فهمي  هويدي
حفلة القتل في اليمن
فهمي هويدي
نشر منذ : 6 سنوات و شهر و 27 يوماً | الإثنين 26 سبتمبر-أيلول 2011 04:50 م

أصر الرئيس علي عبد الله صالح حين قرر العودة إلى صنعاء أن يمر موكبه المتجه إلى قصره فوق جثث أكبر عدد من اليمنيين.

وهذا هو التفسير الوحيد لحفلة القتل التي واكبت عودته، والتي أغرقت المدينة في بحر من الدماء، على نحو لا يمكن تفسيره إلا بحسبانه رسالة تعبر عن التحدي والإصرار على التمسك بالسلطة.

لقد عاد الرئيس اليمني متسللا، إذ أبلغت سلطات مطار صنعاء بأن وفدا سعوديا رفيع المستوى على الطائرة التي أرادت الهبوط فيه.

وما إن فتح بابها حتى فوجئ الجميع به يهبط الدرج محاطا ببعض حراسه.

وقبل يوم واحد من عودته فتحت القوات الموالية له النار على المعتصمين في ساحة التغيير، واستخدمت في ذلك الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والدبابات والقذائف الصاروخية، مما أدى إلى قتل نحو أربعين شخصا وجرح عدة مئات.

وهي خطوة لا يستطيع أحد أن يدعي أنها تمت دون علم الرئيس اليمني، لأن أبناءه وأفراد أسرته هم الذين يقودون قمع المتظاهرين.

وفي فصل تمثيلي مكشوف دعا الرجل بعد وصوله إلى وقف إطلاق النار، وإزالة المظاهر المسلحة من صنعاء، حتى قال بعض المتفائلين إن الرجل عاد رافعا غصن الزيتون ومطلقا حمامة السلام.

ولأن اللقطة لم تنطل على أحد، فإن القصف العنيف استمر بعد ذلك مخلفا نحو 40 قتيلا آخرين غير عشرات المصابين والجرحى.

الأمر الذي يسلط الضوء على ثلاث حقائق هي:

< إن الرئيس علي عبد الله صالح عاد لكي يستمر في منصبه ولو مؤقتا، لا لكي يحل الأزمة من خلال المبادرة الخليجية. بالتالي فإن الكلام عن نقله للسلطة الجنائية إن لم يكن من قبيل التضليل وكسب الوقت، فإنه على الأقل ليس واردا في المرحلة الحالية.

< إن المملكة العربية السعودية تدعم موقف الرئيس اليمني. أو بتعبير أدق هي مع عودته إلى صنعاء. لأنها لو كانت مؤيدة لإجراء حل سلمي للسلطة لنصحته بالبقاء فيها لحل الأشكال، خصوصا أن الرجل كان تحت العلاج هناك منذ ثلاثة أشهر، وإطالة مدة بقائه بدعوى استمرار العلاج يمكن أن تعد عذرا مقبولا يرفع الحرج ويغطي الموقف.

لكنه حين يلتقي العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وتوزع صور لقائهما على جميع الصحف، ثم يغادر بعد ذلك بأيام قليلة إلى صنعاء فلا معنى ذلك سوى أن عودته حظيت بمباركة ملكية سعودية.

وهذه المباركة محملة برسالة ضمنية تقول إن الرياض لا تؤيد أي تغير للسلطة يتم من خلال الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات التي تدعو إليها القوى المعارضة.

وفي هذه الحالة فإن الرسالة ليست موجهة إلى المعتصمين اليمنيين فحسب، وإنما هي رسالة أيضا إلى كل من يهمه الأمر في المنطقة، خصوصا أهل الخليج، الغاضبين منهم والساخطين.

< إن مجلس التعاون الخليجي يؤيد موقف المملكة السعودية، والبيان الذي نشر أمس عن تأييد دول المجلس لأمن اليمن واستقراره ودعوتها إلى الانتقال السلمي للسلطة لا يغير كثيرا من هذه الحقيقة.

ذلك أن وزراء خارجية دول مجلس التعاون عبروا عن عميق ألمهم وشديد أسفهم لسقوط القتلى والجرحى. كما عبروا عن تعازيهم ومواساتهم الحارة لذويهم وتمنياتهم للجرحى بالشفاء العاجل.

كما دانوا اللجوء إلى استخدام السلاح خصوصا الأسلحة الثقيلة ضد المواطنين العزل،

ودعوا إلى ضبط النفس والالتزام بالوقف الفوري لإطلاق النار، كما دعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث الأخيرة وإلى التوافق على تنفيذ المبادرة الخليجية

لكن أي محلل سياسي يعتبر هذه الكلمات تعبيرا إنشائيا خجولا يفتقد إلى الجدية والحزم.

هو إنشائي لأن وزراء الخارجية الذين عقدوا اجتماعهم الاستثنائي في نيويورك يدركون جيدا أن عودة الرئيس علي عبدالله صالح هي التي فاقمت المشكلة.

ولو أن هناك اتفاقا حقيقيا على أن ينقل الرجل السلطة بصورة سلمية، لتم ذلك وهو في الرياض، حيث يعد وجوده هناك حلا أمثل للمشكلة. لكنه أعيد خصيصا للأسباب التي سبق ذكرها. واقترنت عودته بذلك التصعيد الدموي الذي شهدته صنعاء، لكي يظهر بمظهر القوة ويكسر أنف الذين طالبوا برحيله.

ثم أنه تعبير خجول لأن البيان أدان استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين، وتغافل عامدا حقيقة أن نظام علي عبدالله صالح هو الذي يملك تلك الأسلحة الثقيلة، وأن لا أحد غيره يمكن أن يصوبها نحو المتظاهرين العزل.

إذا قال قائل إن موقف دول مجلس التعاون في حالة اليمن أفضل منه في حالة البحرين، التي تم فيها إرسال قوات خليجية مشتركة إلى المنامة للإسهام في قمع المتظاهرين بقسوة اقترنت بممارسات أدانتها المنظمات الحقوقية الدولية، فلن أختلف معه كثيرا.

لكنني سأعتبر ذلك بمثابة مقارنة موقف سلبي أهدرت فيه كرامة اليمنيين بآخر بائس أذل بعض البحرانيين.

والاثنان درجات ومراتب في الغلط الذي لم تحترم في ظله إرادة الشعوب وأهدرت كرامتها. في حين أن المشهد ينبغي أن يقاس بمعيار احترام كرامة الشعب، وليس بمقدار إهدار تلك الكرامة. ناهيك عن أن المقارنة الإيجابية تكون بالأفضل وليس بالأتعس.

.........

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 4
    • 1)
      صدقت كن أي محلل سياسي يعتبر هذه الكلمات تعبيرا إنشائيا خجولا يفتقد إلى الجدية والحزم.

      هو إنشائي لأن وزراء الخارجية الذين عقدوا اجتماعهم الاستثنائي في نيويورك يدركون جيدا أن عودة الرئيس علي عبدالله صالح هي التي فاقمت المشكلة.لكن الله موجود لو وقف العالم كله مع علي صالح فالله موجود والخليجين هم يعلمون ان رضاهم بما يصنع علي داخلين في اثم القتل والله حسيبهم
      6 سنوات و شهر و 27 يوماً    
    • 2)
      واحد من الناس هي حفلة تنكر ,, منهم من اتى الى الحفلة و هو متنكر بالوطنية و منهم من اتى الى الحفلة و هو متنكر بالدولة المدنية و منهم من اتى متنكر بالدين ,,, على محسن الشيخ صادق و الاخير الزنداني .
      6 سنوات و شهر و 27 يوماً    
    • 3)
      . عودة صالح الى اليمن تمثل تحدى واضح الارادة الشعب اليمني . التواق للتغيير .
      6 سنوات و شهر و 26 يوماً    
    • 4) » سؤال يطرح نفسه
      سليمان لماذا لم تدعوا السعودية الى مؤتمر كما فعلت مع العراقيين. ام ان الحالة اليمنية لا تستدعي ذلك؟؟؟
      6 سنوات و شهر و 26 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية