خصومة منسجمة
بقلم/ جمال انعم
نشر منذ: 6 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام
الجمعة 16 ديسمبر-كانون الأول 2011 11:07 م

يتطلب منك العمل الثوري أن تكون في الموقف الضد , ويفرض عليك العمل السياسي أن تجمع بين الأضداد , في العمل الثوري التفاؤل قرين الوضوح وفي السياسي التشاؤم قرين الغموض , بين التفاؤل والتشاؤم يتوزع كثيرون محاولين الجمع بينهما أو إيجاد توافق ما يحافظ على بقائهم في خصومة منسجمة تتضافر فيها الثقة والهواجس المقلقة على نشدان التغيير .

لنكن متفائلين إذاً ومتشائمين , وليكن هذا الإقتران عامل صحة , الحالة الثورية الساخنة المتأججة تضمن تقدم الواثق وعلى هذا الشرط فإن التعامل بحساسية مفرطة وذهنية مرتابة مع تعقيدات الفعل السياسي ينبغي أن يكون من الأمور الحامية .

نريده تشاؤماً إيجابياً صحياً , محرضاً على اليقظة والإنتباه , لا نريده مرضياً يرتد على الذات جلداً ولعناً وأحكام إعدام بالجملة , لا نريده يأساً يعمينا عن الرؤية ويدفع بنا إلى الإصطدام بذواتنا ويقودنا إلى الهاوية .

ترددت كثيراً في الكتابة عن ما آلت إليه الأمور , كتبت إلى عديد من الزملاء مختبراً أفكاراً شتى محاولاً تشييد يقين بجدوى هذا المسار المحفوف بكثير من المحاذير والمخاطر .

كتبت أيها الصديق " في رأسي أفكار حول الموقف المتوجس من العملية السياسية وهواجس المهزومين المسكونين برهاب بيئة القهر إلى حد عدم القدرة على تصديق إنتصاراتهم مهما بدت واضحة , أريد مناقشة مخاوفنا الصحية والمرضية وقابليتنا للاسترابة وإنعدام الثقة وعدم إستطاعة البعض التخلص من صورة صالح الملازمة كمكار ومخادع وكاذب متلون , وتسلط فكرة بقاءه عليهم رغم تحقق خروجه من حياتهم تماماً " .

وكتبت كمن يتبرأ من ذنب سلف في حق السياسي " لدينا واقع معقد , ونزيد الأمور تعقيداً حين نطالب السياسيين من فضاء الثورة المفتوح بقول كل شئ , في حين أن السياسة قد تكون عملاً خانقاً يضطرك لأن تغص بما لا تحب وتسيغ ما تكره وقد يضطرك لأن تناور وتخاتل وتلتف وتدور وتقول نصف الكلام وربما ما هو أقل من ذلك مما لا يشبع أو يقنع " .

قد يكون العمل السياسي صراعاً في العتمة , يستدعي نفاذ البصيرة أكثر من البصر .

و كتبت أيها الصديق " تعرفني متردداً كثير الهواجس وأصدقك القول أني ربما كنت في هذه القضية مسكوناً بالتوجس العام حد التورط في ممالئة المزاج الثوري الحاد في رفضه للمبادرة وإرتيابه من العملية السياسية عموماً , يجيد الكُتّاب إخفاء تحيزاتهم وراء أستار مدعاة محبوكة بعناية ويجفلون من أن يشهدوا أحياناً بكفاءة وجدارة السياسي رغم وضوح تفوقه وثبوت مهارته وحنكته فقط لأنهم يخشون خسارة جمهور أعتاد منهم مشايعته في موقفهم الناقم والساخط على طول الخط , هي لعبة إرضاء الذوق العام المناهض والمعارض , لكل ما يجيء من أهل السياسة , كثيراً ما يبدو السياسي ضحية موزعة بالتساوي بين الكاتب والجمهور , هو المُنتّقد دائماً , هو الموبخ والمبكت والملام , ويرى الكاتب أبداً وفي يده أداة مقلاة واسعة مغمورة بزيت بلاغي فاخر تتقلقل فيه رؤوس الساسة وجبة الجياع المفضلة وطبخة الكاتب السهلة , هم دائماً قرابينه المقدمة للجمهور الغاضب " .

قبل شهور وازاء إنسداد أفق العملية السياسية حملت بشدة على قياداتنا السياسية , أنتقدت مراهناتهم على المبادرة وإنحشارهم ضمن خيارها الضيق , معتبراً إياها باباً مغلقاً يجب عدم إطالة الوقوف أمامه , مطالباً إياهم بالعودة الصريحة إلى العمل من قلب الثورة .

إلى غير ذلك من الإنتقادات المتعلقة بأدائهم على صعيد الثورة والعمل السياسي .

أعترف الأن أني كنت متعجلاً وأن طول نفسهم قد أثمر بما لم أكن أتصور , لم تكن مهمتهم سهله ولم يكن رهانهم خاسراً على الإطلاق , أدرك الآن معنى إحكام الحصار على نظام صالح على هذا النطاق الواسع وتجفيف مصادر دعمه وقوته الخارجية .

في مجتمعاتٍ ضعيفة تغولت عليها السلطة معتمدة على عوامل القهر الخارجي المندمجة في بنية النظام كروافع إستبداد وأدوات سيطرة وإخضاع يغدو إسقاط هذا الشرط من أكبر التحديات , سقط بن علي ومبارك وهما يتشبثان ويلوحان بالخارج كهراوة أخيرة في مواجهة الشعب .

الثورة ماضية وهي الحامل الأساس , والضامن الأهم لإحداث التغيير المنشود , ونجاح العملية السياسية بترتيباتها مرهون بإستمرار الزخم الثوري وبالإحتضان والتأييد والإسناد الشعبي لها .

لم يعد الملعب واسعاً أمام صالح ليمارس هواياته وغواياته هو الآن محشورٌ في أضيق الزوايا , لم يعد بإمكانه الإستئساد على الجميع , ما تبقى في يده من أوراق آخذٌ في التساقط , لن يضل اليمنيون أُسارى صالح وعائلته , ستنجز الأيام القادمة معجزتها وستشهد اليمن تحولها الكبير .

المهمة ليست يسيرة والأعباء أكبر مما نظن , ونحن مرهقون ومن الخطأ أن ندخل في حالة انتظار لما سيتساقط علينا من بركات هذه المرحلة , علينا أن لا نؤمل الكثير إلا من إستمرارنا وقوفاً في الساحات.