د. محمد جميح
اليمن ورعب الأرقام
د. محمد جميح
نشر منذ : 4 سنوات و 10 أشهر و 8 أيام | الإثنين 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 04:04 م

ما الخطر الداهم في اليمن؟

في الإجابة عن هذا السؤال، من المؤكد أن سفير واشنطن في صنعاء جون فايرستاين سيقول من دون تردد: «تنظيم القاعدة». المتخوفون على الجمهورية بدورهم سيقولون: «الحوثيون بمشروعهم المتكئ على نظرية (أحقية البطنين بالإمامة)». «تجمع الإصلاح» سيقول: «بقايا النظام». أما علي عبد الله صالح، فسيقول من دون تردد: «الإخوان المسلمون»، وقد يشاركه في ذلك الحوثيون. الحراك الجنوبي سيقول: «نظام صنعاء». والوحدويون سيقولون: «خطر الانفصاليين لا يبارى». أما الحوثيون فسيقولون: «أميركا وإسرائيل والوهابية وعملاء قوى الاستكبار العالمي» وسيغترفون من القاموس الإيراني ما يشاءون. أما شباب الثورة، فقد كثرت عليهم المخاطر وأظنهم لا يعرفون متى وكيف ومن أين سيأتي الخطر الداهم.

في قائمة الخطر أعلاه لا ترد أخطار حقيقية، مع أن كل واحد منها أشد فتكا من الانقسام السياسي والأمني الحاصل في البلاد. من الأخطار التي لا يلقي لها «قوم سبأ» بالا نضوب البترول خلال سنوات، ونضوب الماء في حوض صنعاء بالتزامن مع ذهاب النفط، لتصبح صنعاء، حسب تقديرات دولية، أول عاصمة في العالم تنضب منها المياه، ثم نضوب المياه من معظم محافظات البلاد المهددة بالخطر في فترات متزامنة مع الاستنزاف الكبير للمياه الجوفية، هذا عدا ارتفاع معدلات النمو السكاني، والقات، والفساد، والأمية.. وغيرها.

وفي بلاد يقوم اقتصادها على النفط، وتعتمد الحكومة عليه في 75% من عائداتها، يشكل نضوب النفط كارثة، وقد انخفضت صادرات النفط بالفعل من 450 ألف برميل يوميا عام 2003 إلى 208 آلاف برميل عام 2009.. إلى 170 ألف برميل في اليوم عام 2011، وربما تناقص الآن عما كان عليه العام الماضي.

المشكلة أن الاستثمار في البدائل لاقتصاد النفط في البلاد لا يكاد يذكر، مع وجود فرص كبيرة للاستثمار السياحي والتجاري بالإضافة إلى الاستثمار في الثروة السمكية والنقل البحري. ومما زاد من تعقيد الوضع في ما يخص اقتصاد النفط أن عمليات الاستكشاف الجديدة تعترضها صعوبة إحجام الشركات الدولية بسبب الوضع الأمني، وتعقيدات الوضع السياسي. وأما المياه، فإن وضعها يوازي وربما يتعدى خطورة وضع النفط، فالبلاد التي قامت حضاراتها القديمة على الزراعة، والتي شيدت لها مئات السدود، تتجه اليوم لحالة من نضوب مواردها المائية بشكل لا يوازي خطورته إلا الصمت الرسمي المطبق على ذلك الوضع. ومما يزيد الأمر تعقيدا أن أغلب مصروفات المياه تذهب لزراعة شجرة القات التي يتناولها 75% من الرجال في اليمن.

أمام اليمن خيارات في هذا الشأن؛ كل منها أكثر صعوبة، غير أنها ليست مستحيلة: الاتجاه إلى التحلية، وهي عملية مكلفة ومعقدة إذا ما تصورنا ضخ المياه المحلاة من الحديدة على ساحل البحر الأحمر إلى صنعاء على ارتفاع آلاف الأقدام. وهناك حل الاهتمام بالسدود، غير أنها ربما لا تكون كافية لتوفير المياه اللازمة للزراعة والاستعمال المنزلي مع تكلفتها الكبيرة إذا ما تصورنا حجم الاحتياج الحالي. وهناك حل يخص صنعاء وحدها، وهو أن تنقل العاصمة المهددة بالجفاف إلى مكان آخر، وهو حل قد يكون مستغربا، لكن ربما لا يكون منه مناص لو استمر الوضع على هذا المنوال، خاصة مع تكاثر الآبار العشوائية التي قضت على مخزون المياه الجوفية، التي يقول وزير المياه والبيئة السابق عبد الرحمن الإرياني إن 99% منها عشوائي.

أما التعليم، فإن معدلات الأمية وصلت إلى 50% بين الذكور، بينما هي 70% بين الإناث، وأما معدلات النمو السكاني، فعلى الرغم من الانخفاض الذي سجلته خلال السنوات القليلة الماضية، فإنها لا تزال عند 3.4% سنويا، وهي من بين الأعلى في العالم، وهذا المعدل لا ينطبق على صنعاء التي سجلت قبل سنوات معدلا وصل إلى 7% سنويا نتيجة تزايد الهجرات الداخلية من الريف إلى العاصمة.. كل ذلك مع توقعات بأن يصل عدد سكان البلاد إلى أربعين مليونا خلال عقدين، مع تحديات ديموغرافية تتمثل في وجود ما يقارب 25 مليون نسمة من اليمنيين يعيشون في 135 ألف قرية وتجمع سكاني، وثلثاهم يعيشون في الأرياف، مما يعقد عملية وصول الخدمات الضرورية إلى معظمهم؛ على ندرة هذه الخدمات.

والفساد في اليمن يعد قضية القضايا، وقد دأبت التقارير الدولية الصادرة عن حالة الفساد في اليمن على التركيز على القضايا ذاتها لسنوات طويلة، على الرغم من تشكيل هيئة وطنية لمكافحة الفساد. وأذكر أن أحد تقارير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قد أشار قبل سنوات إلى أربعة مصادر رئيسية للفساد في البلاد هي على التوالي: «عملية وضع الميزانية الوطنية، ونظام المشتريات، والنظام العسكري - التجاري، وحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم»؛ نقلا عن (كريستوفر بوتشيك، «اليمن على شفا الهاوية»، ص24). والمؤمل أن تحمل التقارير المقبلة انخفاضا كبيرا في معدلات الفساد بعد التغيير الذي حصل في البلاد.

ومما يزيد من تعقيد المشكل أنه ليس اليمنيون وحدهم (مع أنهم أهل الشأن) من يتجاهل هذه الحقائق المرعبة التي تنطق بها الأرقام عن الأوضاع في البلاد، بل إن أصدقاء اليمن يشتركون في تجاهل هذه المخاطر التي يستحق كل منها لقب «كارثة وطنية» بامتياز. ومع أن الجانب الأميركي - على سبيل المثال - ينفي دائما أنه يركز في دعمه لليمن على الجوانب الأمنية والعسكرية فقط، إلا أن الأميركيين في حقيقة الأمر يعنيهم في المقام الأول وضع تنظيم القاعدة دون غيره، وهم يربطون القضايا الأخرى بملف الحرب على الإرهاب، وهذه سياسة قاصرة ومضرة للبلدين، فـ«القاعدة» ما هي إلا منتج لمجمل المشكلات التي لخصتها الأرقام المذكورة هنا.

يقول كريستوفر بوتشيك في كتاب «اليمن على شفا الهاوية»: «إن للولايات المتحدة مصالح مستمرة في السياسة الخارجية والأمن الوطني في ما يتعلق باليمن، تتجاوز قضايا مكافحة الإرهاب. ولهذا، فإن من مصلحتها مشاركة اليمن في قضايا أخرى من شأنها أن تسهم بشكل غير مباشر في تحسين الأمن الداخلي». فهل يستمر الأميركيون في محاربة «القاعدة» بالطرق التي تعيد إنتاجها، مع تجاهل جملة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها؟

يُحكى قديما أن السبئيين ظلوا يهملون سد مأرب، ويتجاهلون تراكم المخلفات والأتربة في قنواته ومصارفه، ولا يلقون بالا لتآكل مصداته وأساساته، إلى أن جاءت لحظة الكارثة؛ حيث انهار عليهم السد وجاءهم سيل العرم الذي حمل إلى الرمال حضارتهم التي باهوا بها العالم القديم. ترى هل يكتفي السبئيون اليوم بالتفرج على السد وهو يتآكل أمام أعينهم دون أن يحركوا ساكنا؟ من يوقف انهيار السد؟ من ينقذ السبئيين؟

تعليقات:
    • إجمالي تعليقات: 13
    • 1) » أول مرة .. تكتب صح!!
      أول مرة هذه أو ل مرة نقرأ فيها مقالا لجميح يناقش هموم اليمن ومستقبله .. هذه أول مرة يناقش قضا يا اليمن الهامة والخطيرة والكارثية - كما سماها - وهذا إن دل على شيء فانما يدل على أن الرجل بدأ يكتشف أن المواضيع التي كان يتناولها سابقا لا تؤدي الا الى تأزيم الأمور وبالتالي الى حروب فيصبح اليمن في النهاية في خبر كان كما كان قوم سبأ بعد سيل العرم الذي كان سببا في انهيار حضارتهم أوجرفها الى الرمال..! جيد هذا التطور عند جميح وخطوة نوعية تحسب له..
      للأسف الشديد فان الحالة الخطيرة التي يحذر منها اليمنين ويتساء ل عمن سيوقف الأنهيار وإنقاذ السبئيين .. هذه الحالة المؤسفة أوصل اليمن اليها ذلك النظام الذي كان ومايزال يدافع عنه .. ويوزع اتهاماته على أبناء اليمن يمينا وشمالا حسب مايملى عليه. هذا المقال محسوب له.. لعلها خطوة الى الأمام.
      4 سنوات و 10 أشهر و 8 أيام    
    • 2) » الجميح دايماً يكتب صح
      متابع يا معلق رقم واحد إذا ما أعجبتك كتابات الدكتور الجميح السابقة فلأنك حوثي ولا تريده يفضح عنصريتكم وتقيتكم. أتمنى على الدكتور أن يظل يكتب في كل ما يرفع من وعي هذا الشعب الذي يريد الحوثيون أن يستعبدوه من جديد، مع ان كل كتاباته في الصالح العام
      4 سنوات و 10 أشهر و 8 أيام    
    • 3) » أرقام مخيفة
      يمني بالفعل أرقام مخيفة، آمل أن يقرأها أصحاب الشأن..
      شكراً دكتور محمد
      4 سنوات و 10 أشهر و 8 أيام    
    • 4)
      ابن سمعون مامات انسان منالجوع والظماء في اليمن يالجميح
      اليمن انشاء واعدة وادكر بيت من الشعر للامير خالد الفيصل حين قال -اللة سقانامن بحرنا ماء عدوبة وانتم مياكم مثل البحر هدر تنساب لدينا دوحة لوفي عقول في اليمن ستكون سلة غداء للمنطقة برمتها -لدينل بحرافضل من بحر ماليزيا وسنصدر للعالم لدينا يدعاملة بس لايوجد لدينا مصانع لدينا دول مجاورة غنية لم نستفدمنهاولدينا ولدينا ولكن قبل لاتوجد عقول ياجميح في اليمن لاتوجد قلوب باغضة بعض الشمال غزي الجنوب واحول الوحدة الي احتلال لدينا ستة حروب وقائدها اليوم من الثوار لدينا قاتل ومجرم وفاسد تحصل علي حصانة لدينا حوثي يعث في الارض فساد اللة لنا ياجميح
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 5) » على الله يا جميح
      ناصر الحضرمي و في السماء رزقكم و ما توعدون ..
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 6) » نعم ولكن...
      مؤمن بعض المعلقين يردون الأمر إلى الله..وهذا صحيح ، الله هو الرزاق، لكن الله أمرنا بالسعي لمنع هذه الكوارث التي ذكرها مقال الكاتب
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 7) » النخبه السياسيه هي التحدي الاكبر
      صريح ماورد في المقال يستحق التامل والتفكير وان لايترك في ادراج الوزارات المعنيه بايجاد حلول للتحديات التي ذكرت بالمقال .باعتقادي ان اهم تغيير يجب ان يحدث في عقلية النخبه السياسيه اليمنيه .هذه المجموعه البشريه عليها يقع الكثير من الاخفاقات في اليمن في مجال التنميه وغيرها.النخبه السياسيه اليمنيه فريده من نوعها في كونها ترى نفسها كانها ضيف عابر وتحاول ان تراكم اموالها واماكن سكنها وان تشفى حتى امراضها خارج بلدها اليمن ولا تثق بمواطنيها وكأنها تعيش في بيئه معاديه لها.النخبه السياسيه اليمنيه تعاني من عقد ذي يزن التي ترى ان في الخارج العلاج لمشكلات البلد الذي يحكمونه ولم تحاول ان يكون لها رؤيه محليه واراده سياسيه داخليه تصلح بها اوضاع بلدها السيئه .على مستوى الفرد العادي لقد وصلنا مرحلة رؤية الخطا وممارسته وكأنه هو الصواب بوعي او بغير وعي .نحن بحاجه الى اعادة تأهيل كشعب وكحكام .
      4 سنوات و 10 أشهر و 7 أيام    
    • 8) » طبل
      طبل يا جميح انت حاقد على الوطن وهذا المقال دليل انك تتشفى فيه
      4 سنوات و 10 أشهر و 6 أيام    
    • 9) » عميل سابق
      عميل طبلت للنظام لما شبعت من الهبر، واليوم تتباكي يا دموع التماسيح
      تذكر هجومك على أنصار الله والشرفاء من أبناء هذا البلد والا نسيت
      4 سنوات و 10 أشهر و 6 أيام    
    • 10) » كيف نفكر؟
      محمد العواضي هل ستحل هذه المصائب المتراكمة ؟ كيف ؟ متى ؟ هل هناك أمل ؟
      الإجابة يا بن جميح يمكن قراءتها مما بين سطور تعليقات القراء فهم المواطن المتضرر والمستفيد وهم من يقرر تغيير الوضع من عدمه .
      ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بإنفسهم ..وإن غيروا دولهم .
      ومن قراءتي للمزاج اليمني العام فإني لا أرى بوادر حلول قريبة .
      السبب الرئيس أن معظم الناس تعيش لنفسها بمعزل عن البقية فما دامت أمور مواطن ما (سابرة ) فإنه لا يأبه لغيره .
      وبعض الناس ترد الأمر تواكلاً على الخالق متناسية أن الله خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض وسخر له مافي السماوات ومافي الأرض لينظر كيف يعمل ..الله يقول أن العمل علينا ونحن ندعوه أن يقوم بإعمالنا !!!
      المفروض العمل والكد ثم طلب العون والبركة والسداد....وإلا ما هو ؟
      4 سنوات و 10 أشهر و 6 أيام    
    • 11) » الدوحه
      حميد ابو حمزه أرقام مخيفه لاكن اذا وجدت السياسات الصحيحه لمواجهتها فمن السهل التغلب على التركه العفنه التي ورثها لنا النضام الفاسد
      4 سنوات و 10 أشهر و 5 أيام    
    • 12) » سر دور لك مهرة
      متابع سر دور لك مهرة يا خبير
      لا أنت كاتب ولا سياسي..هي بقايا فلوس الوهابية وآل سعود تتاجر بها يا عميل البريطانيين
      4 سنوات و 10 أشهر و 3 أيام    
    • 13) » واقع القراءة مزري في اليمن
      يمني الحقيقة أن ردود الكثير من القراء تدل على واقع القراءة المزري..قراء يرون اسم الكاتب الذي له مواقف ضد توجهات طائفية وسلالية حوثية على سبيل المثال، ويردون عليه من واقع مقالات أخرى وحقد أعمى..ما علاقة المقال ببعض الردود عليه، يا مقبلين الركب والاقدام
      4 سنوات و 10 أشهر و 3 أيام    
  • تحديث التعليقات
  • يمكنك الآن الإضافة المباشرة للتعليقات، وعدد كبير من المميزات والخيارات المتاحة فقط للأعضاء ( للدخول إلى حسابك إضغط هنا |  لإنشاء حساب جديد إضغط هنا)
    الاسم
     
    العنوان
     
    بريد الكتروني
     
    نص التعليق
     
    الإخوة / متصفحي مأرب برس نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • لن يتم اعتماد اي تعليق يخرج عن اطار الموضوع ولا يلتزم الموضوعية والجدية