أ‌.د. مسعود عمشوش
الدواعنة في الحجاز ثم السعودية
أ‌.د. مسعود عمشوش
نشر منذ : 6 سنوات و 3 أشهر و 29 يوماً | الأحد 19 يونيو-حزيران 2011 06:46 م

منذ فترة ما قبل الإسلام ارتبطت حضرموت بعلاقة جوار متينة مع أرض الحجاز وسكانه. فإذا كان كثير من أبناء الجزيرة العربية الحضارم قد شدوا الرحال إلى مناطق بعيدة من الكرة الأرضية للاستقرار فيها، والحياة وسط أهلها غير العرب، فكيف لا ينتقلون للعيش بين أشقائهم العرب في الطرف الآخر من رمال الربع الخالي؟

وفي فترة الفتوحات الإسلامية توثقت علاقات الحضارم بالحجاز، وذلك لأسباب دينية وثقافية وتجارية. ويؤكد المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف أن أحفاد الحضارم الذين وصلوا الحجاز في تلك الفترة استقروا فيه، واندمجوا وسط سكانه. ويذكر منهم حصين بن الحارث بن مسلم بن قيس بن معاوية الجعفي وكثير بن الصلت بن معدي كرب بن وليعة الكندي .

ومثل غيرهم من المسلمين ارتحل عدد كبير من الحضارم إلى الحجاز لطلب العلم في المدينتين المقدستين: مكة والمدينة، والتتلمذ على يد علمائها. وقد بلغوا بهما مراتب عالية في العلم مكنت بعضهم من تبوء مناصب مهمة في الحرمين المكي والنبوي: منهم عبد اللطيف بن أحمد باكثير قاضي قضاة الشافعية في مكة المكرمة (911 هـ)، ومحمد بن أبي بكر الشلي الذي تولى التدريس في الحرم المكي عام 1030هـ، وحسين بن محمد الحبشي الذي تولى الإفتاء للشافعية بمكة المكرمة (1258هـ)، وعمر أبو بكر باجنيد المستشار الديني للملك حسين بن علي الذي درس في الحرم المكي، ومحمد سعيد بابصيل الذي تولى الإفتاء للشافعية ومشيخة العلماء في مكة عام (1330هـ). وقد صدر مؤخراً كتاب بعنوان (علماء الحضارم في جدة) للشيخ علي بن سالم العميري المتوفَّى سنة 1373هـ .

وفي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مع نجاح النشاط التجاري للحضارم في جنوب شرق آسيا وإفريقيا، قام عدد منهم (وتحديدا الدواعنة) بإرسال أبنائهم للاستقرار في الحجاز، ليس لأنها أغنى أو أكثر تقدما من أرضهم، لكن بهدف فتح مؤسسات مالية بسيطة تقدم خدمات الصرافة والتحويل والتمويل للمسلمين الذين يأتون من جميع الأقطار الإسلامية إلى الحجاز لأداء مناسك الحج والعمرة. وقد اختار العثمانيون بعضا منهم – مثل باناجة - لإدارة الشؤون المالية لولاية الحجاز. و من بعدهم نهج الأشراف السلوك نفسه؛ ففي عهد الشريف عبد المطلب عـُيّن عبد الله بامصفر وزيرا للمالية، وفي عهد الشريف عبد الله بن عون تولى الوزارة عبد الله باناعمة، وفي عهد الملك حسين بن علي عام 1916م كان عبد الله باشا باناجة وزيرا للمالية .

وفي مطلع القرن العشرين استمرت هجرة الحضارم إلى جزر جنوب شرق آسيا وسواحل شرق إفريقيا. وفضّل جزء منهم السفر إلى أرض الحجاز، لاسيما من أبناء دوعن الذين كانوا يصطحبون (أو يرسلون) أولادهم الصغار للعمل لدى الأسر الموسرة في مكة والمدينة. ومن اللافت أن نجد بين هؤلاء الدواعنة الذين وصلوا الحجاز صغارا في بداية العشرينات من القرن الماضي (مثل عبد الله بلخير وأحمد بغلف ومحمد بن لادن وسالم بن محفوظ وأحمد وعبد الله أبناء سعيد بقشان) أبرز من نجح في الإسهام في خدمة التنمية في المملكة العربية السعودية وكذلك في خدمة أرض أجدادهم .

وفي تلك الفترة (مطلع القرن العشرين) كان على المهاجرين الدواعنة التكيف مع المعطيات الجديدة التي أفرزتها القواعد الدولية من حدود ونظم سياسية ومواطنة. وقد اختار كثير منهم ومن أولادهم الانصهار التام في المجتمع الحجازي، وتأكيد انتمائهم إلى أرض الحجاز التي احتضنتهم وأصبحوا جزءا من نسيجها الاجتماعي. ويبيّن تقرير نشرته الحكومة البريطانية عام 1930 أن عدد الحضارم بالحجاز بلغ خمسة آلاف شخص يعود أصل معظمهم إلى وادي دوعن، وقد اختاروا حمل الجنسية الحجازية. وبعد وصول جيش الملك الموحد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى الحجاز عام 1924، وإعلان توحيد الجزء الأكبر من مناطق الجزيرة العربية باسم المملكة العربية السعودية عام 1932، كان ذوو الأصول الحضرمية من أوائل أفراد المجتمع الحجازي الذين أعلنوا الولاء والطاعة لمؤسس المملكة. وفي الأيام الأولى من الحكم السعودي كان عدد منهم يدعون إلى مجلس الملك كمستشارين وأعضاء لجان، ومنهم من تقلد مناصب رسمية مهمة، مثل الأديب والإعلامي والسياسي الشيخ عبد الله عمر بلخير الذي يعد أحد الرجال القلائل الذين اعتمدت عليهم إدارة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي كان يصطحبه في رحلاته المختلفة داخل المملكة وخارجها. وبما أن عبد الله بلخير يجيد اللغة الإنجليزية فقد عينه الملك عبد العزيز مترجما رسميا له. وفي أربعينيات القرن الماضي ترأس عبد الله بلخير ديوان الملك سعود بن عبدالعزيز. ولثقة الملك سعود به كلفه بإنشاء المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر عام 1374هـ، وعينه أول وزير للإعلام في المملكة العربية السعودية. وقد استمرت أعداد المهاجرين الحضارم في السعودية في الارتفاع إذ أنها فاقت عام 1936 عشرة آلاف شخص أكثرهم في جدة ومكة المكرمة .

وكما أخلص الاندونيسيون والسنغافوريون ذوو الأصول الحضرمية لجاوة وسنغافورة وساهموا في تنميتها وتطويرها، أخلص الحجازيون ذوو الأصول الدوعنية الحضرمية لأرض الحجاز ثم للمملكة العربية السعودية، وشاركوا في تنميتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع سكانها الآخرين وذلك قبل فترة طفرة النفط السعودية بمراحل كثيرة .

ومن أبرز الذين رفدوا الاقتصاد السعودي الشيخ سالم بن احمد بن الشيبة بن محفوظ الذي أسس أول مؤسسة مصرفية في المملكة: البنك الأهلي التجاري. وكذلك المعلم محمد بن لادن الذي أسس شركة بن لادن السعودية، والذي تشرفت بثقة الدولة السعودية التي كلفته بترميم وتوسيع الحرمين الشرفيين (الحرم المكي والحرم النبوي) والمشاعر ( عرفة – مزدلفة – منى). والشيخ أحمد سعيد بقشان الذي أسهم في تحديث الحياة الاقتصادية في المملكة، والشيخ محمد أبوبكر باخشب الذي أسس جامعة الملك عبد العزيز في جدة .

وهناك كثير من السعوديين ذوي الأصول الحضرمية الدوعنية الذي يعملون اليوم في سلك التربية والتعليم وفي القوات المسلحة والحرس الوطني السعودي. ولا شك أن ما قدمه ويقدمه السعوديون من ذوي الأصول الحضرمية في خدمة السعودية يفسر السياسات الاستيعابية المحفزة التي انتهجها النظام السعودي تجاههم والتي ساعدت على تنامي مكانتهم في المملكة، وكذلك ارتباطهم بعلاقات وثيقة مع رموز الأسرة الحاكمة .

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 9
    • 1)
      ثائر و النعم بكل الحضارم لو كانت اليمن استفادت منهم!!! نتمنى ان يتم الاستفادة من الحضارم من ايجاد الية جديدة في التعامل مع هؤلاء الناس ليصبحوا عامل رفد و تنمية و مشعل للتغيير الحقيقي في اليمن..
      6 سنوات و 3 أشهر و 29 يوماً    
    • 2) » دعوة للاستفادة من الحضارم
      جعفر الكثيري الكل يعرف الحضارم ووداعتهم و لطفهم . انهم فعلا منجم بشري يمكن الاعتماد عليه في البناء و الاقتصاد و التطبيق الامثل للقوانين . و الشرط ان توضع قوانين عادلة تضمن لكل طرف حقه و سترون النتائج ان شاء الله .
      6 سنوات و 3 أشهر و 29 يوماً    
    • 3) » مستثمرين ولكنهم مرعوبين
      مغترب الحضارم يحنون للعودة للوطن و لبناء الوطن . ولكن عدم وجود الامن و الامان من قبل ارباب السلطة في عهد علي صالح جعل الكثير يتردد. فمن جازف و عمل ولو شيء بسيط ربما انتكس او جاءه من استولى على ارضه بحسب سياسة البسط .
      الحضارم قادمون بشرط , الامان من رموز السلطة .
      6 سنوات و 3 أشهر و 29 يوماً    
    • 4) » قع ذره
      من اليوم يمني يعرفون يجمعون الأموال لكنهم لايؤثرون في شئ مبدأهم قع ذره وكل سكر لاشك ان ثرواتهم تزيد عن ثروات اليهود اضعاف لكن لاتأثير لهم مع العلم اني حضرمي بـا.... والله العظيم
      6 سنوات و 3 أشهر و 28 يوماً    
    • 5) » الحضرمي لا يسرق ولاهو شحودي
      الحضرمي للاسف بالرغم من ان الحضارم هم اول من طأت اقدامهم ارض الحرمين منذ ايام الشريف وقبل توحيد الملك عبدالعزيز للسعوديه .. الا ان هناك سواد اعظم في السعوديه من الحضارم لم يتم منحهم جنسيه ولم يتم حتى منحهم مميزات منذ عهد الملك عبدالعزيز ،، وحتى عهد الملك فيصل اخر عهد الذي كان يطلق عليه (ابوالحضارم) نظرا لحبه للحضارم,, للاسف الشديد يتم منح الجنسيه السعوديه حتى الاعاجم ولا ينظر للحضارم في السعوديه بالرغم من نظافة سجلهم التاريخي الا ما يعد على اصابع اليد ! عندما تقرأ جريدة ام القرى السعوديه تجد مئات الاسماء اعجميه افريقيه وغيرها يتم منحهم الجنسيه وربما شهريا يتم الاعلان عن الاسماء .. الا الحظارم لم يتم منحهم مميزات بالرغم من ان الوثائق في السعوديه كانت تسجل جنسيتهم (حضرمي) وليس غيرهذا .. انها الاقدار شاءت ان يظلوا مشتتين في اصقاع الدنيا .
      6 سنوات و 3 أشهر و 28 يوماً    
    • 6) » بارك الله في الحضارم والدواعن وكل المسلمين
      السراج بس يا خي تراك بهذا المقال حجمت دور الحضارم (ومن يكتب بهذا الموضوع يجب ان يعطيهم حقهم ويبرز دورهم واعلامهم بشكل اقوى وافضل )ولم تذكر ولا باشارة الى علي جابر القارئ المشهور .ولم تشر الى العلاقة التاريخية بين دولة ال سعود الاولى ومن بايعهم من اهل حضرموت عام 12.4 هجرية كال علي جابر وال السقاف وال غرامة وغيرهم (ولم تشر الى العلاقات المتبنة بين القعيطية والسعودية !!!!!!!!!!((فالحضارم دور لا يستهان به ولا يختزل بكلمات يعرفها الصبيان )
      6 سنوات و 3 أشهر و 28 يوماً    
    • 7) » دوعني يتكلم وادوع يرد
      فاهم اغجبني العنوان فقط.

      انا كتبت تعليق برئ ولم يظهر عسى المانع خير.
      اضحك معي.
      الدواشنة عند الخباز يدورا السناحنة.
      والسناحنة في القصر يدوروا رئيس.
      والرئيس عند الملك. والملك عند الامريك.
      الامريك في القاعدة والقاعدة تشتي عصيد.
      والعصيد عند قيران.
      ويا قصبة نودي نودي وسلمي على سيدي . وسيدي سافر مكة.
      6 سنوات و 3 أشهر و 27 يوماً    
    • 8) » هنا مجدُ لنا وهناك مجد
      محسن السقاف مقال جميل ولكنه لم يشمل كل الجوانب فموضوع كهذا فهو مبحث طويل ولا يمكن ان يدرج في هذه العجالة ، ولكنه يحفز لطرق الموضوع بحرفية واختصاص ، وفالبحث يعد قرعة باب مؤصد ولسان حال وامل دكتورنا واخينا الوفي - لعل يفتح عند القرع مغلقة- من قبل ذوي الاختصاص والحقيقة هو من خيرهم ، وانا ادعوه ان يعود لهذا العنوان لنه بصدق نحن الحضارم بحاجة ان نتحدث عن انفسنا بل يلزمنا عنوان او جهة تهتم بتالتعريف بالحضارم في مهاجرنا حتى تكون الصرة واضحة لاصحاب القرار في اخذ هذة الاعتبارات ،و لانه نحن في امس الحاجة بتعريف الجيل الحالي والقادم في الداخل والخارج بمن نحن ، فلو عرف الحضارم انفسهم لما قبلوا بما هم علية وخاصة بحضرموت ،وانا لا زلت اقول مشكلتنا الاولى انه لا يوجد لنا - عنوان - موحد فالجميع لن يتفهمنا الا من خللالة. شكري واشتياقي لاخي الدكتور مسعود .
      6 سنوات و 3 أشهر و 25 يوماً    
    • 9) » للاحاطه لاغير
      دوعني وافتخر شكرا للاخ / مسعود لااعطاء جزء من مما كان يقوم به الدواعنه من ابناء حضرموت في الحجاز ... للتاكيد فان ابناء دوعن وبالاخص بمكه المكرمه وجده لهم دور كبير في بناء الاقتصاد السعودي من ناحية الاعمار والسلع المتداوله ...
      6 سنوات و 3 أشهر و 20 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية