و الخصوم في نفس الوقت حتى يكون لها يد سواء بزرع عناصر لها او مجرد التأثير المالي على القيادات و اقرب مثال لذلك هو دعم السعودية لبعض الثوار الجمهوريين على الامامية في اليمن ولكن دعم يكفي لسماع صوتهم بدون ان يصل الى تاثير مادي على الساحة وفي نفس الوقت تحارب القوى الثورية النشطة والقوية بدعم الاماميين بالسلاح والذهب
      5 سنوات و 8 أشهر و 8 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية