سُبلة العيد!!
بقلم/ حبيب العزي
نشر منذ: 5 سنوات و 6 أشهر و 20 يوماً
الأحد 04 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 12:18 م

قلت لصاحبي : خلاص كمَّل العيد .. قال: لا.. باقي السُّبلة !!

سُبلة العيد .. هي اختراع حصري لنا نحن اليمنيين فقط ، لم ولن ينافسنا عليه أحد من باقي خلق الله في كل شعوب العالم ، فنحن الوحيدون من بين كل الشعوب من يملك المقدرة على ابتكار اختراعات جديدة " وبخاصة مع بداية جلسات القات" ، لكنها وللأسف لا تستحق الحصول على البراءة ، لأنها تتبخر في الهواء عند الساعة السليمانية ، ولمن لا يعرف الساعة السليمانية فليسأل عنها موالعة القات.

في سياق متصل كنتُ قد قرأت تعليقاً لأحدهم على مأرب برس ، أعتقد أنه لموظف في مجموعة هائل سعيد أنعم ، انتقد فيه المجموعة بشدة على قرارها بخصوص إجازة العيد ، بل ووصف قراراتها بأنها "تضيِّق على الناس حياتهم" بحسب تعبيره ، والسبب من وجهة نظره أنها خالفت الخدمة المدنية وأعلنت لموظفيها أن الأربعاء 31 أكتوبر هو أول يوم دوام بعد الإجازة ، بينما الخدمة أعلنت السبت 3 نوفمبر هو أول يوم دوام بعد العيد ، وأنا قد ألتمس العذر لهذا الموظف، الذي اختلطت عليه الأمور بسبب محدودية وعيه، فهو ينظر للخدمة المدنية وكأنها هي القانون الذي يتوجب على المجموعة أن تحترمه ، بينما لا أستطيع التماس العذر للجهة التي تخالف القانون في الوقت الذي يُفترض أنها المعنية بتطبيقه ، بل وبمحاسبة ومعاقبة من يخالفه، ومع الأسف الشديد فإن مثل هذا الفهم السطحي منتشر بكثرة في أوساط العديد من شبابنا ، بل وحتى مثقفينا ، بسبب تفشي حالة "اللاوعي" بالقوانين وبالتشريعات، وبسبب تدني المستوى الثقافي للعديد من الأوساط الاجتماعية ، إذْ كان الأولى بمثل هذا الموظف في حال تمتعه بهذا الوعي الذي نتحدث عنه أن يبعث برسالة تحية وتقدير لهذه المجموعة باعتبارها تساهم – بمثل هكذا قرارات- في إرساء وتدعيم مبدأ سيادة القانون من جهة ، كما تعمل على تعزيز مفهوم احترام وتقديس العمل والإنتاج من جهة أخرى، باعتبار أن كل ذلك يعد من الركائز الهامة والمحورية في عملية التنمية الشاملة التي هي مناط تقدم المجتمعات ودليل تحضرها.

فعندما تصدر وزارة الخدمة المدنية إعلاناً تقول فيه بأن "إجازة عيد الأضحى ستبدأ يوم الخميس الموافق 25 أكتوبر 2012م وستنتهي يوم السبت الموافق 3 نوفمبر 2012م" ،فإنها بذلك تكون قد خالفت صريح القانون الخاص بتحديد الإجازات والعطل الرسمية "قانون رقم (2) لسنة 2000م" ، والذي نصَّت مادته الثالثة في الفصل الثاني ، البند رقم (2) من الفقرة (أ) على ما يلي : "مناسبة عيـــد الأضحى المبــارك وتبدأ من يوم 9 ذي الحجة وتنتهي في اليوم الرابع من أيام العيد "، بمعنى أن الإجازة تنتهي يوم الاثنين ، والثلاثاء هي بديل عن الجمعة وبالتالي فالدوام يبدأ الأربعاء بحسب نص القانون، بل الأعجب من ذلك أنها ذيَّلت ذلك الإعلان بالقول: "وذلك استناداً إلى القانون رقم (2) لسنة 2000 بشأن تحديد الإجازات والعطل الرسمية المادة (3) الفقرة (أ)" ولم تذكر النص، وكأنها تدرك جيداً أن السواد الأعظم من الناس لا تقرأ نصوص القانون أصلاً ناهيك عن الوعي باحترامها وأهمية تطبيقها.

شخصياً ليس لي اعتراض على إضافة الأربعاء والخميس للإجازة من حيث المبدأ ، ولكن اعتراضي على طريقة الإجراء من الناحية القانونية ، التي يجب أن تُعلي من شأن القانون واحترامه، خصوصاً بعد ثورة التغيير التي أتت بالأساس لإرساء ثقافة احترام القانون، فالإعلان الصادر عن الوزارة كان ينبغي أن يتضمن توضيحاً دقيقاً –من وجهة نظري- لمآل يومي الأربعاء والخميس من الناحية القانونية ، حتى لا يظن القارئ للإعلان أن الوزارة ذاتها لا تحترم القانون ، وأنها باتت تُشرعن لمفهوم "سُبلة العيد" بمثل هكذا إجراء ، وإذا كان رب البيت بالدف ضارباً .. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص!

سُبلة العيد .. باتت -بكل أسف- ثقافة لدى قطاع واسع من الموظفين في جهاز الدولة ، وقطاع التعليم أخذ نصيب الأسد منها ، فالمدرس يتغيب لأن الطالب لا يحضر على حد قوله ، وعندما تسأل الطالب عن سبب تغيبه يجيبك بالقول: "عاده ما فيش دراسة سع الناس والطلاب ميحضروش" ، وسبلة العيد تعني باختصار .. أننا شعب "أو لنقل معظمنا حتى لا نعمم" لا نقدس العمل والإنتاج ، ولا نُعلي من قيمته في أوساط مجتمعنا ، والذي هو "عبادة" في صُلب معتقداتنا وفي أصل منهجنا كمسلمين، كما تعني أننا لا نحترم الوقت ولا ندرك معنى الالتزام ، ما يعني أننا فقدنا صفة الوفاء بالعقود ، والتي هي إحدى دلائل الإيمان وعلاماته ، وهنا تكمن خطورة الأمر وبخاصة عند الفرد المسلم ، الذي ينبغي أن يكون مثالاً يُحتذى به في الالتزام ، وذلك امتثالاً لقوله سبحانه "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ..." ، وأعني بالعقود هنا هو ذلك الاتفاق المبرم بينك وبين الجهة التي تعمل معها أكانت حكومية أو قطاع خاص أو غير ذلك، والذي يُعد توقيعك عليه إقراراً خطياً بكل البنود الواردة فيه ، والتي يأتي في مقدمتها الالتزام بمواعيد الدوام في العمل ، كما تعني الالتزام بمجمل النظم واللوائح التي تُسيّر الأعمال في هذه المؤسسة أو تلك ، والتي يُفترض أن المُشرَّع قد قام بإعدادها وسن القوانين اللازمة لها ، وفقاً لما يلبي مصالح الناس واحتياجاتهم.