د. محمد أمين الكمالي
الثورة والحرب الأهلية
د. محمد أمين الكمالي
نشر منذ : 6 سنوات و شهرين و 21 يوماً | السبت 30 يوليو-تموز 2011 08:05 م

مشاهد متعددة, شخصان في منزلين متجاورين في يوغوسلافيا بداية التسعينات يقترض احدهما من الآخر أخشاب للتدفئة, لبناني يلقي التحية على جاره في الطريق ليتواعدا على شاطئ الروشة مساء, ومزارعون في رواندا يقومان برعي الأبقار معا.

فجأة يبدأ القتل ويتم التصنيف هذا كرواتي مسلم وهذا لبناني شيعي وهذا رواندي من التوتسي.

إن الحيرة تصيب أعظم علماء الاجتماع وهم يشاهدون مزارعين بسطاء وجيران طيبون وأصدقاء أعزاء وهم يتحولوا إلي قتلة عنيفين لا تكاد الدماء ترويهم.

الحروب الأهلية قديمة قدم التاريخ وقد تكون أولى حالات النشاط الإنساني للاحتكاك والتفاعل هي الحرب الأهلية فاحد ابني ادم قتل أخاه ليثبت وجهة نظره ,وفي عصر الإنسان الصياد كان يتحتم علي البشر التعامل بطريقة المفترسات لإزاحة المنافسين عن الماء والطعام والنساء ,واتت عصور الحضارة لتثبت الحروب الأهلية إنها الأكثر قسوة والأكثر تدميرا وعندما تكتسي الحروب بطابع عرقي أو ديني أو متحيز تتبدى أسوأ ما في الطبيعة البشرية من وحشية حيوانية تنكرها حتى الحيوانات التي لا تقتل إلا لتأكل وليس بغرض الكراهية والانتقام والشعور بالتميز.

ويبدو أن من عادتنا نحن العرب أننا نبرع بالحرب الأهلية أكثر من غيرها, فقبل الإسلام لم يشتهر لدينا من أيام العرب سوى الحرب الأهلية كداحس والغبراء وحرب البسوس, وبعد الإسلام لم نكد ننتهي من فترة الفتح السريع لنجيب نداء الحرب الأهلية بين الهاشميين والأمويين لتتحول من صراع فكري بين أبناء العمومة إلى تحزب قبلي بين القيسية واليمنية والسنة والشيعة مخلفة إحساس بالتميز والتنافر مع الأخر لازال يمكن استخدامه حتى الآن في نزاعاتنا العصرية.

وفي اليمن تاريخ طويل من الحرب الأهلية والاستقواء بالخارج, فنصارى نجران استعانوا بالأحباش لينصروهم, فاستعمروا اليمن وابن ذي يزن التجأ للفرس فاحتلوها. وهكذا كلما طلب طرف من أطراف الصراع في اليمن النصر من قوة أجنبية أتت فأخذت البلاد وقهرت الجميع تحتها, وليس آخرهم الشريف الإدريسي الذي استعان بابن سعود فأخذ أرض اليمن في المخلاف السليماني تحته. وما زال بعض أبناء اليمن يراهن على حرب أهلية يستعين فيها بالأغراب.

في الحروب الأهلية يبحث القادة السياسيون والعسكريون عن أي اختلافات أو خلافات قديمة يستطيعون توظيفها لدفع الناس الي المحرقة, تنمية الشعور بالتميز والأفضلية عن الأخر الذي يشاركك ارض الوطن وسمائها, تنمية الشعور بالأحقية في السيطرة والتحكم بالآخرين علي اعتبار أنهم نوع أخر مختلف وأدنى مكانا, البحث عن أي جذور لمشاكل دفينة يتم إبرازها للسطح واعتبارها قضايا يجب الدفاع عنها لإخفاء الغرض الحقيقي وهو الحكم والسيطرة لقلة متنفذة.

والحرب الأهلية من أسهل الحروب, إذ يكفي إشعالها لتستمر ناشرة الحريق والخراب وصانعة للأحقاد والخسائر الجسيمة التي تضمن لها الاستمرار.

إن من يشعل الحرب الأهلية والعرقية والمناطقية لا يدرك عادة حجم الدمار الذي سيتسبب به لجماعته وللآخرين وللوطن ككل.

يقوم بعض السياسيين والعسكريين القابضين على بقايا النظام الساقط بتحويل المعركة من سياقها الطبيعي كثورة سلمية من أجل الحرية إلى قتل وتجويع يدفع الناس للذهاب للمطالبة بحقهم في الدفاع عن النفس وتحويلها آنذاك من مواجهة بين الشعب الثائر والظالمين إلى مواجهة بين قطاعات مختلفة من أبناء هذا الشعب هو أسوأ ما يمكنهم القيام بهم, فهم هنا سيدمرون البلد والشعب ككل. إن جريمتهم في محاولة تمزيق الشعب اليمني ودفع القطاع الذي كان أحرص على الوحدة فيه للمطالبة بالانفصال لم تندمل بعد وما زال الجرح مفتوح فيها, وهم يفكرون بمنطق أنا ومن بعدي الطوفان, إما أن نحكم أو ليذهب اليمن إلى الجحيم.

ما يراهن عليه هؤلاء المجرمون هو دفع البلاد إلى حالة من التمزق والفوضى هو ما سيمنحهم الحصانة الفعلية بنظرهم, متناسيين أننا إلى اليوم ما زلنا نشاهد مجرمي الحرب بيوغسلافيا يتم القبض عليهم واحدًا تلو آخر, وها هي الصومال ما زالت تعاني من الحرب الأهلية والتدخل الخارجي من الجيران القريبين ومن القوى الدولية.

على الشعب اليمني أن يدرك أنه الخاسر الوحيد من تحويل هذه المجزرة الأهلية إلى حرب أهلية, فيجب عليه أن يواصل ثورته ويتكاتف مع إخوته في كل أرض اليمن للقضاء على هذه المجموعة المسيطرة على القصر الجمهوري والتي تستخدم قواتها لضرب المدنيين في كل أرض اليمن. فالطغاة لا دين لهم ولا مذهب ولا ولاء. هم عصابة واحدة لا رابط لها إلا الامتصاص من دماء هذا الشعب.

فقمة السلمية في الثورة هي عدم الاعتداء وعدم تصنيف الآخرين؛ لعدم الإخلال بمبدأ حق الدفاع عن النفس وهو حق أصيل لصد العدوان ومنع العنف والقتل ضد أبناء هذا الشعب أينما كانوا.

الهامش بين الثورة والدفاع عن النفس والحرب الأهلية ضيق وبقايا النظام بتطبيقها لسياسة المجزرة الأهلية التي تستخدم القتل العشوائي والمكثف والذي لا يستثني أحد يدفع الناس إلى الاضطرار إلى استخدام حقهم في الدفاع عن النفس, فيقوم الطغاة بتحويل مسار الثورة إلى حرب أهلية عن طريق ضرب مكونات المجتمع بعضها ببعض.

وما يجري الآن من اشتباكات بالجوف واستهداف مفرط في أبين وتعز وأرحب وتهديد وضغط متواصل في صنعاء هو محاولة لصبغ الصراع بصبغة طائفية تارة ومناطقية وشطرية تارة أخرى؛ خدمة لأغراض طالما نجح النظام في تحقيقها, ويجب على قوى الثورة أن تقف أمامها وبحزم, وتتكاتف كل أطياف الشعب اليمني للوقوف أمام هذه الكتلة الفاسدة وإزاحتها ورميها خارج المسار التاريخي لليمن لنبدأ ببناء وطننا.

إن ما يحصل في اليمن هو ثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى نضالي, ولو اضطر الناس للدفاع عن ثورتهم بأي شكل من الأشكال لن تكون هناك حرب أهلية؛ لأن الثورة هي المانع والضمانة لعدم الانزلاق لحرب كهذه.

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 9
    • 1)
      ثائر سررت بالمقال في بدايته عندما حاول الكاتب سرد العبر التاريخية و النظريات النفسية لحدوث الحروب الاهلية، لكن حالف الكاتب الحظ بعدم اتيانه بالجديد في واقع بداء عليه الركود و الازمة، و السبب هو تحيزة الكاتب في اتجاه معين.. قد يتفق الجميع على حدوث حالة ثورة شعبية باليمن لكن قد نختلف في مالاتها خاصة بعدما تحولت الى صراع بين قوى مكونة للسطلة و الحكم في اليمن.
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 2) » الثورة سلمية ولاللحرب الاهلية
      يمن الحرية ان مايحدث هو ثورة شعبية سلمية والتي قطعت الطريق امام الحرب الاهلية التى يروج لها بقايا النظام والتي يمارس الضغط والقتل على الشعب لكي يتحول الى مدافع ونقول للمعلق الثائر من الذي اعطاك اسم ثائر وانت من بقايا النظام وات الثورة ستزال سلمية وان النصر قريب ان شاء الله
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 3) » مع الشباب
      مغترب ان ما يحصل الان من قصف وقتل ومحاوله اغتيالات ومحاولة جر اليمن الى الحرب الاهليه هو من افتعال من تبقا من النظام البائد ويدل على فشله وقرب زواله ان شاء الله ونحن المغتربين مع الشباب ضد هذا النظام الفاسد وسارق خيرات الوطن
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 4)
      الشيخ مبارك الوعل أبشرك يا دكتور اليمن لا صارت فيها حرب أهلية أول مابايروحون فيهاشباب الثورة والدولة المدنية العلمان والإشتراكي بايروحون فطيس عادك تسمع لهم ذكر في أفغانستان أو العراق أو الصومال ما كأنهم كانوا وبا يلبسون العمايم ويطلقون اللحى وبايصيرون أخوان مسلمين يحاربون الإسلام باسم الإسلام وبايفجرون في الناس وباينتقمون منهم كل واحد معاه حزامه الناسف مثلما يفعلون بالعراق ولكن الأمر لن يطول باليمن حتى ينفضحوا ويبيدهم الشعب اليمني ثم تلقي السنة بجرانها وتبقى اليمن مدد الإسلام ونفس الرحمن وتزول الغمة التي أوجدتها الأحزاب المأسونية العميلة يضحكون على الناس بالأسامي الكبيرة قال أخوان مسلمين قال حزب الله قال تنظيم الجهاد وأنصار الشريعة لابارك الله فيهم ماوسعهم دين الإسلام
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 5) » سؤال؟
      صخر ايش المطلوب؟؟؟
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 6) » رائع يا دكتور
      عبدالعزيز أحمد سعيد التبعي "مكانا, البحث عن أي جذور لمشاكل دفينة يتم إبرازها للسطح واعتبارها قضايا يجب الدفاع عنها لإخفاء الغرض الحقيقي وهو الحكم والسيطرة لقلة متنفذة." مقال جميل يا دكتور محمد..ومزيدا من التألق
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 7) » تعليق على معلق رقم 3
      رضوان السلمي فى البداية اود ان اشكر المحلل السياسى الذى امتعنا بتحليلاته السياسية التى تنم عن فهم وادراك للمرحلة الحالية لواقع اليمن وتفنيد المسببات والتنبيه عن ما ستؤل اليه اذا لم يتدارك ذوى الشأن الامور فى من اعداء الوطن من جره الى مالايحمد عقباه اما المعلق الذى اسفت لطرحه المتنافى مع اسمه الوهمى بداية من قوله من اعطاك الحق ان تسمى نفسك ثائر فانا قرئت التحليل ولم اقراء ان الرجل وصف نفسه بالثائر فيبد ان المعلق راء صورة الكمالى ونضح بما فيه من حسد دون الرجوع الى المقالة ونقدها بوضوعية واننى اسئله كيف تقول ان لاحرب اهلية تقرع طبولها فى تعز وارحب وابين اذا خبرنى من يقتل من اليس هم ابناء اليمن سواء كانوا جنود او مواطنين قلى وحلل بطريقتك ماحصل بالحصبة وجعلها اطلال قلى عندما يتقاتل الاخوة عند محطات الوقود اليس ذلك بوادر حرب اهلية انصحك قبل ان تفكر بالنقد اعرف اساليب النقد ولاتكن مثل اللى مايطول العنب حامض عنه يقول
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 8) » دائماً تفاجئنا
      اطباء من اجل اليمن د-محمد الكمالي دائما يفاجئنا بما لا توقعه فقد فأجانا عندما اصبح طبيباوعمره 20 عاما وبذلك اعتبرناك واحد من اصغر الاطباء سناً في اليمن لأن المعروف على مستوى العالم ان الطبيب يبدأ ممارسة المهنه وعمره لا يقل عن 24 عام واعتقدنا يومها انك قد ركزت جهدك في هذا المجال لتنبغ فيه لكنك اليوم تفاجئنا بقدرتك السياسيه على التحليل والتقييم والنظره العميقه للأمور من خلال مجموعة المقالات المتعدده التي اطلعنا عليها في الفتره الاخيره بغض النظر عن اتفاقنا واختلافنا معك عما تطرحه من رؤى.نحن في اطباء من اجل اليمن نرى ان الثوره التي قام بها الشباب اليمني وتلاحمت معه فيها مختلف فئات الشعب هي ثورة ناجحه ولن تتراجع مهما حصل لأنها ثوره ثقافيه غير قابله للانكسار وانت من خلال مقالاتك المتميزه هذه تسهم اسهاما ايجابيا في اثراء وتعميق هذه الثوره التي تحتاج الى جهود الجميع,ونتمنى لك من الله ولبلدنا التوفيق والنجاح والتقدم
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
    • 9) » اين العقلاء منكم يا جماعة انها الحرب الاهلية بعينها
      يكفي الاقتتال ولو اضطر الناس للدفاع عن ثورتهم بأي شكل من الأشكال لن تكون هناك حرب أهلية؟
      ما تسمي هذا القتال؟ انها الحرب الاهلية؟ لكن في بدايتها؟ ويجب التسامح مع الجميع ونبدأ من جديد يا جماعة والله لن تربحو الا خسارة.. يجب الصلح.. الي فات مات.. يكفي ان تزرعو الفتن.. الا يوجد فيكم عاقل يبصر في جارته الصومال.. انها بداية للحرب الاهلية.. يا اخواني..
      6 سنوات و شهرين و 21 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية