د. محمد جميح
الجهاد وخطيئة الترجمة
د. محمد جميح
نشر منذ : 7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً | الثلاثاء 01 يونيو-حزيران 2010 06:29 م

ترجم مصطلح «الجهاد» في الدراسات الاستشراقية إلى «الحرب الدينية» ( Religious War ) أحيانا، وأحيانا إلى «الحرب المقدسة» ( Holy War )، وأحيانا نقلت الكلمة العربية «جهاد» إلى اللغة الإنجليزية باسم « Jihad » لدى بعض الدوائر الاستشراقية التي ارتأت عدم قدرة المصطلحين السالفين - «الحرب الدينية» و«الحرب المقدسة» - على نقل مفهوم «الجهاد» في اللغة العربية. وعلى الرغم من أن بعض الدارسين نقلوا كلمة «جهاد» إلى اللغة الإنجليزية مستخدمين الحروف اللاتينية، فإنهم رغم عملية النقل هذه ( Transliteration ) قد حمّلوا الكلمة العربية دلالات وإيحاءات المصطلحين الغربيين بأبعادهما الدينية والفلسفية.

والإشكال القائم في الترجمة أو في النقل هو أن كلا المصطلحين في اللغة الإنجليزية يحوي كلمة « War »، حرب، بينما لا يستعمل القرآن مصطلح «الجهاد» ليعني مفهوم الحرب حصرا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن التراث الإسلامي لم يعرف المصطلحين الغربيين: «الحرب الدينية» و«الحرب المقدسة»، هذين المصطلحين المرتكزين أساسا على التراث الكنسي في نسخته الغربية. ثم إن المصطلحين الغربيين يحيلان إلى دلالات الحروب التي تقوم من أجل الدفاع عن الأديان ونشرها بين أكبر عدد من الناس، وقد ارتبطا في الفكر الغربي بـ«الحروب الصليبية» التي شنتها أوروبا الكاثوليكية على الشرق الإسلامي تحت ذريعة دينية هي استعادة الأراضي المقدسة - بما فيها القدس - من أيدي المسلمين «أعداء المسيح». كما ارتبط المصطلحان بالحروب الدينية التي كان يشنها الملوك المسيحيون بعضهم ضد بعض، ضمن المذهب نفسه أو من المذاهب الأخرى في العصور الوسطى.

وبما أن مصطلح «الجهاد» قد ترجم - خطأ - إلى مصطلحين يحويان كلمة «الحرب»، فإن المعنى الحربي للجهاد هو الذي ساد وعمّ - عن غير قصد في قليل من الأحيان، وبقصد في أحيان كثيرة - في الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية على الرغم من التمييز الواضح بين مصطلحي: «الحرب» و«الجهاد» في الاستعمال اللغوي القرآني.

وكنتيجة لالتباس مصطلحي «الحرب» و«الجهاد»، يؤكد برنارد لويس على ارتباط مفهوم «الجهاد» بالأعمال العسكرية التي امتدت من بداية ظهور الإسلام واستمرت في ما بعد حتى اليوم من أجل بسط سيطرة الإسلام ومد نفوذه.

ويضيف ديفيد كوك أن مصطلح «الجهاد» ارتبط بالمفهوم الحربي للكلمة، وأن الذين يقولون إن للجهاد معاني أخرى إنما هم نفر من الاعتذاريين المسلمين الذين يريدون فقط تحسين صورة الإسلام، حسب فهمه.

وفي الموسوعة ذائعة الصيت ويكيبيديا نقرأ الآية القرآنية: «فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا»، ونقرأ تعليقا عليها أن الآية «تجيز استخدام العنف ضد غير المسلمين»، مع أن مفهوم الجهاد في الآية المذكورة أقرب إلى الجهاد الدعوي القائم على المجادلة والإقناع المنطقي.

من غير شك أن تكريس القول بارتباط مصطلح «الجهاد» بالأعمال القتالية فقط دون النظر إلى أصل المعنى اللغوي للكلمة العربية، الذي يعطي للمصطلح أبعادا أخرى، هذا التكريس مقصود منه إبراز المصطلح في مفهومه القتالي فقط لأغراض استشراقية تتمحور حول هدف إبراز الصورة النمطية للمسلم في الوعي الجمعي الغربي، تلك الصورة التي يظهر فيها المسلم ممتشقا سيفا أو متشحا حزاما ناسفا. وقد حدا هذا بدانيال بايب - وهو أحد الاعتذاريين الإسرائيليين في الولايات المتحدة - للربط المباشر بين مصطلحي «الجهاد» و«الإرهاب» عندما أشار إلى أن «الجهاد» هو «المصدر الأول للإرهاب»، كما ورد في موسوعة ويكيبيديا أن مصطلح «الجهاد» يشمل كذلك «الإرهاب الإسلامي».

وقد أدلت وزارة العدل الأميركية بدلوها في هذا الشأن بالقول بأن الجهاد «هو الكلمة العربية التي تعني «الحرب المقدسة»، وهذا يعني «استخدام العنف والأعمال العسكرية ضد الأشخاص والحكومات التي يرى الأصوليون الإسلاميون أنها معادية»، ويشمل «الجهاد»، حسب التوصيف السابق: التخطيط والإعداد والاشتراك في الأعمال التي تشتمل على العنف الجسدي وأعمال القتل والتدمير والاختطاف واحتجاز الرهائن.

هكذا إذن انتهت رحلة «الجهاد» في الأدبيات الأكاديمية والإعلامية والسياسية الغربية إلى تطابق مفهومه مع مفهوم «الإرهاب العالمي»، وهو ما يتنافى مع الأصل اللغوي لكلمة «جهاد» في اللغة العربية، كما يتنافى مع الأدبيات التي وضعت للجهاد بمعناه القتالي عند الفقهاء المسلمين، والتي منها عدم قتل الشيخ والطفل والمرأة، وعدم قطع الشجر وحرق المدن والقرى، وعدم التعرض لرجال الدين من الأحبار والرهبان، إلى غير ذلك من أدبيات الجهاد عند المسلمين.

وقد ساعد على هذا الخلط بين مصطلحي «الجهاد» و«الإرهاب» عوامل عدة، من بينها الخلل في الترجمة وسوء النية المبيّت، دون أن ننسى الدور الكبير الذي لعبته كثير من المجاميع المقاتلة التي تسمت بهذا الاسم في العالم الإسلامي، دون أن ترقى إلى المستوى الأخلاقي للمصطلح في نسخته القرآنية النبوية على السواء. ذلك المستوى الذي لخصته الآية: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»، والمبني أساسا على المعنى اللغوي لكلمة «جهاد» التي تعني لغة «بذل الجهد» بالمعنى العام لهذا الجهد الذي يتطرق إلى الأعمال المدنية والتعبدية والقتالية، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال حال رجوعه من إحدى معاركه: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلى الجِهَادِ الأَكْبَرِ»، في إشارة واضحة إلى أن الجهاد الأكبر هو مجاهدة النفس في طريق الخير، وهو ما يمكن أن يطلق عليه مصطلح «الجهاد المدني»، حيث يتسابق الناس إلى البناء الخلقي والقيمي والمدني، وهو بلا شك أصعب أنواع الجهاد.

* كاتب يمني مقيم في بريطانيا

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 8
    • 1) » دراسة جميح الخاطئة
      علي ابوحيدر الدكتور جميح يسرد دراسة الجهاد ومفهومة الخاطئ وقد دان بشدة قتل الشيخ والطفل والمراة وعدم قطع الشجر وعدم احراق المدن وعدم التعرض لرجال الدين والاحبار والرهبان طبعآ هذاء الكلام يقولة جميح للمجاهدين الذين يقاتلون غبر المسلمين
اي انهم لايعتدون على ماذكر اعلاة وانا اقول لجميح احناء مسلمين وفوق ذالك قتلتم شيوخنا المسنين ونسائنا واطفالنا
وشبابنا وقطعتم الشجر وقطعتم الطريق واحتليتو ارضنا ونهبتم ثروتنا واحرقتم قرى باكملها.
اما كان الاجدر بك كونك تحمل شهادة عليا ان توجة كلامك الى حكومة الصهيل الذي قتلت اهلنا وسفكت دمناء ونهبت ارضناء وقضت على كل ماهو جنوبي
لذا عليك ان انت ان تنصحها كونك من يدافع عنها في بريطانيا 
ياخي اتق اللة اما كفاك ماقلت من زيف وتظليل في قناة المستقلة او المستغلة اما تعلم انك محاسب ولن ينفعك حريب ولاشيوخة ولا الصالح ولاخيولة ولامال ولاشهادة 
علي الكندي
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 2) » الترجمة الألمانية
      محمد المطري عندما تتحدث وسائل الاعلام الألمانية عن الجهاد تذكر اللفظة العربية كماهي وتوضح بأنها الحرب ضد غير المسلمين Jihad: Krieg gegen ungläubige وهو مايجعل المشاهد يعتقد أن المسلمين يقتلون كل من لايؤمن بعقيدتهم وأن مايقوم به تنظيم القاعدة ماهو الا تنفيذا لهذا الأمر.
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 3) » رد على تعليق علي أبو حيدر
      أبوشايف أرجو إعاده قراءه ماقاله الدكتور محمد


      والإمعان في ما عناه


      لأنك في وادي وهو في وادي


      وأتق الله إنت ياعزيزي
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 4) » د. محمد جميح
      علي الأخ الدكتور محمد. جميعنا حملة درجات علمية من بريطانيا ولكن رجعنا بلادنا مهما كانت المتاعب. فاذا فيك خير رجعت أو أفضل لك تبطل تكتب عن اليمن....
      النظريات ما تفيد..............
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 5) » أتذكر
      الموساي أتذكر يادكتور محمد خطبك الحماسيه التي كنت تلقيها قبل أن تدرس في الخارج أليس الجهاد لأعلى كلمة الله أولا والجهاد عن النفس وعن العرض والمال ألم يحاربو الله ويقتلو الأنفس البريئه ويهتكو الأعراض وينهبو المال والله سبحانه يقول فأن عاقبتم فعاقبو مثل ماعقبتم
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 6) » ما السبب
      مراقب الخبير يقحم انفه دائما فيما لا يفهمه ودائما الجميح مثل الحرباء يوم مع الشمال ويوم مع اليمين أي هضربه على الفاضي , وانا بصراحة اقرء الكثير من المقالات لكتاب يمنيين واقرأ التعليقات عليها من قبل القراء بس بصراحة ان لا يوجد كاتب ينتقد بسخرية كما ينتقد الجميح , لماذا ؟ : الله وحده يعلم ايش السبب
      7 سنوات و 5 أشهر و 23 يوماً    
    • 7) » لماذا ياشباب اليمن
      أبن حريب لماذا ياشباب اليمن تخلطون الأمور ألاتفهمون الأخ الجميح مسلبط أين ماحصل العيشه أتكلم لوكان صادق كان عاد إلى وطنه الذي خسر الكثير على تعليمه ولم يقدم لوطنه أي مقابل فهو الآن موظف في بلديه في بريطانا ويخدمهم فأين الأخلاص للوطن كماهو يقول أليس الوطن في حاجة المبدعين والمثقفين لكي ينهض ويكبر بأهله فاتق الله ياجميح وكن مع المظلوم لامع الظالم ودعنانفتخر فيك ونقول تعيش الوحده اليمنيه ومدرسة الوحده التي أنطلقت منها
      7 سنوات و 5 أشهر و 22 يوماً    
    • 8) » ببغاء فقط
      مستغرب جدا عندما يكتب بعض الناس من مأرب يكتب جميح ليذكر بنفسه فقط وعلى استعداد لبيع ما يطلب منه. هكذا المتطفلون والمنافقون
      7 سنوات و 5 أشهر و 21 يوماً    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية