واقع ملحقياتنا الثقافية..والنموذج..الذي يجب أن يُحتذى
بقلم/ عبدالملك طاهر المخلافي
نشر منذ: 10 سنوات و 3 أشهر و 10 أيام
الأربعاء 09 يناير-كانون الثاني 2008 07:29 م

مأرب برس - خاص

يتمثل الهدف من إنشاء الملحقيات الثقافية في سفارات الجمهورية بالخارج.. في العمل على رعاية شئون الطلاب الموفدين وتذليل مشكلاتهم وتوفير الأجواء التي تساعدهم على التحصيل المعرفي, وكذلك السعي إلى تمتين الروابط العلمية والأكاديمية والبحثية والثقافية بين بلادنا والدول الشقيقة والصديقة, وتنظيم الأنشطة والفعاليات التي من شأنها إبراز الوجه الحضاري لليمن.

وللنهوض بهذه المهمة العظيمة كان يفترض أن يخضع التعيين في الملحقيات الثقافية والتعليمية لمعايير دقيقة وأن يكون من الشخصيات المثقفة والأكاديمية والخبيرة, إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك, حيث أصبحت الملحقية الثقافية عبارة عن مكافأة لبعض أصحاب الحظوة من الشخصيات التي لا تمت إلى العمل الاكاديمي والثقافي بصلة, لذلك ينشغل الملحقون ومساعدوهم عن مهامهم الحقيقة بتحسين أحوالهم, فالبعض-وهم الملحقون الطيبون والأقل فساداً -يقنعون أو يكتفون بمزاياهم المكتسبة قانوناً بالإضافة إلى استغلال المنصب لتأهيل أولادهم وبعض أقربائهم ومحاسيبهم في جامعات الدولة المضيفة, ومنهم من يزيد على ذلك بتأهيل نفسه للعودة بشهادة عليا قد تكون ذات فائدة في الزمن القادم إذا ُسدت في وجهه الُسبل.

أما البعض الآخر- وهم الملحقون الثقافيون الأكثر فساداً وجشعاً- فيعتبرون تعيينهم في ذلك الموقع فرصة ذهبية لمراكمة المزايا والمنافع الخاصة,لذلك فهم لا يتورعون عن استغلالسلطاتهم لإذلال الطالب والاستعلاء عليه والخصم من مستحقاته وتأخير صرفها أو الاتجار بها أو إيداعها في البنوك نظير فائدة معينة, بالإضافة إلى تسخير المنح المتاحةلتدريس أولادهموابناء عمومتهم ومنطقتهم وابناء الداعمين لهم في الداخل, ليس ذلك فقط, بل وتجد في حوزة هذا الصنف الفاسد من الملحقين الثقافيين قوائم لطلاب وهميين, وأخرى لطلاب متخرجين يجنون بموجبها مبالغ مالية كبيرة من الخزينة العامة, علاوة على ذلك, فهم لا يترددون في استحداث وظائف واعمال إدارية لابنائهم في هيكل الملحقية, هذا ناهيك عن التلاعب بمخصصات الملحقية من النثريات وتذاكر السفر.

ومع ذلك فان البعض منهم لا يكتفي بكل هذا الكم الهائل من المزايا المشروعة وغير المشروعة, بل تراه يجوب أسواق الدولة المضيفة لعله يعثر على وكالة تجارية أو سلعة مطلوبة في الأسواق اليمنية ليتولى أمرها. لا شك أن هذه الفئة من المستشارين الثقافيين تعد الأسواء, ويندرج ضمنها ما اخبرني به متحسراً أحد الزملاء طلاب الدراسات العليا الموفدين إلى دولة كبيرة, حيث قال: تأخرت المنحة المالية كثيراً ونفد ما بحوزتي منمصاريف فارتأيت أن اتصل بالملحق لعله يقرضني مبلغاً يعينني أنا والعائلة على المعيشة, فاتصلت به وأخبرته أنني وأولادي بحالة يرثى لها ونريد مساعدته بسلفة أو ما شابه ذلك ... فما كان رد الملحق إلا أن قال: أتمنى أن أراك أنت وأولادك تشحتون في باب المسجد. 

لكل ذلك أصبحت الملحقيات الثقافية مفروغة من مهامها العلمية والثقافية والأكاديمية وتم اختزالها في ( صندوق وختم) لصرف مخصصات الطلاب وتعميد وثائقهم ليس أكثر, ونتيجة لذلك شاهدنا مؤخراً ارتفاع موجة احتجاجات واعتصامات واسعة في أوساط الطلاب الموفدين, أخذوا يجأرون بالشكوى ويرفعون مناشداتهم إلى أعلى المرجعيات في الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية حفظه لله, وذلك للتدخل لإنصافهم من عنت القائمين على الملحقيات الثقافية, وصرف مستحقاتهم المالية.

إذا كان هذا حال أغلب الملحقيات والمستشارين الثقافيين, فلا شك إن هناك نماذج قليلة منهم تستشعر مسئوليتها نحو الوطن والطالب الموفد وتعمل بأسلوب شفاف ونبيل, مما يستوجب علينا أنصافها ودعمها وتثمين جهودها وإبراز عطاءاتها للناس ليميزوا بين الصالح والطالح, ومن تلك الشخصيات التي تعمل بصدق, على سبيل المثال, الدكتور أحمد الأميري أستاذ علم النفس بجامعة تعز .. الذي وفد على متن أحد باصات النقل الجماعي متشحاً قرار تعيينه كملحق ثقافي وتعليمي بسفاراتنا في الرياض, قدم وبين جنباته طاقة هائلة للعمل, وفي جعبته تصور كامل عن هموم الطلاب ومشكلاتهم العلمية والمالية والمعيشية, وذلك بحكم أنه كان لا يزال طالباً موفداً منذ سنوات قليلة. وليس من المبالغة في شيء عندما نقول أننا معشر الطلاب الموفدين إلى السعودية محظوظون أن يشرف على أمورنا رجل اكاديمي وقائد انساني نادر كالدكتور الأميري, بما يمتلكه من خلق رفيع و شخصية ديناميكية وقدرة عجيبة على الحركة والالتحام بالناس وتنمية العلاقات, وربما أن تخصصه في علم النفس قد ساعده على فهم النفس البشرية واختيار الطرق المناسبة للتعامل مع الأنماط المختلفة البشر.

والدكتور الأميريمع أنه مسئول حكومي إلا انه لا يعبأ كثيراً بالرسميات ولا يمارس حيل البيروقراطيين في العمل الإداري, لقد كان أول ما قام به أن أخرج الملحقية الثقافية من صندوق البيروقراطية الصديء, أنزلهامن ذلك البرج العاجي الذي يصعب على الطالب طرق أبوابه والوصول إلى من فيه, وجعل أبوابها مشرعة لاستقبال الطلاب والاستماع إلى همومهم, ولم يعمل بذات الأسلوب الذي تدار به ملحقياتنا الثقافية والقائم على التطفيش والهنجمة والفوقية والتجسس على الطالب والتهديد بقطع رزقه, بل يعتمد على مفاهيم الإدارة الإنسانية وقيم الإدارة بالزمالة وبما يليق بتلك النخبة المستنيرة التي كلف بإدارة شئونها من الطلاب الجامعيين وطلاب الدراسات في مختلف التخصصات العلمية, ليس ذلك فقط بل هو لا يستنكف أن يتفقد طلابه في مساكنهم في الجامعات ويشاطرهم شرب القهوة في غرفهم, كما انه حريص ألا يفوته حضور مناقشة اطروحاتهم العلمية, والشيء الأغرب من ذلك أن تفاجأ وأنت في كليتك باتصال هاتفي من المستشار الأميري يدعوك لسرعة استلام مخصصاتك المالية التي تصرف فور وصولها إلى السفارة دون أي خصم منها ولو هللة واحدة, وهذه حالة فريدة في حياة الطالب اليمني الموفد, إذ يندر أن يقوم بها الملحقون الثقافيون الآخرون الذين سمعنا انهم يتلكاؤن في صرفها و يعمدون إلى تأخيرها للاستفادة من عوائدها.

والأميري, علاوة على ذلك, لم يكتفي بالجلوس على مكتبه ليمارس التوقيع على الأوراق والخطابات بل تراه يقوم بحركة دائبة لإدارة شبكة واسعة من التنسيقات واللقاءات مع رؤساء الجامعات السعودية والمسئولين التربويين ورجال الأعمال في سبيل تذليل مشكلات الطلاب واستكمال إجراءات قبولاتهم لدى الكليات, والبحث عن الحوافز الممكنة من رجال الأعمال اليمنيين في المملكة لتشجيع الطلاب المبرزين, كما يسعى إلى العمل على ربط الحركة البحثية في الجامعات اليمنية بحركة البحث العلمي بالجامعات السعودية.. كل ذلك متنقلا ً على متن لومازين (تاكسي) لإنجاز تلك المهام, حيث لم يعهد إليه بسيارة حكومية بعد.

ألا تتفقون معي أن هذا نموذج إداري وتربوي يجب أن يحذو الآخرون حذوه؟ .